28 فبراير، 2015



ضفدع الوحل
 
قصة قصيرة:

 1

... أشم رائحة الثرى.. يبدو أنها بدأت تمطر.. أخيراً.. بعد عام كامل.. بشموسه وأقماره.. وأنا قابع تحت الأرض.. يسقط المطر أخيراً.. إنني أسمع صوت الأرض.. أنصت إلى أنينها الخفيّ وهي تتشرّب البلل.. نحن الضفادع نموذج للصبر.. ندفن أنفسنا عاماً كاملاً تحت التراب انتظاراً لعودة المطر.. صحيح أننا مجبَرون على ذلك بسبب الشمس والجفاف.. ولكن.. آآآآه.. ها هو البلل.. أحس ببرودته.. يلامس جسدي.. يبلل روحي.. الروح أيضاً في حاجة إلى البلل.. جفاف الروح ألعن من جفاف الجسد.

2

   ... يبدو أنني قد تأخرت كثيراً عن البِرْكة.. كل هذا بسبب الثرثرة.. ها هم قد اغتسلوا.. وشرعوا يزغردون للإناث.. بينما أنا لازلت مُلطخاً بوحل عامٍ كامل.. وحل مُعتَّق.. ما هذا؟ ثعبان يبتلع أحدهم..! النداءات ليست لك أيها اللعين.. تركنا لك الأرض عاماً كاملاً.. وتريد حرماننا من لحظة.. يا مَن يغيّر جِلده كل عام..! احذروا.. لقد رأيت ظل جناحين في البِرْكة.. أي عالم هذا الذي نعيش فيه؟ عالم يعجّ بالسموم والمخالب والمناقير.. لو لم أخف أن يكون تجديفاً لسألت الربّ لماذا خلق البِرْكة على هذا النحو؟ ما الحكمة من وجود القَتَلة المتوحشّين المغيّرين لجلودهم؟ بضعة أيام في السنة.. ريثما تجفّ البِرْكة.. ويستخسرونها فينا؟ ألسنا من مخلوقات الله؟ البِرْكة هي حياتنا.. استمراريتنا.. منذ ملايين السنين ونحن نفعل ذلك.. ألا يحقّ لنا أن نسبح وأن ننادي على إناثنا؟ وأن نتزاوج؟ على ذِكْر التزاوج.. كل واحد من هؤلاء الأوغاد يحتضن أنثاه.. بينما أنا لازلت أثرثر عن البِرْكة.

3

   ... ها هي البِرْكة تجفّ.. أطرافها موحلة.. تتشقق.. تنحشر شراغفنا.. ذرّيتنا في القاع اللزج.. على ذِكْر الذرّية.. لم يتسع لي الوقت للإنجاب هذا العام.. يا لي من أحمق.. قضيت وقتي في الصراخ دفاعاً عن البِرْكة.. بينما هم يستمتعون.. يبدو أنهم لا يأبهون لليِرْكة التي تستبيحها المخالب والمناقير والمبدّلون لجلودهم.. لا بأس.. ليس أمامي سوى أن أدفن نفسي مرّة أخرى انتظاراً لمطر العام القادم.. يا لهذا الجفاف.. يا رب.. أسألك أن تجعل كل أيامي موحلة..!

***
(2015)

هناك تعليق واحد: