14 نوفمبر، 2009

باقة فطر

هذه باقة فِطْر (قمحي).. (فقعي)..

جمعتها لكم أمس السبت (2009.11.14)

من ضواحي قريتي.. أهديها لزوّار الخرّوبة.

كَاتِبُ الأماني

1
... إمام قريتنا يمتلك مفاتيح الجَنَّة.. حتى الأغنية الشعبية تقول ذلك: (في يديه مفاتيح الجنّة).. وهو في كل جمعة يُلوِّح لنا بالمفاتيح من فوق المنبر.. ومع أنَّ أبواب الجَنَّة ثمانية.. إلاّ أنَّ مفاتيح الإمام كانت تسعة!
في آخر جمعة من رمضان توعَّد الذين يتركون الصلاة بمجرَّد رؤيتهم لهلال العيد.. ووصف لنا أودية جهنَّم.. وادي العقارب.. ووادي الحَيّات.. وأطنَب في وصف الثعبان الأقرع.. فطوله سبعون ذراعاً.. طول كل ذراع سبعون شِبراً.. وإذا ضرب أحد الخُطاة بذيله فإنه يغوص في قبره سبعين ذراعاً.. طول كل ذراع مسيرة سبعين يوماً!
مسح عَرَقه بطرف كُمِّه.. ثم قال:
ـ الليلة هي ليلة القَدْر.. وما أدراك ما ليلة القَدْر.. إنها خير من ألف شهر.. يعني ثلاثة وثمانين عاماً.. يعني تساوي عُمْراً.. وقد وَعَد الله عِباده بأن يُحقِّق كل أمانيهم في هذه الليلة المباركة.. ستُومِض السماء بنورٍ خاطف.. فمن رآه فعليه أن يذكر أُمنيته.. وستتحقَّق في الحال.
بلع ريقه.. ثم أضاف:
ـ حتى إذا لم تروا النور.. فعلى كل واحدٍ منكم أن يكتب أُمنيته في ورقة.. ويضعها تحت وسادته.. فالملائكة ستطوف عليكم لتأخذ أمانيكم وتصعد بها إلى السماء.. إياكم أن تضعوا شيئاً آخر.. فالملائكة لا تأخذ هدايا ولا نقوداً.. ولا أي شيء من هذا القبيل.. ولا تكتبوا أمانيكم بخطٍّ رديء.. وأنت يا حاج امْحَيْمِيْد حَسِّن خطَّك.. ولا تُتعِب الملائكة في معرفة ما تُريد.. فأنت تَصُفُّ الحروف بطريقة غريبة.. يَعْيَا حتى الشيطان عن فَكِّ رموزها.. إنَّ خطَّك يُشبه أثر الخنفساء في الوحل.
توقَّف ليلتقط أنفاسه.. ثم تابَع:
ـ مَن لا يعرف الكتابة فعليه أن يَمُرَّ عليّ في بيتي بعد صلاة التراويح لأكتب له.. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
2
... انتهت التراويح.. عاد الإمام إلى بيته.. وجد حَشْداً من الناس أمام الباب.
ـ عليك أن تُعينني يا حاج امْحَيْمِيْد.. فيبدو أنني هذه الليلة سأكون كاتباً عمومياً للأماني.
ـ وماذا بوسعي أن أفعل في أمرٍ كهذا؟
ـ يُمكنك أن تفعل أي شيء.. (النواة تسند البرميل).
ضحك محيميد.. وقال بصوتٍ خافت:
ـ مع أنني لا أشبه النواة في شيء.. إلاّ أنك حقاً شديد الشبه بالبرميل!
ـ ماذا قلت يا حاج؟
ـ قلت لا إله إلاَّ الله.
ـ قسِّمْهم إلى صَفَّين.. صَفّ للرجال.. وصَفّ للنساء.
الْتفَت الإمام إلى الحَشْد:
ـ يُمكنكم أن تتمنّوا أي شيء.. فالله عنده خزائن السماوات والأرض.
صمت قليلاً.. ثم أضاف وهو يُقهقه داخلاً:
ـ لكن بشرط ألاّ يتمنَّى أحدكم الإمامة.
جلس القرفصاء.. واضِعاً أمامه قلماً ورُزْمة أوراق.
ـ أول واحد يا امْحَيميد.
3
... دخل خَطّاب الراعي..
ـ كيف حال شِياهك؟ سمعتُ أنَّ أحد التيوس قد نَفَق.
ـ يعوِّض الله.
ـ أرجو ألاّ تُدخِل التيس في الأُمنية.. فالملائكة لا شأن لها بالتيوس!
ضحك الراعي:
ـ لا.. التيوس كثيرة والحمد لله.. أكثر من الهَمّ على القلب.. وقطيعي صغير.. يكفيني حتى تيس واحد.. وأُمنيتي أن يسرح القطيع في أمان.. أعني دون أن تَمسَّه الذئاب.
ـ هذا سهل.. رغم أنَّ السماء لا تُمطِر كلاباً.. لكنَّ الملائكة ستتدبَّر الأمر.
***
ـ الحاجّة مسعودة.. أمنيتك؟
تنحنحت.. سعلت.. حَكَّت رأسها..
ـ أنا عجوز في آخر عمري.. وحيدة.. وقليلة والي..
ـ فهمتُ.. الحاجة مسعودة تتمنَّى أن تعيش في كنَف رجل بقية عمرها.
ـ يسلم فمك يا سِيْدي.
خرجتْ.. سألتْها العجائز:
ـ أَيْش تمنَّيتِ يا مسعودة؟
ـ أَيْش تمنَّيت غير سترة وشهادة!
***
دخل بَدْر يتحسَّس الجدار..
ـ تيامَنْ.. تيامَنْ قليلاً.. ما هي أُمنيتك؟
ـ وماذا يتمنَّى الأعمى سوى قُفَّة مليئة بالعيون!
***
وقفت فضِيْلة صامتة.. صَعَّد الإمام نَظَرَه.. احمرَّت وجنتاها.
ـ اِمْ.. سأكتب أُمنيتكِ وسأعتبِر صمتكِ علامة موافقة.
بدأ يكتب وهو ينظر إليها بعد كل جُملة.
ـ فارس يختطفني..
ـ ………
ـ ولماذا الاختطاف؟ ولكن ما شأني بهذا.
ـ ………
ـ فارس يختطفني على صهوة جواده الأبيض.
ـ ………
ـ هل يجب أن يكون جواداً؟ كان هذا في الماضي.. فلتكن سيارة.
ـ ………
ـ إذا كنتِ تُصرِّين على اللون الأبيض.. فلتكن السيارة بيضاء.
ـ ………
ـ هل تُريدين تحديد نوع السيارة؟ عفواً.. يبدو سؤالي غبيّاً.
طَوَى الورقة وسلَّمها لها.. فخرجت.
ـ أماني العَذَارَى تكاد تكون واحدة.. يبدو أنه يتوجَّب عليّ أن أستعمل الكربون!
***
ـ أُمنيتك يا سُويْهِر.
ـ أنا خَبّاز كما تعلم.. وأُريد أُمنيةً تليق بالمقام.
ـ يا سلام!
ـ ما رأيك في أن تكون أُمنيتي أن يطرد الله إسرائيل؟
ـ يا عيني.. يا صاحب المقام العالي.. لا يا خُوْي.. لا تجعل إسرائيل تُلوِّث أمانينا الحلوة.. دعكَ من ذلك.. الصليبيون مكثوا في فلسطين قرنين كاملين.. ثم بعد ذلك طردهم صلاح الدين.. وإسرائيل ليس لها سوى نصف قَرن بالكثير.. وماذا تساوي خمسون عاماً من حياة الأُمَم؟ شُوف غيرها.
ـ إذن فلتكن أُمنيتي أن أكون قادراً على الاستيقاظ طوال الليل.. فأنت تعرف تعب المهنة.
ـ الأمر أسهل من هذا بكثير.. يُمكنك أن تُعلِّق في رقبتك عَين بُومة.
***
دخل القِطُّ.. تمسَّح بالإمام..
ـ تعال.. سأكتب لك أيضاً.. وحيث إنك لا تستخدم الوسادة.. فسأُعلِّقها لك في رقبتك.. (القِطُّ يتمنَّى فأراً في الإفطار.. وآخر في الغداء.. وثالثاً في العشاء).. ما رأيك.. ثلاثة فئران في اليوم ليست بالشيء القليل.
فيما كان الإمام يطوي الورقة.. لعق القِطُّ شاربيه ومضَى.
... انتصف الليل.. والإمام مُنهمِك روحاً وجسداً وقلَماً في تدبيج الأماني.. فهو يعرف أنَّ الأشياء التي تصعد إلى السماء.. يجب أن تكون بالغة الدِقَّة.
أخذ يُراوِح في جلوسه بين القرفصاء والتربُّع.
دخل طفل صغير..
ـ يا أهلاً.. يا أهلاً.. عَطِيّة.. نعم يا اعْطَيوَة؟
ـ أُريد.. أُريد..
ـ نعم.. قُل.. ماذا تُريد؟
ـ أُريد نجمةً من السماء!
انتفض الإمام.. وضع القلم.. شَبَك يديه.. أخذ يتأمَّل الطفل.
ـ ما رأيك في الحلوى؟
ـ لا.. أُريد نجمة.
ـ حذاء جديد؟
ـ نجمة.
ـ صدقت.. الحذاء لا يُمكن أن يكون كالنجمة.. ورطة!
وضع رأسه بين كَفَّيه وأطرق..
ـ وجدتُها.. ما رأيك في درّاجة؟ تطوف بها يوم العيد على زملائك.. وتذهب بها إلى المدرسة.
ـ أُريد نجمة.. لا شيء سوى نجمة من السماء.
ـ هذا ما لم أحسب له حساباً.
طوى الإمام أوراقه.. دَسَّ القلم.. استلقَى على ظهره.. سحب الغطاء على وجهه وتظاهر بالنوم.. استدار الطفل.. وخرج باكياً.
ـ ما بك يا اعْطَيوَة.. لماذا تبكي؟
ـ الإمام.. لم.. يكتب.. لي.. أُمنيتي.
ـ ما الأمر يا سِيدي الشيخ.. لماذا لم تكتب للطفل؟
ـ اسكت يا امْحَيميد.. كفانا كذباً.. أنا نفسي كذبتُ الكذبة ثم صدَّقتُها.. ولاحِظْ أننا نكذب في ليلة القَدْر.
ـ وما الفرق؟ الكذب كذب في كل زمن.
ـ لا.. الكذبة في ليلة القَدْر تساوي أكثر من ثلاثين ألف كذبة.. رأسُك الصغير لن يستوعب هذا.
ـ اكتب له أي شيء.. حبر على ورق.. أنت خاسر حاجة؟
ـ لا أستطيع.. ثم ماذا لو تحقَّقت الأُمنية؟ ألا تُدرِك معنى هذا.. ألا تُدرِك معنى أن يحصل طفل على نجمة؟ جُمجمتك الصغيرة لن تتسع لهذا أيضاً.. لا يا امْحَيميد.. إنَّ أُمنية اعْطَيوة أكبر من أن تُكتَب.
4
... نام أهلُ قريتنا مُتحسِّسين ـ بين الحين والحين ـ أمانيهم تحت الوسائد.. الإمام وَحْدَه ظلَّ ساهِراً.. يَرْقُب النجوم بقلق.
***
(1995)

03 نوفمبر، 2009

الوظيفة السامية للتخريف

مدخل لقراءة مجموعة (حكايات ضفدزاد) لأحمد يوسف عقيلة
محمد عبد الله الترهوني
·عودة إلى نظام الليالي:

إن العودة إلى نظام الليالي.. يعني العودة إلى الليل الخلاق.. ليل المتعة.. ليل اللذة.. والفكرة الحميمية.. أو عودة إلى التفكير من خلال الطقوس الليلية.. للراوي طقوسه التي تحتفظ له بأُذن السامع.. وللسامع طقوس تحتفظ له بحرارة المروي.. طقوس وجودية [1].. تجعل من حضور الغريب.. أو العجائبي تمهيداً لتجلي السرد.. الليل سماء البوح بلا مباح.. (وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح).. في الصباح ومع شعاع الشمس الأول تتبخر الكلمة المبللة بخيال الراوي.. ويتوقف التداخل بين حلم الراوي وحلم المروي له.. في النهار نستطيع العيش أو النوم بلا أحلام.. بلا خيال.. لكن لماذا الليل؟ ولماذا يحرّم الصباح ما كان في الليل مباحاً؟ (وإذا بامرأة الملك شهريار قالت: يا مسعود فجاءها عبدٌ أسود فعانقها وعانقته وواقعها وكذلك باقي العبيد فعلوا بالجواري ولم يزالوا كذلك حتى ولى النهار[2]).. النهار هو وقت الخيانة.. فجعله شهريار وقتاً للقتل.. في كل صباح يقتل من تزوجها أول الليل.. لن تكون هناك خيانة أخرى.. كابوس آخر.. وبما أن زوجته لن تكون في أي مكان آخر فسينام النهار مرتاح البال.. شهرزاد جعلت من الحكي تعويذة تمنع القتل جعلت من طقوس الليل (أتكلم وتسمعني) تعويذة لاستمرار وجودها.. كيف فعلت ذلك؟ فعلت ذلك من خلال تأخير تجلّي السر لألف ليلة وليلة.. السر الذي لم تكن الحكايات وحدها تحتويه.. بل فضول شهريار هو ما كان يتيح استثمار التجلي البطيء في الليالي.. ولكن هناك سؤال ربما في الإجابة عنه يكمن سر الحكايات في ألف ليلة وليلة.. هل كان أهل ساسان على علم بسبب قتل شهريار زوجته الخائنة؟ أو هل حكى شهريار حكايته أمام شهرزاد فكانت حكايتها عملية تفكيك للحكاية الأولى حكاية الخيانة؟ إن قتل شهرزاد للجواري والعبيد عند رميه عنق زوجته[3].. يشكك في علم أهل ساسان بالسبب ولا ندري إن كان هذا الشك يطال معرفة شهرزاد.. فلاشيء يشير إلى أنها كانت تعلم على وجه التأكيد حكاية شهريار مع زوجته.. إن معرفة شهرزاد من عدمها بهذه الحكاية له أكبر الأثر على المسار التأويلي للحكايات.. وربما تفقد الحكايات دور أفق انتظار القارئ لو لم تكن حكاية الملك شهريار وأخوه والتي كتبها ناسخ الحكايات.. مكتوبة قبل حكايات ألف ليلة وليلة.. سؤال آخر هام وهو.. هل كانت شهرزاد قد قررت أن سلاحها في مواجهة شهريار هو الحكايات عندما طلبت من أبيها أن يزوجها لشهريار؟ إن قول شهرزاد لأبيها (يا أبتِ زوجني هذا الملك.. فإمّا أن أعيش وإمّا أن أكون فداء لبنات المسلمين وسبباً لخلاصهن من يديه).. إن ما قالته شهرزاد لا يوحي أبداً بموضوع الحكايات.. بل إنه يلمح إلى عدة أمور على رأسها أن شهرزاد قد قررت قتل شهريار والانتقام.. وإلا فما معنى كلمة فداء هنا.. ربما فكرت شهرزاد في قتله.. وهذا ما سيؤدي إلى موتها فتكون بذلك (فداء لبنات المسلمين وسبباً لخلاصهن من يديه) إن ما يشكك في صحة النظر إلى قرار شهرزاد بالشكل الذي عرضناه هو قولها في بداية حديثها (أما أن أعيش ...) كيف كانت تتوقع شهرزاد أن تعيش على خلاف كل البنات قبلها؟ إن كل إجابة عن هذا السؤال ما هي إلا طريقة من طرق عديدة يمكن النظر بها إلى مغزى الحكايات.. وما يزيد حالة الشك لدينا حيال قرار شهرزاد هو حديثها مع أبيها الوزير في شأن زواجها من شهريار هو حكاية الحمار والثور مع صاحب الزرع التي حكاها الوزير في محاولة لجعل شهرزاد تتراجع عن طلبها.. وفي رأينا أن هذه الحكاية في غاية الأهمية.. فهي في الوسط بين حكاية شهريار وزوجته.. وكل حكايات الألف ليلة وليلة.. وبالنظر إلى ما تدور حوله هذه الحكاية نجد الفضول وما ينتج عنه.. ومن خلال تتبع السرد نجد أن هناك حالة متعددة من الفضول ينتج عنها أمر يغير في مسار الأحداث.. هناك فضول استماع التاجر لحديث الحمار والثوار.. وهناك فضول الحمار الذي أدى إلى اشتغاله مكان الثور.. وهناك فضول الزوجة التي ألحت أن يبوح زوجها بسبب ضحكه حتى لو أدى ذلك إلى موته.. وفضول استماع التاجر إلى كلام الديك والكلب الذي نتج عنه ضرب الزوجة وردها عن ما كانت تلمح إليه.. في كل مرة كان للفضول نتيجة مختلفة.. كان التاجر سيموت بسبب فضوله (الاستماع إلى حديث الحمار والثور).. وقد نجا بسبب فضوله واستماعه إلى حديث الديك والكلب.. ما الذي كان يرمي إليه الأب من وراء هذه الحكاية؟ هل هو معرفته لفضول ابنته ومحاولتها القرب من شهريار ومعرفته عن قرب؟ أم أنه أراد من هذه الحكاية أن يمنح شهرزاد سلاحاً غير ما كانت تفكر فيه تجاه الملك؟ لو أننا أخذنا بعين الاعتبار وصية شهرزاد لأختها بعد هذه الحكاية مباشرةً والتي تقول فيها (إذا توجهت إلى الملك أرسلت أطلبك فإذا جئت عندي ورأيت الملك فقولي يا أختي حدثيني حديثاً طويلاً نقطع به الليل وأنا أحدثك حديثاً يكون فيه الخلاص إن شاء الله) فإننا سوف نشعر بأن هناك تغييراً في قرار شهرزاد.. وأن أباها قد أوحى لها بالفكرة الرئيسية التي ستخطط على أساسها لألف ليلة وليلة قادمة.. لقد كان كابوس شهريار ناتجاً عن فضوله (فلما عاد الملك ورأى تغير حال ( أخيه) سأله عن سبب ذلك فقص عليه[4] ما كان من حكاية زوجته مع عبده.. وحكاية زوجة الملك مع العبد مسعود وذهاب هذا الكابوس لن يكون إلا بنتيجة معاكسة لفضول جديد إنها حكاية التاجر فضول الاستماع إلى حكاية الحمار والثور أولاً ثم الاستماع إلى حديث الديك والكلب ثانياً هذا هو ما خرجت به شهرزاد من الحكاية..[5] يجب أن نشير هنا إلى أن النظر إلى حكاية الأب بهذه الصورة يتفق والرأي أن شهرزاد كانت تعلم السبب وراء كابوس شهريار (كانت تعلم السر) لأنها لا تستطيع الاكتفاء فقط بالحكي وتقطيع الحكى لأثارة فضول الملك وإجباره على السماع ليلة أخرى.. إن هناك هدفاً اكبر ولابدُ وهو خروج الملك من كابوسه.. وبهذا كان لابد أن يكون للحكايات مغزى يتماشى وهذا الهدف.. هنا يمكن القول إنه ما كان للحكايات أن تكون لولا معرفة شهرزاد بسر شهريار.. لولا التشخيص الدقيق لمرض شهريار ما كان لشهرزاد أن تحدد جرعاتها العلاجية لألف ليلة وليلة لقد وجدت شهرزاد نفسها في مواجهة تضخيم ما يرمز إليه خيانة الزوجة في عقل شهريار.. ولم تفعل شهرزاد غير حل هذا الرمز في كل حكاية بطريقة مختلفة للوصول في آخر الأمر إلى الهدف وهو أن يحكي شهريار حكايته ويتخلص من كابوسه ولو أن شهريار لم يتكلم لما علمنا بتفاصيل حكايته مع أخيه.. فربما كنا سنعرف من بعض من في القصر عن سبب موت زوجة شهريار ولكن أبداً ما كنا لنعرف أن أخاه قتل زوجته و لماذا قتلها.. إذن نحن مع شهرزاد أمام حادثة ماضية تحولت إلى كابوس وحلم مزعج من الماضي.. كان على شهرزاد أن تحارب البنية الرمزية لهذا الحلم في عقل شهريار.

أمّا مع ضِفْدزاد فقد كان الأمر مختلفاً.. كان ضفديار يعاني هو أيضاً من حلم يتكرر كل ليلة تحول إلى كابوس.. لقد رأى في منامه ( ثعباناً).

(وياله من كابوس.. شئٌ مُفزِع.. مُرعِب.. رأيت ثعباناً دَخَل البِركة.. وأخذ يُفتِّش عنِّي.. تصوَّري.. يُفتِّش عنِّي أنا بالذات.. هنا في القاع.. مع أن المستنقع يعجُّ بالضفادع) تكرر هذا الكابوس في الليالي اللاحقة.. علينا أن نلاحظ أن ضفديار قد قام بالبوح بسره من البداية عكس شهريار الذي انتظرت شهرزاد ألف ليلة وليلة ليقوم هو بالكلام "أحسَّت ضِفْدَزاد بأن مصير البِركة قد أصبح متوقِّفاً عليها" كما كان مصير جنس شهرزاد متوقفاً عليها.. ماذا فعلت ضفدزاد؟ "لقد آن الأوان للاستفادة من مخزون حكمتها.. حتى تعيد الأمور إلى نصابها".. "وأدركتْ بأنها أصبحت في مواجهة وصراع مع الثعبان الذي يقتحم مخدعها كل ليلة".

علينا أن نشير هنا إلى أن شهرزاد كانت في صراع مع تذكر فعل الخيانة التي تحولت إلى كابوس.. وتحول إلى خطر يهدد حياتها هي نفسها في آخر الأمر.. أما ضفدزاد فقد كانت في صراع مع حلم تحول إلى كابوس لكنه يهدد الملك نفسه.

إن هذا الأمر يعني استخدام سلاح مختلف في هذا الصراع (إنه لا يرى الكوابيس إلاّ في الليل.. هل هي كراهية للظلام؟ حسناً.. إذن يجب أن لا ينام.. أعني في الليل.. حتى إذا نام نهاراً بعد طول السهر.. نام نوماً عميقاً.. ولكن ما الذي يجعل ملكاً لا ينام؟".. "المشكلة أنني أُحارب ثعباناً وهمياً.. إنه يلتفُّ ويتثنَّى هناك.. بعيداً في تجاويف الرأس.. تُرى ما الذي يطرد الثعابين من ليل الملوك؟!).. "قرَّرت أن تشحذ ذاكرتها.. وأن تسترجع كل الحكايات التي تعرفها.. أن تخرجها من الظلام.. لتفرغها في رأس الملك.. حتى تزحم ذلك الوحشَ المُلتفَّ في مكانٍ ما من رأس جلالته.. بدأت تَحكي له كل ليلة".. نعم تستخدم ضفدزاد نفس سلاح شهرزاد في مواجهة الكابوس الملكي.. لكن يبقى أن كلاً منهما يؤسس الحكي في مسارة علاجية مختلفة.. تؤسس شهرزاد الحكي ليتكلم الملك في النهاية.. أما ضفدزاد فتؤسسه على كلام الملك نفسه.. في الحالتين يلعب الرمز دور المعالج.. مع شهرزاد يعالج الماضي ذكرى تحولت إلى شبه الحلم.. أما مع ضفدزاد فهو يعالج المستقبل.. حلم ينذر بما سيقع.

اللغة هي مكون الحلم وهي في نفس الوقت أداة تفسيره وتجليه.. إن اللغة في عالم الأحلام رمز وتأويل.. نص ورسالة.. باطن وظاهر [6].. شهرزاد كانت بالرمز تجعل من النسيان شيئاً ممكناً.. بما أن كابوس شهريار في الماضي.. أما ضفدزاد فتجعل للرمز عملاً وقائياً تحذيرياً.. بما أن حلم ضفديار كان نذيراً لوقوع أمر.. إنه في حالة شهرزاد تغييب.. أما في حالة ضفدزاد فهو استحضار.. كانت شهرزاد تحلم بطريقة معاكسة لحلم شهريار.. وضفدزاد تحلم بطريقة معاكسة لحلم ضفديار بما أن الرمز حلمي في أحد أبعاده أي يتأصل في الذكريات.. في الحركات التي تنبعث من أحلامنا في كلتا الحالتين كان يتم حصار ما لا يمكن حصاره.. فعلت شهرزاد ذلك من خلال مراكمة أحلام كثيرة على حلم أول أصبح مع الوقت بعيداً مكانه النسيان.. وفعلت ضفدزاد ذلك من خلال تحويل الصل (الثعبان) إلى عدة فروع والنظام إلى تشتيت.. والواحد إلى كثرة.. إنه تفكيك ثعبان الحلم إلى أجزاء صغيرة تعيد مع الوقت الثعبان إلى الظلام.. ولم تكن ضفدزاد تعمل على النسيان بل على العكس كانت تريد من أحلامها هي (حكاياتها) أن تجعل الثعبان أكثر وضوحاً أكثر تمييزاً أمام الملك.. وإذا حدث ذلك تجلى السر وفقد المجهول كل سطوته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ـ ( اتكلم وتسمعني.. إذن نحن موجودان) يعارض يونغ بهذه الجملة.. جملة ديكارت (أفكر إذن أنا موجود) راجع الكلمة والحوار والرواية ـ جوليا كريستيفات ـ حسن المودن.. مجلة الأدب الأجنبية.. العدد 104.

[2] ـ ألف ليلة وليلة.

[3] ـ المصدر السابق.

[4] ـ لا يمكن هنا أن نغض النظر عن موضوع الألحاح فأخو شهريار بألف ..... يمثل تلك الحاية إلا تحت إلحاح شديد.

[5] ـ وهذا عكس ما ذهب إليه عبد الفتاح كيليطو في العين والإبرة من أن شهرزاد (لم تذعن للإثارة ولسلطة الحكاية المروية من طرف أبيها) وهو لم ير أن هذه الحكاية إذا لم تستطيع جعل شهرزاد تعدل عن قرارها.. فستكون هي سلاحها في النجاة وبنات جنسها من القتل. أنظر العين والأبره.

[6] ـ تفسيرات الحلم وفلسفات النبوة.

02 نوفمبر، 2009

بين الميثولوجي وإعادة تشكيل الواقع

قراءة في مجموعة" الخيول البيض" لأحمد يوسف عقيلة
محمد عطية محمود

"الليالي الأربعون موسم من مواسم الحكايات..."
في مجموعته القصصية"الخيول البيض" الصادرة في طبعتها الأولى في الفاتح 1999ميلادية، عن الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان بالجماهيرية الليبية، والتي تُرجمت إلى اللغة الفرنسية في طبعة لاحقة.. يؤسس (أحمد يوسف عقيلة) لكتابته القصصية القائمة على التعانق بين (الميثولوجي)، بكل ما تحويه هذه المفردة الجامعة للفلكلور والتراث وعلم الأساطير معاً، والطبيعة بكل مترادفاتها ومكوناتها الدالة على البيئة الريفية المجاورة للصحراء، بصفة خاصة ولصيقة إلا أنها تنتمي إلى المجتمع الأم/الصحراء بكل ما تحمله من متناقضات ومزايا في نفس الآن.. الصحراء التي تطبع على مبدع أدبها بطابع تلحظه العين الثاقبة من حيث الرهافة الشديدة، مع قوة الروح التي يسبغها المبدع على شخوصه مع سعة الخيال المتفتق والمترجم/الراصد لما وراء العلاقة بين الأشياء، و هو ما يُحرّك النصوص جميعاً في اتجاه هذا الحوار البديع بين إنسان هذا المكان وبيئته وتراثه وأسطورته الذاتية التي تتحرك من خلال جو أسطوري، أو تراثي مشبع بالأسطورة.. و ذلك مما يدلل أيضاً على أن المبدع ابن بيئته، يستقي منها ما يلفت النظر ويدهش، ويجعل من القصة القصيرة/الحدوثة المروية بمهارة القاص، لا ببداهة الراوي الشعبي أو المؤرخ الفاطن، بلا خلفية صادقة تظاهر النص القصصي وتحميه من الجمود و الوقوع في دائرة التسجيلية.. فنحن بإزاء مجموعة قصصية أو مجموعة من اللوحات الطبيعية الموحية والشاهدة على تراث/فلكلور/مد أسطوري يتغلغل في ثنايا النصوص يجعلها بطعم التاريخ الممتزج بتضاريس الأرض، و مشاعر أبنائها، وواقعهم الآني و الموروث، المستمد أيضاً من هذه الروح الأسطورية.. والمتفاعلة مع إنسان العصر الشاهد على هذا الامتزاج.
***
أسطرة الواقع:
تتجلى في نص المجموعة الرئيس"الخيول البيض" أسطورة ليبية مرتبطة بخصوصية المكان (الجبل الأخضر) بما يحمله من سحر الجمع بين الريف و الصحراء، و ما يمكن أن تسقطه هذه الأسطورة على الوعي الجمعي المرتبط بالوعي الديني أيضاً من خلال موروث ميثولوجي ديني يتعمق في أرض المكان/الشخصية، ويتآلف مع بنائها وأحلامها وطموحاتها، كما ترتبط هذه الأسطورة بفترة الأربعين يوماً التي يشتد فيها الشتاء، لتجزل الطبيعة العطاء لهذه البيئة، فيقول في مفتتح نصه:
"... الليالي الأربعون موسم من مواسم الحكايات..
ـ يقولون إنَّ الراعي مسعود قد ذهب بقطيعه إلى الأودية.. فهذا أوان ظهور الخيول البِيض.
ـ مسكين هذا المسعود.. منذ سنوات وهو يفعل ذلك في عِزّ الشتاء دون جدوى." ص24.
ليحتكم النص هنا، مع ارتباطه بعنصر الحكاية التي تمثل عصب العلاقة بين الواقع و الموروث، إلى هذا الوعي الذاتي الباحث عن أسطورته الخاصة التي تتحقق بها و فيها آماله، والمرتبط بالوعي الجمعي الذي يدور في فلك هذه الطبيعة والواقع تحت أسر هذا الموروث الديني/الشعبي، الأسطوري الذي يسبغ سماته على هذه الظاهرة، وذلك مما يبدو من الحوار الدال، والذي يلعب دوراً هامّاً كأداة من أدوات فنية الكتابة في هذا النص.
" ـ ويقولون أيضاً إنَّ مَن يرى الخيول البِيض يُحقِّق كل أمانيه.
ـ ويتزوَّج بمَن يشاء.
ـ الخيول البِيض لا يُمكن للنساء أن تراها.
شهقت الأخريات شهقةً جَماعية:
ـ لماذا؟
ـ لأنها لا تظهر إلاّ في ليلةٍ واحدةٍ من السنة.. وهي ليلة غير معروفة.. كما أنها لا تظهر إلاّ في الأودية البعيدة.. وقد تمرُّ سنوات دون أن يراها أحد"ص25.
لتتماس الأسطورة كبُعد ميثولوجي مع ليلة القدر كبُعد ديني عقيدي مؤثر يستمد أهميته وقيمته من النص المقدس/القرآن الكريم، وكنوع من التلاقح بين الثقافة الدينية والثقافة الشعبية المختزنة في الوعي الشعبي المرتبط بالعقيدة، وبالموروث في نفس الآن. إلا أن المفارقة التي يضعها النص في نهايته تضع حدًّا للحلم المرجو تحقيقه، بتفلت هذه الليلة من بين يدي الحالم، ليسير الواقع في عكس اتجاه الأسطورة/الحلم:
"... في آخر الليل غلَبه النعاس.. فاستسلم للنوم بالقرب من الجمرات الخابية تحت الرماد الأبيض.. وقُبَيل الفجر.. حينما كان مسعود لا يزال مُستغرِقاً في النوم.. كانت الخيول البِيض تنحدِر مع الوادي.. وقد أخفت السفوح النَّديَّة وَقْعَ سنابكها."ص27.
بما يدع مجالاً لإثارة السؤال حول ماهية الأماني، والتي ربما طرحها نص آخر هو"كاتب الأماني"، وإن كان من منظور آخر، حيث تتحكم خرافة شيخ المسجد ـ كجزء من الميثولوجيا المرتبطة بالتراث غير السوي للدين ـ والتي تتماس مع"صكوك الغفران" التي سادت العصور الوسطى في أوربا، وصارت جزءاً من تاريخ العالم وتراثه المقروء، ودلالة علة عمق الهوة بين العقيدة والسلطة الدنيوية، حيث يقول النص في مفتتحه؛ كعتبة دالة كاشفة:
"... إمام قريتنا يمتلك مفاتيح الجَنَّة.. حتى الأغنية الشعبية تقول ذلك: (في يديه مفاتيح الجنّة).. وهو في كل جمعة يُلوِّح لنا بالمفاتيح من فوق المنبر"ص29.
حيث تأتي الإشارة هنا إلى هذا الموروث الديني المغلوط، على نحو من السخرية الخفيفة المختلطة بأسى، قد تبدو جليّة من خلال الحوار ـ من طرف واحد، و هو نوع آخر من الحوار يوظّفه الكاتب ـ الذي يجري على لسان الإمام/الضمير العقيدي لأهل القرية، وإن كان من خلال خطبة يوجّهها إليهم، بما يشي بانعدام الحوار المتفاعل، كسمة من سمات العقل والتحضر غائبة عن هذا الحقل الاجتماعي، بهذه النبرة التهكمية الساخرة أيضاً والمستبطنة لشعور ذاك الإمام بجهل/دونية الفهم العقيدي لدى هؤلاء الناس:
" ـ ولا تكتبوا أمانيكم بخطٍّ رديء.. وأنت يا حاج امْحَيْمِيْد حَسِّن خطَّك.. ولا تُتعِب الملائكة في معرفة ما تُريد.. فأنت تَصُفُّ الحروف بطريقة غريبة.. يَعْيَا حتى الشيطان عن فَكِّ رموزها.."ص30.
كذلك تلوح في النص، ثيمة الأمثال الشعبية المتوائمة مع ذات البيئة، والتي يبثها الكاتب في نصه، كتقنية تساعد في طرح أساليب التعبير عن المواقف والحالات التي تستمد من تراث و مفردات البيئة ذاتها، وذلك من خلال حوار آخر لكنه موصول بين الإمام وأحد المأمومين:
" ـ يُمكنك أن تفعل أي شيء.. (النواة تسند البرميل).
ضحك محيميد.. وقال بصوتٍ خافت:
ـ مع أنني لا أشبه النواة في شيء.. إلاّ أنك حقاً شديد الشبه بالبرميل!"ص31.
وهكذا على هذا المنوال، الذي ربما ظهر في متون نصوص أخرى.
ومع تنوع الأماني وتدرّجها و تباينها تبدو سمات هذا المجتمع القبلي، وتتمايز شخوصه، لكنها ترتبط دوماً بأشياء مادية مرتبطة بالمستوى الأفقي للحياة، في حاجة الراعي إلى كلب وفِيّ يحرس شياهه، و العجوز إلى رجل تستعيد به ما مضى، والأعمى إلى عين يرى بها، و الفتاة إلى فارس أحلام يسعدها... إلى آخره.. إلى أن يصل إلى أمنية الصبي الذي يريد"نجمة" في السماء:
"انتفض الإمام.. وضع القلم.. شَبَك يديه.. أخذ يتأمَّل الطفل.
ـ ما رأيك في الحلوى؟
ـ لا.. أُريد نجمة.
ـ حذاء جديد؟
ـ نجمة."ص38.
لتضع نهاية النص الإمام في حيرة، تطلعاً إلى مستوى أعلى من إدراكه، وإدراك من حوله، ليضع الطفل الصغير، مجتمعه/بيئته/تراثه، في مواجهة جديدة مع الأماني، ولتصنع النجمة بدلالتها مع النهاية المغايرة بتطلع الشيخ نحو السماء، هذه المفارقة كمحاولة للمغايرة أو الخروج عن النمط السائد.
***
ثمة تعانق آخر مع الأسطورة فيما بين نصَيّ"المتاهة"، "شوال التمر"، فاختفاء (الجدة العذراء) التي ابتلعها الكهف، بما تحمله من تراث وتاريخ، واستنبات للأسطورة من رحم لم يلد (!) في نص"المتاهة" قد يرمز إلى إشكالية القدرية، وضياع الحقيقة في كهف الحياة، حيث تتحول الجدة/التاريخ إلى حكاية شعبية تراثية تحوطها الدهشة، وتظل مثاراً للعجب، وترتبط ارتباطاً مغلوطاً بالغيبيات، يطرحها النص من خلال مشهدية البداية، الدالة دائماً ـ و هو مما يُميّز نصوص المجموعة في الغالب.
"... ضباب الصباح يستلقي في الأودية.. وبعض السُحُب الشاردة تجوب السماء.
الْتقطت رَجْعَة عصا رقيقة.. فتحت باب المَرَاح.. فتدافع القطيع.. غَصَّ المدخل.. ثم تدفَّقت الشِياه خلال مسارب الغابة."ص41.
هذا التدفق الخارج من أَسْرِه، يتلاقى مع الدلالة العكسية لاسم الجدة (رجعة التي لن ترجع) من خلال الاستهلال.. الممهِّد لهذا التحول:
"أخذت تًفكِّر..
ـ رجل.. امرأة.. كهف..
أحسَّت بارتعاشٍ لذيذ.. دخلت.. نادت:
ـ سعد.. سعد.
مشت في ضوء المدخل.. أحدثت خطواتها خشخشة.. انبعثت رائحة الزبل الجاف وذَرَق الطيور"ص43.
هذا التورط المتدرج، مع الطبيعة ومفرداتها الدالة على التوحش، مع مغامرة التوغل في غير المأمون، وهذا الجو الكابوسي الذي يفرض تفاصيله على وعي هذه الشخصية الذي يتحول إلى لا وعي في مواجهته، هو في الوقت ذاته دال على العلاقة بين الإنسان وأحراش بيئته التي تُمثِّل عنصراً ضدّياً له عبر مسارب حياته.
تبرز هنا أيضا أهمية الحوار المبتور الذي يشي بعدم التواصل أو الصدمة التي تلاقيها الشخصية في مواجهة المجهول، والتي تواصل النداء والبحث، بشيء من الفضفضة النفسية/البوح الذي يساعد على وصف تضاريس المكان الدالة على التورط في هذا المجهول:
"... أفاقت.. شعرت بالبرد.. تحسَّست الجدران الرطبة.. تلمَّست جسدها العاري.. واكتشفت كل شيء"ص44 .
هذا الاجتراء على براءتها وجسدها الغض، قد تحول بفعل القوى الطبيعية إلى عنصر من عناصر بناء الأسطورة/الخرافة التي خرجت بدلاً من الفتاة/الجدة/التاريخ من هذا الكهف المظلم، لتخلد الأسطورة وتفنى هي، وتدور الحكاية على الألسنة وتحتفظ بها الذاكرة الجمعية لوعي بيئتها، حيث يقولص46:
"... منذ ذلك اليوم.. وأطفال قريتنا لا ينامون.. حتى يسمعوا من جَدّاتهم حكاية العذراء التي ابتلعها الكهف".
فما بين البداية والنهاية تقف الحقيقة الغائبة عن هذا الوعي الجمعي، الذي لا يلتقط بذاكرته إلا أثر الغياب المغيب أحياناً للعقول..
بينما يحطّم بطل نص"شوال التمر" أسطورته التي بناها و شيدها عروساً/صنماً من تمر، توفَّر له من هدية، لعلها هدية الطبيعة الصحراوية/البيئة إليه، فتوحد مع ذاته ناظراً إلى كومة التمر التي نتجت عن تفريغه على الأرض، ليبتكر معها وبها هذه الفكرة/النبتة الأسطورية، لفنان حاول التعامل مع طبيعته المتاحة على نحو من تنفيث الرغبات من خلال حوار ذاتي:
"ثم شرع يُشكِّل الكُتلة.. يأخذ من الأسفل ويضع في الأطراف.. يقطع من الأمام ويُلصِق في الخلف.. يدور حولها.. ينْزع قطعةً من الوسط ويجعلها في الأسفل.. يدور.. يدور.. حتى حلول المساء.
أشعل المصباح.. ألقَى نظرةً فاحصة على مخلوقته"ص57 .
ثم يتحول الحوار الذاتي إلى حوار مع من خُلِقت من تمر ـ في وعيه المرتحل بعيداً عن الوعي المادي ـ و هو نوع آخر من الحوار يطرحه النص ويستفيد منه، من خلال الأشكال المتعددة لتقنيات الحوار بالمجموعة، وربما أتى هنا ليُعمِّق الفجوة بين الإنسان وما يجده بعدما يشتهيه، ويجد فيه ذاته، والذي ربما نحى منحىً عبثياً ربما جعله من قبيل الهلوسة أو مظهراً من مظاهر فقد الاتزان:
"ـ سئمتُ ثرثرتكِ.. مَن تظنِّين نفسكِ؟ لم يتغيَّر فيكِ شيء.. حتى الفراشة نسيت أنها كانت دودة.. حطَّمت شرنقتها.. وحلَّقت.. أنتِ لم تتخلَّصي من عُقدة الشوال.. لازلتِ مُجرَّد شوالٍ من التمر"ص61.
لقد صنع (عقيلة) من شخصية النص، نموذجاً حيًّا للإنسان حينما يتفاعل مع بيئته، ويتمادى ليصنع منها أسطورته، بما أُوتِي من مقومات، وبما يبرهن على القدرة على التكيف مع معطيات الواقع، مع إعطائه بطله المنفرد القدرة على الثورة في وجه هذه الأسطورة التي تحولت من واقع مادي جامد، بفعل الاحتياج إلى الدفء، إلى واقع حسي مفترض.
وبحيث يبقى للرموز الدالة تأثيرها تقنياً على الكتابة القصصية لهذا النص وغيره من النصوص التي يعالج فيها أموراً واقعية تصنع لها أصولها التراثية إطاراً من الخرافة واللجوء إلى الدجل والتعاويذ كما في نص"المجنون"، والعلاج بأشكال متعددة ربما استمدت بعضها من الطبيعة، واستفادت جيداً من عطاياها، وربما ذهبت بعيداً عنها لتأتي بالجانب الأسوأ من التأثير المضاد للطبيعة والتي تتباين في نصوص مثل "الوصفة الأخيرة"، و"دروب"، و"وصفة"، مع الاتكاء على لعبة المفارقة التي قد تبدو أحيانا فعلاً متوقعاً حدوثه، لكنها لا تني تتوقف عن إحداث الدهشة التي هي قرينة كل عمل قصصي موفق.
***
إعادة تشكيل الواقع:
لكن اللافت للنظر هو تكامل اتجاه المجموعة إلى البعد الميثولوجي، مع البعد الطبيعي والتطلع إلى محاولة صياغة الأمور/النصوص بصورة تبدو أكثر شاعرية تعانق ذلك الحس التشكيلي المتطلع إلى محاولة تغيير أو إعادة تشكيل الواقع المحيط بإبراز أجمل ما فيه، أو رسم صورة مغايرة قد تجمل الواقع وتظهر أبْهى ما فيه من خلال عشق مبَرح لتفاصل بيئة عزيزة على الوجدان، كما تساهم في كشف سمة من سمات التجزر التي يعاني منها إنسان هذه البيئة/هذا العالم، ومعاناته من جراء تجزره وانعزاله، وربما توحده المريض مع ذاته تارة، وتوحده المبدع مع بيئته تارة أخرى..
فتبدو في نص"المرآة" معاناة المرأة العجوز في محاولة إعادة البهجة إلى تقاسيم وجهها، في موازاة مع هذه الإشكالية التي تحاول فيها إعادة صياغة واقعها، من خلال مرآة، بعدما فقدت ميزة النظر إلى ذاتها في مرآة وجه زوجها الذي يشير إليه النص في سطوره الأولى على أنه (يُصرُّ على الاحتفاظ بتكشيرته الأبدية) ص143، فيكمل في ص144:
"تأمَّلتْ وجهها طويلاً.. ثُمَّ أَشاحت.. وأَنْحَت باللائمة على المِرآة التي لم تَعُد تُظهِر الوجوه كما ينبغي!"
ليشير النص إلى عدم التواصل مع أي من المرآة أوالزوج.. دلالة على انقطاع الوصل بأسباب البهجة والحياة، لكنها لا تني تتوقف عن محاولات تغيير هذا الوجه، وإعادة الحياة إليه، بمحاولة تشكيل واقع جديد، قد لا يختلف كثيرا عن واقعها الآني!:
"حاولت أن تُعَدِّل من ربطة المحْرَمة.. وحرصت على أن تجعل طرَفها يتهدَّل على جبينها ليُخفي التجاعيد.
ـ أنا لم أَعُد تكاميل.. صدق الداهش حين قال بأنني أصبحت تناقيص!"ص145.
ليشكل هنا الحوار الذاتي/المونولوج الداخلي ملمحاً متواصلاً في متن النص ـ كما في أغلب نصوص المجموعة ـ ينم عن عدم التواصل الذي تعاني منه الشخصية المحورية المنفردة بالنص، والمتفردة بكونها تعاني التوحد كمرض دال على تجزرها رغم وجودها في محيط عائلي.. كما يشكل الاسم ملمحاً آخر دالاً على عدم التواصل الشخصي والجسماني للمرأة مع اسمها، مع تأكيدها من خلال هذا الحوار أيضاً:
"ـ لست أدري لماذا لا يصنعون مَرايا تحتفظ بالوجوه شابةً فَتيَّة؟"ص145.
ليختتم النص بنهاية دالة على الفشل في إعادة تشكيل هذا الواقع، ولو على المستوى التوهمي أو المصطنع، بعد فعل استعارتها لمرآة جارتها الصقيلة:
"اجتاحها إحساس بالفرح المَشُوب بالتشفِّي.. وهي تسمع صوت الارتطام والتكسُّر.. انحنتْ.. وأخذت تتأمل وجهها المُبعثَر في الشظايا"ص147.
ربما تماهت هنا النهاية مع نهاية نص"شوال التمر" الذي ربما فشل صاحبه في محاولة أخرى من محاولات إعادة تشكيل الواقع، وإن كان من خلال أسطرته لكائن صنعه بيده، ثم انقلب عليه ثائراً وكافراً به.. و ربما تماست فكرة النص أيضاً مع نص"حكاية مدينة" من حيث تجسيد حلم الشخصية الباحثة عن وطن بديل/مدينة فاضلة، من خلال محاولة بناء مدينة من الرمال على شاطيء البحر، ولكن هيهات تأتي الرياح والأمواج بما لا تشتهي (المدن) أو صانعوها، لتشكل نهاية النص البارعة دلالة هامة على مدي استحالة تحقيق الحلم الواهي بتشكيل أكثر وهناً وضعفاً:
"... ارتفع المَدّ.. أخذت الأمواج تطال أطراف المدينة.. بل بدأت تبتلع أحياء بكاملها.
وقف فوق الأنقاض.. أخذ يتطلَّع إلى البحر.. مَدَّ سَبّابته.. واندمج يعُدُّ الأمواج." ص152.
بينما يختلف الحال لدى شخصية زينب في نص"المفرش" والتي تفلح في تشكيل واقع خاص بها، وإن كان من خلال الأحلام/حلم اليقظة أو الإبداع الحلمي الذي انسال عبر يديها على سطح مفرش، حيث جنح بها النص لتبحر في مخيلتها تستشف منها أحلامها البسيطة المترعة بالأمل، وتنجز بها ما لم تحققه لها الأيام و الليالي:
.. ظِلال.. كانت زينب هذه المرَّة تصنع ا"بين أنامل زينب أخذت الأشياء تتشكَّل.. البيت.. الشجرة.. العصفوران.. العُشّ.. شمس ذهبية تتربَّع فوق حافَّة الأُفق.. أضواءلآفاق." ص162.
ومع انسياب هذه الأنامل على المفرش/أرض الواقع الجديد، المتخيلة الطوباوية.. ينساب النص، ليحقق المعادلة الصعبة التي يرنو إليها الخيال العاشق المتفتق، ليكمل الصورة البَهيّة:
"صعدت الشمس.. تحرَّكت الظِلال.. اهتزَّت الأغصان.. اقترب العصفوران من بعضهما.. انفتحت النوافذ.. تسلَّل شُعاع الشمس إلى غُرَف البيت..".
إلى أن يكتمل الحلم الطوباوي، بالتحامه بأرض الواقع/الامتداد:
"وتحت الشجرة ظهر طفلٌ يَحْبو" ص163. كما يمثل نص"وحشة" تلك الرغبة الأكيدة التي لا تغادر نفس الرجل الضرير الذي يستحث الأشياء و البشر المحيطين إلى التواصل معه، ومحاولة إعادة الأشياء إلى أشكالها المعتادة لديه قبل إصابته بالعمى، والتي يُرجعها النص إلى سبب تاريخي يتعانق مع جغرافيا المكان ـ مرة أخرى ـ و هو الصحراء، من خلال طرحه للأسئلة الدالة على عمق صلته بالحياة، ولكن دون جدوى وسط سخريات الآخرين، لتأتي النهاية دالة على تمسكه بهذا الأمل/التواصل مع الحياة من خلال محاولة استرجاعه للكون:
"... ومضى يسترجع صورةً للكون.. حتى غَيَّبه الليل.. وظلَّ صوت العصا الْمُتحسِّسة يُسمَع واهِناً في الظلام" ص168.
تُختتَم المجموعة ختاماً مشهدياً دالاًّ من خلال نص"انبعاث" أو اللوحة التشكيلية الطبيعية الباهرة التي تتعانق فيها كل دلالات الحياة، وحلمها الطوباوي المتمثل في تآلف كل الكائنات والظواهر إبراز أجمل ما في الكون/الطبيعة/الأرض/الوطن المرجو، تحمل حلم المبدع/الكاتب/ ابن بيئته بأن تتفتح دنياه/أرض منبته و منشئه كما تتفتق الأرض عن باطنها الواعد بالخير..
"تندفع الغيوم.. تحجب الشمس.. تنسكب.. تتغلغل المياه بين خطوط الحرث.. في شوقٍ إلى دفء الأرض.
يهتزُّ التراب.. يربو.. يتشقَّق.. تتفتَّح الحَبَّة في الأحشاء.. تنتأ البراعم.. تبرز.. تنبعث.. خضراء.. طريَّة.. تكبر.. تستغلِظ.. تستوي على سُوقِها.
تُطلِع السنابل رؤوسها.." ص172.
***
(2009)
ـ محمد عطية محمود.. قاص وروائي مصري.. الإسكندرية.
له:
ـ على حافة الحلم ـ قصص.
ـ وخز الأماني ـ قصص.
ـ في انتظار القادم ـ قصص.
ـ دوامات الغياب ـ رواية.
فائز بجائزة قصور الثقافة.
Mohamadattia_2003@yahoo.com

31 أكتوبر، 2009

السقف

(إلى أحمد إبراهيم سعد..
وُلِدت هذه القصة يوم مَولِده)
( س )
... أنا ـ وأعوذ بالله من كلمة أنا ـ عامل سقوف.. تعدَّت شُهرتي إلى القُرى المجاورة.. لستُ سَقّافاً للبيوت فقط.. بل للحظائر والزرائب ومراح الأغنام.. وحتى لِقنّ الدجاج.. فأنا مُتخصِّص في شيء اسمه سَقف.. الخَرساني.. القرميدي.. الصفيحي.. المُسَطَّح.. المُحَدَّب.. المُتحرِّك والثابت.. والقِباب أيضاً.. الكبيرة كقِباب المساجد.. والصغيرة كقِباب الأولياء.. بل حتى من الناحية اللغوية.. فأنا قتلتُ السَّقفَ بحثاً.. فمِن تقليبات الفعل (سَقَفَ): فَسَقَ: والفسوق لُغةً هو خروج الرُّطَبَة من غِشائها.. فالفسوق هو الخروج عن سَقْف الطاعة.. ومن التقليبات أيضاً: فَقَسَ: فالبيضة تُشكِّل السَّقْف الذي يحمي الطائر.. و(السّقَف) في اللهجة الليبية هو عُشّ الطائر الكبير.. كالعُقاب والحدَأة والغُراب.. ويبدو لي أنَّ معنى السَّقف جاء من هنا.. فهو يعني الارتفاع.. كأعشاش الطيور الكبيرة المركوزة في أعالي الشجر وحواف الأجراف الصخرية.. والسَّقِيفة هي المكان المَسقُوف الذي لا جُدران له.. لكن دعونا الآن من القاموس.
( ق )
هناك بعض السقوف تحيُّرني.. تربكني.. لا أحبُّ التعامل معها.. كسقف الوظيفة.. فأنت عندما تدخل مؤسسةً ما طالِباً وظيفة.. يقول لك المدير دون أن يلتفت إليك:
ــ السَّقف الوظيفي ما يسمحش.
فتنظر إلى فوق.. إلى السَّقف.. فتبهرك الثُّريّات.. تفتح ذراعيك على اتساعهما.. وتمضي دون أن تفهم.
... هناك سَقف آخر ألعن.. هو سَقف الإنتاج.. فهو يعلو ويهبط.. شيء لا تستطيع الإمساك به.. أو حتى لَمْسه.. وهناك سَقف للزواج أيضاً.. فأنت لا تستطيع أن تتزوج أكثر من أربع نساء.. أَعني مهما كانت فحولتك.. لكن دعونا من هذا.. واسمعوا ما حدث معي في مركز الشرطة.. فقد طلب مني السيّد رئيس المركز أن أُرَمِّم سَقف السجن.. فهو.. كما يقول.. عبارة عن بُرْج قلعة منذ العهد الإيطالي.. والإيطاليون ورثوه عن الأتراك.. والأتراك ورثوه عن الرومان.. والرومان قالوا بأنه تَرِكة من تَرِكات الإغريق.. ويُقال أيضاً بأنَّ فرسان القدِّيس يوحَنّا قد استعملوه أيضاً.. حين غزَوا بلادنا في العصور الوسطى.. فلا شكَّ أن سَقفه قد اهترأ بفعل الشتاءات الباردة والجليد.
( ف )
... كان السجن مُكتظًّا.. يسندون ظهورهم على الحِيطان المُتقشِّرة.. يضمُّون رُكَبَهم إلى صدورهم.. يتقفقفون.. وينشقون بأنوفهم.
لسعني البرد أيضاً.. رفعت رأسي.. تبدو الجدران لا نهاية لها.. ذاهبة في السماء كَطَعْنة.. تسلَّقَتْ عيناي الجُدران إلى حوافِّها العُليا.. فتبيَّن لي أنَّ السجن لم يكن له أيّ سَقف أَصلاً.
***
(2002.8.3)

25 أكتوبر، 2009

النملة

من كتاب: حكايات ضِفدَزاد
لأحمد يوسف عقيلة

بلغني أيها الملك السعيد.. أنَّ نملة كانت تسير مع فيلٍ جنباً إلى جنب فوق جسرٍ صغير.. وبدأت تتحدث:
ــ كم كانت جدتي حكيمة.. حين جعلت النبي سليمان يبتسم عندما قالت: (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ.. لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ).
نفخ الفيل بخرطومه في اتجاه النملة.. مما جعلها تطير.. وتتدحرج فوق حافة الجسر.. حتى كادت تسقط.
استعادت وضعها إلى جانبه بصعوبة.. ثُم قالت غاضبة:
ــ لَيْش؟ كان الأجدر بك أن تحافظ على الحد الأدنى من آداب الرفقة.
ــ لأنني لا أُحب الغمز واللمز.. فأنتِ لم تتحدثي عن جدَّتكِ بهذه الطريقة إلاَّ لتهزئي بي.. وكأنكِ تشيرين إلى ما فعله جدي مع (أَبْرَهَة).
ـ ليس تماماً.
ــ بل هذا ما قصدْتِه.. فأنا أعرف قرصاتك التي تشبه وخز الدبابيس.. إنَّ جدِّي كان مغلوباً على أمره.. لقد خُدِع.. لم يقولوا له بأنهم ذاهبون لهدم الكعبة.. وعندما اكتشف ذلك في آخر لحظة.. توقَّف.. ورفض أن يتقدم خطوةً واحدة.. بل إنه غيَّر وجهته تماماً.. فالرفض هو الرفض.. حتى لو كان في آخر لحظة.
ــ ما علينا.. لا تغضب.. أنت سريع التأذِّي.. تتحسس دائماً من أمورٍ لا وجود لها.
مرَّت فترة صمت.. كانت النملة تَهمُّ خلالها بالكلام مرَّة أخرى.. لكنها كانت تُحْجِم عندما تتطلَّع إلى الخرطوم المتدلِّي من السماء.. وهو ينفث الهواء هنا وهناك.. فتتطاير من أمامه الأشياء.
بعد اجتياز الجسر.. قالت النملة للفيل بكثيرٍ من الزهو:
ــ أرأيتَ كيف كان الجسر يهتزُّ تحت أقدامنا!
وأدرك ضِفْدَزاد الصباح.. فسكتت عن النقيق المُباح.

18 أكتوبر، 2009

القَبْو

( ا )
... ليلٌ خريفيٌّ طويل.. ظُلمة لزِجة.. تسيل في الشِّعاب.. وقيعان الأودية.. تتغلغل في الكهوف.. في الأجراف الغائرة.. في شقوق الصخْر.. وتحت لِحاء الشجر.
( ل )
... نقبع داخل بيوتنا.. جاعلين من قطع الأثاث متاريس خلف الأبواب.. على البلاط شمعة صغيرة تَجْهَد لطرد العتمة.. وعلى الجدران أشباحنا المرتجفة تتعرَّج في الزوايا.. قطَّتي البيضاء تتكوَّر قرب اللهب الخافت.. تتسرَّب الظلمة السائلة من الفتحة الضيقة تحت الباب.. نلمسها بحذر.. لزوجة كريهة.. مُوحِلة.. صقيعيَّة.. تنتشر في البيت رائحة الأقبِية.. والخفافيش.
( ق )
... ألواح الباب تُصدِر صريراً.. تنقصف.. تنخلع النوافذ.. تندلق الظُلمة.. نطفو.. نتحسَّس.. تقع أيدينا على أشياء عائمة.. القطَّة تجتهد لتُبقِي رأسها فوق المستنقع.. يقترب السقف.. يتجاوب البيت بضجيج خوفنا.. وزعيق الفئران الطائرة.. وخفق أجنحتها السوداء ذات الملمس القماشي البارد.
( ب )
... العتمة الرطبة.. المُتخثرة.. تزحف ببطء فوق الأجساد.. تحت الآباط.. تُخلِّف بين فرَجات الأصابع دبَقاً مُقزِّزاً.. تنْسَرِب تحت الجلد.. وداخل فضاءات الروح.. تسدُّ المنافذ والكُوَى.
( و )
... نهض الديكُ مُتلفِّعاً بالظلمة.. مدَّ قامته.. نفض جناحيه.. فامتدت الخيوط السوداء اللزجة من أطراف الريش.. ثُمَّ صاح صيحةً مخنوقةً.. فصيحةً مبحوحة.. فثالثة صادِحة.. طويلة.. أفرغ فيها كلَّ أنفاسه.. فطلع الفجر!
تلاشى اصطفاقُ الأجنحة السوداء تحت سماءٍ غامقة الزرقة.. وعلى العتبة المُشمِسة قِطَّةٌ تُنظِّف نفسَها.
***
(2001)

12 أكتوبر، 2009

جَدَلُ المكانِ والذاكرة عند القاص: أحمد يوسف عقيلة

بقلم الشاعر: سالم العوكلي.
يقول فولكنر: (لقد أصبحت كاتباً عندما اكتشفت أنني أستطيع أن أكتب عن قريتي من دون توقف.. وحتى نهاية حياتي).
إنها لحظة اكتشاف القدرة على الإيغال في التفاصيل.. وتعميق اللحظة.. وكشف آليات التعامل الإبداعي مع حيِّز مكاني وثقافي محدَّد في وجدان المبدع.. واستبطانه وقراءته عمودياً.. ليصبح عالماً خصباً للكتابة.. وأيضاً العودة المتسائلة ـ وبوعي ـ إلى الذات المتعدية في أقصى درجات تشابكها مع البيئة.. وحوارها مع الآخرين.. والتسلل إلى التاريخ الكلِّي من خلال تأريخ الذات في محيطها.. لتشكِّل إضافةً مميَّزة إلى الإبداع الإنساني.. الذي لا يعترف إلاَّ بمدى التعامل الجمالي والواعي مع شعرية التجارب الإنسانية الحية.. في ذروة تَوقها إلى التحقق ضمن أسئلة الوجود والصيرورة.. وهاجس الحرية الذي لا يخفت.
وهذا بالضبط ما يحاول أن يفعله القاص (أحمد يوسف عقيلة).. الذي ظهر صوته في عالم القصة في ليبيا مع بداية التسعينيات.. واستطاع في فترة وجيزة أن يُرسِّخ أقدامه.. وأن يتميَّز إلى حدٍّ كبير في هذا المنحى الإبداعي.
أحمد يوسف.. للوهلة الأولى يلفت نظرك هيامه اللامحدود بالحكاية.. وذاكرته الشعبية المستمَدَّة من حياة المنطقة ـ فكل الأحاديث تتحول عنده إلى مجموعة من الحكايات ـ اختار هذه الأداة الفنية ليحاول من خلالها إعادة ابتكار تاريخ الذات في تقاطعه مع جغرافيا المكان.. لم يحاول النشر حتى أحسَّ أنه أصبح يملك أدواته.. وهو رغم قراءاته الكثيرة للقصة العربية والعالمية.. إلاَّ أنه لم يمتثل إلى نمطية الأحداث الجاهزة.. أو اللغة المُنجَزة.. ولم يقع في مأزق تغريب المكان أو استيراده.. ولكنه عاد بنهم سردي إلى قريته (عمر المختار) التي تقبع وسط أحراش الجبل الأخضر.. ليغوص في طبيعة هذا المكان.. والذي مازال خاماً في القصة الليبية.. مُستلهِماً ما يحفل به من أساطير وحكايا شعبية.. مُعتمِداً على ذاكرة خصبة.. وعين قلقة تقتنص التفاصيل وما وراءها.. إنه يعود إلى الطبيعة.. وإلى الذات المُبدعة.. ولكن لا ليهرب إليها.. أو يلوذ بها كما فعل الرومانسيون.. لكنه يعود لاكتشافها.. وتفجيرها من جديد.. وليقدِّم الإنسان جديداً في علاقته مع البيئة.. وتفاصيل الأرض.. والكائنات.
وإذا كان بطل أعمال (إبراهيم الكوني) هي الشمس جلاّد الصحراء.. التي دائماً تظهر في كبد السماء لتُعرِّي.. أو لتُنضج.. أو لتحرق.. فإن (الظِّلال) عند أحمد يوسف هي البطل.. ظِلال الغابة.. ظِلال الغيوم.. ظلال الطيور المُترنِّحة.. ظِلال الأنثى.. وظِلال المعنى.. وهذا ما يُكسِب مفرداته المُنتقاة بعناية ظِلالها أيضاً.. كما للزمن داخل النص ظِلاله.. وللسياقات وللأحداث ظِلالها التي تجعلها في حالة اشتباك دائم مع مكوِّنات المكان.. وبعث الشخوص عبر نمو درامي طبيعي.. لا يُشوِّهه تدخل الكاتب.. أو نثر الأفكار.
الحيوانات عنده لازمة درامية.. وحاضرة بقوة.. ولكن دون أن تُحيلنا إلى ما يسمى بـ(أدب الحيوانات).. حيث كان استنطاقها مُحمَّلاً برموز واسقاطات معينة.. فتأتي مُلقَّنة بأفكار ما.. يحاول الكاتب أن يجعلها أقنعة لصوته تجاه إشكاليات الواقع المليء بالمحاذير.. بينما هنا تأتي كما رصدتْها عين الكاتب ووجدانه.. حياةً توازي حياة الإنسان.. وتتقاطع معها.. ليُمكنك من خلالها أن ترصد إيقاع الطبيعة وصراعاتها.. وأن ترصد الخوف والجنس والسلطة في تَمثُّلها البيولوجي على الأرض.. فالحيوانات هنا تَقُوْل لا تُقَوَّل.. وتخلق الحدث لا يخلقها.. وتجعلنا نُصغي إلى ما في داخلنا.. إنه يتكبَّد ـ حقيقةً ـ اكتشاف المكان.. ويتكبَّد أيضاً اكتشافنا.
تتلاحق عنده الصوَر والتفاصيل الوصفية بشكلٍ تعتقد في البداية أنه يُبعدك عن الخط الدرامي للقصة.. ولكنك تكتشف في النهاية أنَّ هذا التأثيث الدائم لقصصه ـ بقدر ما يعكس ذاتاً وَلِعةً باستكناه جماليات المكان ـ فإنه ضرورة لخلق مناخ الشخصية.. ومناخ الحدث.. حيث لا يمكن فصل الرؤيا عن الرؤية.. ولا الإمكان عن المكان.. ولا السؤال عن التأمل.. ولا الحدث عن تجليات الصراع المختلفة.. ولا اللذة عن جموح المُخيِّلة.
ومن خلال هذا النسيج المتشابك مثل غابات الجبل الأخضر.. والمتعرِّج مثل طرقاته.. والملوَّن مثل بيوته البدائية.. يطرح القاص إشكالياته المختلفة.. التي تنبع فنياً من آليات الصراع بمستوياته في هذا المكان.
ثَمَّة سخرية مُرَّة.. وتَهكُّم لاذع على السلطات المختلفة.. التي مازال يرزح تحتها مجتمع قريته.. أو كما يقول غالباً (قريتنا).. أو كما يُفترَض قرية الكَون.
الجنس عنده مكبوت اجتماعي.. يتجلَّى في سلوكيات مراوِغة.. ومنطقة ساخنة يلامسها بحذر.. حيث الغريزة مسؤولة عن الخطيئة.. عن الخوف.. وعن الإبداع أحياناً.. والأنثى عنده مازالت تُكفِّر عن خطيئتها الأولى.. وفي الوقت نفسه مازال جسدها دعاءاً مفتوحاً لمغفرة مؤجَّلة!
إنه لا يكتب القصة ليقول رأياً.. بل يكتبها لأنه يحب ذلك وينتشي به.. ولأنَّ التمرُّس بالكتابة يساوي التمرُّس بالحياة.. فإنه يقدم تاريخـاً شخصياً لذاتٍ ومحيط.. وعبر لغةٍ مُحكَمة ومُكثَّفة.. وتقنيات سردية متنوعة.. وعلينا أن لا ننتظر في النهاية الموعظة ولا الفكرة.. علينا أن نفتِّش عن أنفسنا.. وعن وجوهنا الأخرى بين التفاصيل.. حيث الإنسان بقدر ما يُقدَّم محلياً في خصوصية المكان.. يسمو حضوره فنياً إلى أزمته الكونية.. والتي تطرحها عين فنّان.. تقتنص في مكانٍ ما من هذا العالم ما يعتري هذا الإنسان من نوازع تُحدِّد ماهيَّة علاقاته مع المحيط.. وغرائز تُعرِّي المتوحش فيه.. فتجعله موضع اتهام.. وموضع تساؤل في الوقت نفسه.
قد نتفق في النهاية على أن قصص أحمد يوسف لا تخرج عن إطار التقنيات التقليدية للسرد.. بمعنى أنه لا يُجرِّب أشكالاً جديدة.. ولكنه يختار ـ وبوعي ـ هذا الشكل المُستلهَم من فنيات السرد لدى الشخصية الليبية البسيطة.. المُغرَمة بالحكاية.. والتي تُشكِّل أهم روافد ثقافتها الشفاهية.. ليطرح إشكاليات معاصرة.. وليستنطق مكاناً وعلاقات جديدة.. مازالت بكراً في عالم القصة في ليبيا على الأقل.. فنراه مُسبِراً مثابراً.. يغوص في طبقات ذاكرة جماعية.. مازالت تُسهم في تكوين بنية عقل يُعيد إنتاجها.. حيث التماهي بين الذاكرة والتلقي.. بين المادة والكتابة.. تُفضي عند الكاتب إلى جدلية الأسطورة والواقع.. بين إضفاء طابع أسطوري على مادة الحدث وإعمال الأسطورة كحدث فاعل في الواقع.. نراه أيضاً نبي اللغات المُبهَمة.. ولسان المخلوقات الصامتة وضميرها.
سردياته تهجس بطاقات إيحائية.. تنطوي عليها الكائنات والموجودات.. يُجابه ـ وبحس فطري ـ تلوث الأمكنة.. ويُرافع عن براءة المكوّنات.. نرى المكان فيه.. ونراه في المكان.. بعيني طفلٍ يسير على أصابع قدميه عبر غابة الأسئلة الصعبة.. يتعقَّب عصفور الجنة المُراوِغ.. الذي كلما اقترب منه.. طار مسافةً أخرى.
(2002)
***

05 أكتوبر، 2009

التراب الوَطَنِي

1
ــ شمُّوا التراب الوَطنِي.
قال مُعَلِّمنا ذو المِعطف الرمادي المُجَعَّد الممضوغ.. بياقته المُتسِخة المُكرمشة.. ثم بدأ يُمَرِّر حَفنة التراب من أمام أُنوفنا.
ــ هذا التراب الوَطني.. الذي سَقاه أجدادنا بالدَّم والعَرَق والدموع.
ــ هذا تراب (بوعَمَايا) يا أستاذ!
ــ حيوان! تموت وأنت حيوان.. خسارة فيكم حصّة التاريخ في الهواء الطَّلْق.. كُلّ ما ترونه تُراب وَطني.. هذه الأشجار.. الصخور.. الرمال.. هذا هو التراب الوَطني الذي أَسقط أجدادنا مِن أجله أول طائرة في حرب.. ومن أجله أيضاً احتملوا التشريد في مَنافي الطليان.. والمقابر الجماعية.. والزَّجّ في المُعتقلات.. هل تعرفون معنى (الزَّجّ)؟
تبادلنا النظرات.. وفي لحظة واحدة ذهبَتْ أَذهاننا إلى المعنى نفسه.. أَطْرَقنا.. تظاهرْنا بتأمل (التراب الوَطني).. ونحن نسترق النظرات من تحت.
ــ شياطين! كلمة (الزَّجّ) لا تحمل أيّ معنىً بذيء.. إنها تعني فقط (الإدخال عُنْوَة)!
بدَأْنا نخنق الضحك.. أحسَّ مُعلِّمنا بالحرج.. قرَعنا بالعصا على رؤوسنا.. ثم تنحنح.. وقال:
ــ التراب الوَطني طاهر.. مُقدَّس.. والتفريط في حَبَّة واحدة منه خيانة عُظمى.. والولاء له هو أحد مقاييس المواطَنة.
أَغمض عينيه وتأَوَّه مُنتشياً وهو يستنشق التراب.. ثم شرع من جديد يُمَرِّر قبضته اليُمنى من تحت أُنوفنا مباشرة.. ضاغِطاً بيده اليُسرى فوق أَعناقنا.. صارِخاً:
ــ شمُّوا.. شمُّوا التراب الوَطني.. المقدَّس.. الطاهر.
اجتاحتنا نَوبة عُطاس.. ونحن نمسح التراب العالِق بأُنوفنا.
ــ عندكم ربع ساعة استراحة.. وبعدها كلّ واحد يحَضِّر كَم جُملة عَ التراب الوَطني.
2
... التراب الوَطني يُحاصر خُطواتنا.. يُكَبِّلها.. يخنقها.. بدأْنا نمشي بحَذَر.. على أَمشاط أقدامنا.. وداخلنا إحساس بالخطيئة.
... قبل انتهاء الاستراحة أَطْلَقْنا صرخة جماعية مُهرولين باتجاه المُعلِّم:
ــ يا أستااااااذ .. العَيّل بال عَ التراب الوَطنييييي!!
خَلَع مِعطَفَه الرَّمادي.. شَمَّر كُمَّيه.. أَسرع مُلوِّحاً بعصا الزيتون:
ــ تعال هنا يا خَراء.. أنت اللي دَنَّست التراب الوَطني؟! مدّ يَدَّك.
بعد الجلدة الأولى.. أخذ التلميذ ينفخ في كَفَّيه.. ثُمَّ ضَمَّهما تحت إبطَيه وهو يرتجف وينشق بأنفه.. وصرخ من خلال دموعه:
ــ الله غالب يا أستاذ.. كلّه تراب وَطني.. وَيْن نبُول؟!
***
(2002)
ـــــــــــــــــــ
ــ بوعَمَايا: التسمية المحلية للخلْد.. بضم الخاء وكسرها وسكون اللام كما جاء في لسان العرب.. وهو نوع من الجُرذان العمياء يعيش في أنفاق تحت الأرض.. يكثر في الجبل الأخضر بليبيا.
ــ أول طائرة سقطت في حرب أسقطها الليبيون سنة (1912) أثناء الحرب ضد الطليان.

28 سبتمبر، 2009

الْهَمْزة

1
... قال الأستاذ (أَنيس) موجهاً كلامه إلى سكرتيرته:
ــ اكتبِي صيغة إعلان عن اجتماع إدارة الشركة يوم الأربعاء القادم.
ثم تشاغل بالحديث مع ضيوفه.. وهو يتأرجح يميناً ويساراً مع الكرسي الدَّوّار.
2
... الأستاذ (ونيس) مدير شركة كبرى.. يحظى بكل لوازم المدير: مكتب ينطق بالفخامة.. سكرتيرة مصبوغة أمام جهاز حاسوب.. هاتف نقّال.. مرسيدس وصاية من ألمانيا رأساً.
غيَّر اسمه إلى (أنيس) تَمَشيِّا مع الحداثة! يرى أنَّ العبرة ليست بالشهادات العلمية.. فهي مجرد رُخَص تَمنحها الجامعات.. لذلك فهو يفتخر بأنه لم يتخرج من الجامعة.. ويقذف في وجهك (العَقّاد) دائماً كمثلٍ صارم للدلالة على عدم جدوى الشهادات.. ويحشر في أحاديثه ـ بمناسبة وبغير مناسبة ـ كلمات من قبيل: (العولمة.. الاستنساخ.. ثقب الأوزون.. سقف الإنتاج.. حَرْق المراحل.. الرعي الجائر.. البروباقاندا).
3
قالت السكرتيرة:
ــ يا أستاذ أنيس.. في كلمة (الأربعاء) الهمزة فوق الألف وإلاّ على السطر؟
يسري السؤال في جسده صاعقاً.. يقفز.. يحس في حلقه بطعم الهمزة اللاذع.. يحكُّ خلف أُذنه.. يتبدَّى له غباء سكرتيرته شيئاً لا يُطاق.. شيئاً ثقيلاً يزحم المكان.. بل يبدو أنفها طويلاً أكثر مما ينبغي.. يبتلع ريقه.. يَشْرَق.. يسعل.. يعطس.. يزحر.. يفتح النافذة.. يرى الأفق يقترب.. السماء تَهبط على الأرض.. تتحول كل الكائنات إلى همزات.. همزات طائرة.. راكضة.. زاحفة.. فيغمض عينيه.. يَصفِق النافذة.. يُطفئ المصابيح.. يُشعلها.. شيء ما يقرصه بين كتفيه.. يلصق ظهره على الجدار.. يحكّه.. يسحقه.. ها هي الهمزة تتحرك من الحلق إلى الصدر.. نازلةً ببطء كالنصل الحاد.. ينحنِي إلى الأمام واضعاً يديه على صدره.. فتنْزلق الهمزة إلى الأسفل.. تتغلغل ممزِّقةً الأحشاء.. يتسرَّب من بين فخذيه سائل دَبِق.. يتعثَّر بأحد الضيوف.. في تلك اللحظة فقط يكتشف وجودهم.. يُسدِّدون عيونهم نحوه.. أصابع السكرتيرة متوقفة على لوحة المفاتيح.. توقَّفت الساعة الحائطية.. كفَّت الكرة الأرضية عن الدوران.. يَفْزَع إلى الحَمّام.. يسمع أحد الضيوف يقول بخُبث وشماتة: (الهمزة التي قَصَمت ظهر البعير).. فيحدودب ظهره.. وتنبت له ذروة! جدران الحمّام تزحف إلى الداخل.. مصباح السقف يكاد يلامس البلاط.. يتهالك.. يَبْرك.. يصرخ بأعلى صوته.. صُراخاً أَقربَ إلى الرُّغاء:
ــ خَلِّي الاجتماع يوم الخميس!
***
(2001)

22 سبتمبر، 2009

النِّيْسي

1
... على مرمى العين تتعرَّج الذُّرَى المكسوَّة بالصنوبر والشماري والبَطُّوم.. التي تغطِّيها زُرقة الأفق الشفَّافـة.. بينما تظهر المساحات الخضراء وسط الأشجار مفروشةً بالدِّرْيَاس والعنْصل.
عندما أكون في الغابة أعود إلى طفولتي الأولى.. حيث أكتشف الأشياء لأول مرَّة.. أراها.. أشمُّها.. ألمسها.. أتماهَى في المكان.. وأحسُّ أنَّ بإمكاني إدراك المعنى الخفي للأشياء.
الطفل الذي في أعماقي يبتهج.. ينتشي.. أتسلَّق الأشجار.. أستكشِف الأعشاش.. أتحسَّس العصافير.. يسري في جسدي دفء الريش وملاسته.. أرتاد الكهوف.. التي تُشكِّل لي دائماً سحراً لا يُقاوَم.
كان هناك أثَرٌ لنار.. نار الرعاة التي يوقدونها في ليالي الصقيع.. الْتقطتُ ثلاث فحمات كبيرة.. وصعدتُ ناحية الكهف.
2
... الكهف أسفل الجدار الصخري.. الممتد وسط السفح حتى يغيب مع تعرُّجات الوادي.. تحته مباشرة لسانٌ صخري مرتفع.. يُشكِّل أعلاه شُرفةً عريضة أمام المدخل.. فيبدو (الكاف) مُعلَّقاً.
تسلَّقتُ اللسان الصخري بحذر.. سقطت إحدى الفحمات.
مدخل الكاف ضَيِّق.. تتدلِّى على جوانبه بعض النباتات الظلِّية.. أرضية المدخل يُغطِّيها نبات الرِّينش والزَّيتَا.. يتَّسع من الداخل.. في سقفه بيت عنكبوت.
وقفتُ قليلاً حتى تألف عيناي الرؤية في العتمة.. هناك رائحة رطوبة وذرَق طيور.
عند جدار الكاف من الأسفل توجد مصطبة صخرية طويلة.. تنحني بانحناءة الجدار.. ترتكز فوقها بعض أعشاش النِّيْسي ـ الطائر الأكثر قداسة منذ أن عشَّش في مدخل الكهف أثناء الهجرة النبوية ـ بعضها به عصفوران.. أو عصفور واحد.. وبعضها لا يزال بيضاً.
تحسَّستها.. دافئة.. تنبض بشدة وهي ترفع أجنحتها.. وتفتح مناقيرها وتصوصئ.
عصفوران لا يزال يُغطِّيهما الزغب الأصفر بالكامل.. بينما انحسر الزغب عن العصافير الأخرى.. وغدا يُتوِّج الرؤوس.
الجدار الشرقي أملس.. عليه أثر كتابة بالحجر.. فكَّرتُ في أن أكتب شيئاً.. لكنني فضَّلتُ الرسم.. بدأتُ التخطيط بالفحم.. لم يكن لدي تصوُّر سابق عن الشكل الذي ينبغي رسمه.. لكنني بدأت برسم أفعى.
لماذا أفعى بالذات؟! لا أدري.
شكَّلْتُ الرأس كبيراً.. مُفلطحاً.. وجعلتُها عريضةً من الأمام.. انتهت فحمتي الأولى على مسافة ليست بعيدة من الرأس.. فأخذت الفحمة الثانية.. وكلما تقدمتُ ناحية الذيل.. ضاق العرض شيئاً فشيئاً.. صغرت الفحمة.. حتى عجزتُ عن الإمساك بها بين أصابعي.. فأخذتُ أسحقها بإبهامي حتى تلاشت.. دون أن يكتمل الذيل.
ابتعدتُ قليلاً عن الجدار.. لأرى لوحتي الأفعوانية.. ليس فيها ما يُشبه الأفعى سوى الاستطالة.
في تلك اللحظة دخل سرب النِّيْسي.. يا لَلقداسة.. يا لَلطُهْر! عندما اكتشف وجودي.. أخذ في التراجع.. ازدحم الكهف بالأجنحة الفِضِّية المُصطفِقة.. تجاوب بالحفيف الحادّ والصوصوة.. وتساقطت بعض الريشات.
انحنيتُ لالتقاط الريشات.. شعرتُ بحركة مُفاجئة غريبة فوق المصطبة.. الْتفتُ.. يا لَلفظاعة.. أفعى ضخمة.. بشعة.. تلتهم البيض.
ارتجفتُ.. بحثتُ عن شيءٍ لأضربها به.. بدأتْ تلتقط العصافير.. تبتلعها من رؤوسها.. وهي تُرفرف رفرفَاتها الأخيرة.
اقتربتُ مُلوِّحاً بذراعَيّ.. فتكوَّرت.. فَحَّت بصوتٍ كريه.. اتجهت إليّ.. فأسرعتُ ناحية فم الكهف.. وحين قابلني الجدار الشرقي وقفتُ مصعوقاً.. دار الكهف.. شعرت بأنه يكاد ينطبق.. فلم يكن هناك وجود لأفعى الفحم البتراء!
خرجتُ.. تنفَّستُ بصعوبة.. تفرَّستُ في يدَيّ.. كانتا ترتجفان.. وعروقهما بارزة.. أحسستُ بالغثَيان.. بدأت أحشائي تتحرَّك.. مادت الشُّرفة الصخرية.. اهتزَّت الأشجار.. تمايلتْ.. ترنَّحت الظِّلال.. تموَّجت الذُّرَى البعيدة.. غار الوادي.. اقتربت الضفَّتان.. مِلتُ على حافة الصخرة.. وتقيَّأتُ.. تقيَّأتُ دماً أسودَ.. ممزوجاً بالريش والزغب الأصفر!
***
(1998)

18 سبتمبر، 2009

عيدكم مبارك...

16 سبتمبر، 2009

عَنَاكِبُ الزَّوَايَا العُلْيَا

1
... تسلَّل الفجر.. شَحُب القمر.. لمعت بيوتُ العناكبِ المُثقَلةُ بالندَى.. توضَّأت زَمْزَم.. صلَّت.. أطالت الابتهال.
للابتهال في هذا الفجر معنىً خاص.. فاليوم ستقبض المعاش لتشتري ملابس وهدايا العيد لأحفادها الأيتام.
أجفلتْ.. ضمَّت يديها.. فقد خُيِّل إليها أنَّ عنكبوتاً قد تدلَّى من السّقف.
2
... احتذتْ خُفَّيها.. أخذت جَرْدَها.. طَوتْه.. كوَّمتْه فوق رأسها.. الْتقطت مكنستها.. صلبتْها فوق كتفها جاعلةً رأس المكنسة إلى الخلف.. وانطلقت إلى عملها.
الوقت لايزال باكراً.. الشوارع خالية.. تلفتت باحثةً عن أي شخص لتُلقي عليه تحية الصباح.. تريد أن تقول (صباح الخير) لكل شيء.. للضباب.. للقطط.. للكلاب.. لغربان الصباح.. حتى للذئاب في الأودية!
لم يكن يُكدِّرها في ذلك الصباح سوى شيئين.. الأوساخ المُتجمِّعة في زوايا مُزعجة تحت الأثاث.. كان ذلك يتطلَّب منها أن تجثو على ركبتيها.. وتمدّ المكنسة لتطال تلك الزوايا اللعينة.. كما كانت تزعجها عناكب الزوايا العُليا.. بل تُشكِّل لها حساسيةً خاصة.. تجعلها تُحسّ بدبيب الأرجل الرخوة في كل جسدها.. حتى بدأت أحلامها تزدحم بالعناكب.
3
... كانت تَصرُّ المعاش في شِمْلتها.. تُعدِّد الأشياء التي تنوي شراءها: (الملابس.. الهدايا.. الحلوى.. ومكنسة خشنة)!
في تلك اللحظة رفعت رأسها إلى السّقف.
4
... عادت.. تمشي بتمهُّل.. مع كل خطوة ترنُّ المفاتيح في الشمْلة.. إيقاعٌ مُحبَّب إلى نفسها.. يجعل خطواتها تنتظم.. لكنَّ ذلك كلَّه لم يكن يمنعها من التفكير في العناكب.. وقد أرعبَها أنَّ عطلة العيد ستكون أربعة أيامٍ كاملة بلياليها.. (ثمان وجْبات).. وقتٌ أكثرُ من كافٍ لتكتظَّ كلُّ الزوايا بهذه المخلوقات المُقزِّزة.
أثناء الخطوات المتوافِقة مع رنين المفاتيح.. لفت انتباهها بعض الرجال يَمدُّون أذرعهم لطرْح لافتة قماشية على واجهة أعلى مباني القرية.. أحسّت بالدبيب يسري في جسدها.. فابتعدت مُسرعة وهي تكزُّ على أسنانها.. وتشدِّد قبضتها على المكنسة الخشِنة.
***
(1995)

10 سبتمبر، 2009

الَخُروج من الغابة

1
... في البدء كان الكَلْب في الغابة...
... الذئب والكَلْبُ يُقعيان فوق الحافّة الصخرية التي تُظلِّلها الأغصان.. يراقبان الراعي في الأسفل حيث تنحسر الغابة.. ويمتد سهل مُعْشِب.. ينحني متوكِّئاً على عصاه.. يتلفَّت ناحية الأدغال.. يصفر.. يُلقي بالأحجار أمام الماعز.. ويصرخ أحياناً.
قال الذئب:
ــ أترى تلك العَنْز التي ولدت لتوِّها؟ سآخذ جَدْيَها عند حلول المساء.
حَكَّ الكلبُ رقبته مُصدِراً أنيناً مُتقطِّعاً:
ــ سيكون هذا مثل المرّات السابقة.. يتفطَّن لك الراعي.. يُحاصرك بين الصخور.. ويُوسعُك ضرباً بعصاه.
لعق الذئب أثر الجرح على ساقه.. وقال:
ــ كان ذلك في القمراء.. أمّا الليلة فالأمر يختلف.
ــ الراعي أكثر حذراً في الليالي المظلمة.
ــ مهما يكن.. سأتمدَّد هنا.. وأكتفي بمراقبة ذلك الجدي حتى الليل.. انظرْ إليه وهو يحاول النهوض.. لا يزال البُخار يتصاعد من ظهره.
تثاءب الكلب ثم نهض:
ــ أمّا أنا فلن أستطيع الصبر على الجوع حتى المساء.. أمعائي تُقرقِر.. سأنزل.
ــ في النهار؟!
ــ كفانا تشرُّداً.. سأعقد صفقةً مع الراعي.
أخذ الكلب ينْزل بحذر.. صرَّ الذئب على أسنانه:
ــ هذا جنون.. الراعي لا أمان له.
ــ أمعائي تُقَرقِر.
ــ أتتخلَّى عن الغابة؟
ــ أمعائي تُقَرقِر.
ــ أتتركني؟
ــ أمعائي تُقَرقِر.
ــ غبي.. غبي!
أومأَ الكلب برأسه إلى شجرة العَرْعَر وقال:
ــ سئمْتُ أكل الزّنْباع.
2
... عينا الذئب خلف الصخرة..
الراعي يتناول عشاءَه.. اللهب ينعكس على مؤخرة الكلب.. ووجهه غائب في الظلمة حيث يوجِّه نباحه إلى الغابة.. يقطع النباح.. يهزُّ ذيله.. يلتقط العظم.. يتمدَّد قرب النار فتضيء وجهه.. ينهض مرَّةً أخرى نابِحاً نحو الظلمة.
3
... وثب الكلب إلى الناحية التي جفل منها الماعز.. اشتمَّ الرائحة.. أخذ دورة واسعة.. وفي لحظة كان وجهاً لوجه مع الذئب.
ــ أعرف كلَّ مساربِك.
ــ يبدو أنَّ أمعاءك لا تزال تُقرقِر.. لا تكذب.. رأيتُ كلَّ شيء.. أهذه هي الصَّفْقة؟!
ــ لم أكن أعرف معنى الدفء قبل النار.
ــ ألم تعد تُحْسِن العواء؟
ــ الماعز لا يستأنس بالعواء.
ــ ولماذا تهزُّ ذيلك كثيراً؟ هل هي عادة اكتسبتها أيضاً؟ ثم أين وَبَرُك الرمادي؟
ــ الراعي لا يحب الوَبَر الرمادي.
ــ كلّ هذا حدث في عشيّة واحدة! هكذا إذن.. في الليل حارس.. وفي النهار ناعِس.
ــ دفء النار لا يعدله شيء.. سئمتُ الليالي الباردة المطيرة.. أَبِيْتُ مقروراً وأمعائي خاوية.. بإمكانك أن تتبعني.. جرِّب مرَّة واحدة دفء النار.
كشَّر الذئب:
ــ النار مُغرية حقًّا.. ولكن ابتعد عن طريقي.
ــ ماذا ستفعل؟ هل ستأكل الزّنْباع؟
التفت الذئب:
ــ أتعرف ماذا سأفعل؟
صمت قليلاً.. ثم أضاف:
ــ سأعوي.. سأعوي وأُنصت إلى صدى عوائي تُردِّده الغابة.
اتَّجه إلى الغابة.. وقال في الظلام:
ــ بالمناسبة.. نُباحُك مُزْعِج.
***
(2004)

05 سبتمبر، 2009

الْحِرْباء

( إلى أمّ العِزّ إبراهيم سعد)
1
... ولَّى زمنُ الولائم.. منذ شهرٍ بالهلال وأنا في هذا السفح المُجدِب.. لا شيء سوى (بوبرَيص) هزيل رَخُو الأسبوع الفائت.. في الوقت الذي يزدحم فيه السفح المقابل بالجنادب الصادحة.. لماذا الأشياء الحلوة دائماً على الضفة الأخرى؟ (بورقَيْص) يحتلُّ السماء.. البومة تتربَّع فوق السد الحجري.. الأفاعي تتمدَّد تحت حوافّ الصخور المُشْرِفة على مجرى الوادي.. والثعابين الخُضْر تترصَّد وسط الزرع.. لكنني سأعبر رغم كل شيء.. ذلك الجندب الصادح يستحق المخاطرة.. مَن يملك رصيداً من الألوان.. وعينين تنظران في جميع الاتجاهات في نفس اللحظة.. فهو لا يملك حياةً واحدة.
2
... ليس هناك ما هو أسهل من التنقل فوق الأشجار.. فأنا أملك اللون الأخضر بامتياز.. بل أملك عدَّة درجاتٍ من هذا اللون.. بما يناسب البلُّوط والخَرُّوب والبَطُّوم والشمَاري.. وحتى شجيرات الدِّرْياس.. ولكن هذه شجرة قَنْدول مُزهِرة.. القَنْدول المُزهِر مُحيِّر قليلاً.. سأصبغ الظهر والرأس بالأصفر الفاقع.. وأترك البطن والأطراف بالأخضر الداكن.. ولكن كيف يُمكنني عبور حقل الصلَيْعَا؟ مِن أين لي بالأحمر الفاقع؟ لن أعبر هذا الحقل الدموي.. سأُضطرُّ إلى الالتفاف.
3
... ليتني أستطيع القفز إلى تلك الضفة.. سيكون هذا من باب (حَرْق المراحل).. لماذا تموت كل الأشياء إلاّ المسافات؟ انتظروا.. ماذا لو عبرتُ فوق هذه السلحفاة؟ لدي اللون المناسب لهذه القَصْعة.. اللعنة.. السلاحف تجعل المسافات تتناسل.. سأصل العام القادم.
4
... يبدو قويًّا هذا الجندب الشاعر.. لا يكفُّ عن الإنشاد لحظةً واحدة.. يُعذِّبني بغنائه! أنا لا أعرف من أين يحصل الشعراء على قُوتِهم.. الواحد منهم يتسلَّق غصناً.. أو يجلس فوق صخرةٍ تحت الظل.. أو حتى تحت المطر.. يتأوَّه.. يفتح ذراعيه على اتِّساعهما.. ويشرع في الإنشاد وكأنه حاز العالم بأسره.. إذا حلَّت عليك العَشيّات الشتائية.. التي تتنفَّس برداً لاسعاً ينخر العظام.. وأنت بلا عَشاء فدع القصيدةَ تنفعك.. أو اذهب إلى النملة مرتعشاً مقروراً.. متسوِّلاً.. لتطردك كعادتها ساخرة: (في وَان الحصيدة تشغلك القصيدة).. ألا تعلم أنَّ النملة تجمع القَشَّ حتى على ضوء القمر؟!
5
... أخيراً وصلتُ إلى الصخرة.. دعونا نُعاين المكانَ أولاً: صخرة رمادية.. كامدة.. مُبقَّعة بالأسود.. بالإضافة إلى ترسُّبات الكِلْس الأبيض الذي يشوبه الأصفر.. وهناك بعض النمش الأحمر.. يا إلهي لماذا تُرِيْقُ كلَّ هذه الألوان في طريقي؟ هل عليَّ أن أُغيِّر لونَ جلدي في كلِّ خطوة؟ لا بأس.. جنادب السفح المقابل تستأهل العناء.. هل أسمعُ أحداً يَعِيْبُ كثرةَ التلوُّن؟
6
... لماذا يَعْبر هذا (البورقَيْص) من فوقي مباشرة؟ هاهو يرفرف صارخاً كعادته.. أنا أعرفه جيداً.. سيظل ساكناً في السماء.. أيُّ حركة ستكون مرصودة.. حتى ظِلال الظهيرة تقلَّصت.. انزوت في الأسافل.. أُحسُّ بأَكَلانٍ في مُؤخِّر رأسي.. أيُّ عالمٍ هذا الذي نعيش فيه.. الواحد لا يستطيع حتى أن يحكَّ رأسه.. سأصل إليكَ أيها الجُندب الشاعر.. سأصل إليكَ أيها البوزنِّين ولو تلوَّنتُ بألف لون.. كم أحسد الشعراء.. فهم يواصلون الغناء رغم كلِّ شيء.. يا لَسوء الطالع.. ها أنا عالقة.. عينٌ في السماء.. إلى بورقَيْص الذي يسكن فوق الريح.. فهو يمتلك سُلطة الأجنحة.. وعينٌ في الأرض حيث الأفعى تتثنَّى في الظلّ.. تحت طبقة التراب البارد.. فهي تمتلك سُلطة السُّمّ.. الهداهد تتمتَّع بالألوان للزينة.. أو للإغواء.. أمّا أنا فإنني مُدجَّجة بالألوان للتخفِّي.. انظروا كيف تغدو الألوان نوعاً من السُّلطة.. الحجر تحت أقدامي يلذع.. هذه الظهيرة يبدو أنها لن تنتهي أبداً.. حتى الزمن قد ينتصب كُتلةً متجسِّدة تجتاحُك رغبةٌ مُلحَّة في زحزحتها.. مثل هذه الصخرة اللاذعة التي تسدّ مجرى السيل.. لم أعد أُدْرِكُ إن كانت هذه الصخرة مكاناً أو زماناً.. اسمعوا.. اسمعوا كيف تتجاوب الغابة بغناء جنادب الظهيرة!
***
(2002)

02 سبتمبر، 2009

الْخُيُول البِيْض

( خ )
... في الليالي الأربعين تتجمَّد أطرافك.. تبتعد أصابع يديك عن بعضها.. تصطكُّ أسنانك.. ترتعش شفتاك.. يَزرقُّ لونك.. ويتقلَّص جسدك! نعم.. يتقلَّص جسدك.. حتى إنك تُحسُّ بأنَّ ملابسك غدت فضفاضة بعض الشيء!
في الليالي الأربعين ـ إذا كنتَ من الذين يستيقظون في الصباحات الباكرة ـ تجد أنَّ سطوح البِرَك قد تجمَّدت.. إلى درجة أنه يُمكنك أن ترفع ذلك الغطاء الزجاجي بين يديك.
كِبار السنّ في قريتنا يتدثَّرون بعباءاتهم بالقرب من المواقد.. ويمتهنون التثاؤب.. وإذا أراد أحدهم الإشارة إلى شيءٍ ما.. أشار إليه بالشفة السُفلَى.. حتى لا يُضطرَّ إلى إخراج يده من العباءة! وبين الحين والحين يبحثون بأقدامهم في ذاكرة الرماد عن بقايا جذوة.
( ي )
... الليالي الأربعون موسم من مواسم الحكايات..
ــ يقولون إنَّ الراعي مسعود قد ذهب بقطيعه إلى الأودية.. فهذا أوان ظهور الخيول البِيض.
ــ مسكين هذا المسعود.. منذ سنوات وهو يفعل ذلك في عِزّ الشتاء دون جدوى.
ــ كم أتمنَّى أن أرى تلك الخيول.
ــ أنا أكثر قناعةً منكِ.. أنا لا أحلم سوى بجوادٍ أبيضَ واحد.
ــ يقولون إنها خيول كثيرة.. يسوقها سائس بلباسٍ أبيض.. وبيده سوط طويل تُسمَع له فرقعة.
ــ ويقولون أيضاً إنَّ مَن يرى الخيول البِيض يُحقِّق كل أمانيه.
ــ ويتزوَّج بمَن يشاء.
ــ الخيول البِيض لا يُمكن للنساء أن تراها.
شهقت الأخريات شهقةً جَماعية:
ــ لماذا؟
ــ لأنها لا تظهر إلاّ في ليلةٍ واحدةٍ من السنة.. وهي ليلة غير معروفة.. كما أنها لا تظهر إلاّ في الأودية البعيدة.. وقد تمرُّ سنوات دون أن يراها أحد.. فكيف يُمكن للنساء أن تراها؟
ــ هذا يعني أنَّ رؤيتها تكاد تكون حِكراً على الرجال.. والرُّعاة بالذات.. فهم وحدهم الذين يبيتون في الأودية.
تنهدت إحداهن:
ــ كم أتمنَّى أن يتزوَّجني أحد الرُّعاة.
ــ إذا تزوَّجكِ الراعي فلن تكوني في حاجةٍ إلى رؤية الخيول البِيض!
( و )
... أحد الأماسي الأربعينية.. كانت تُمطِر بلا صوت.. في الحنايا والسفوح تُسمَع شهقات الأرض الخافتة وهي ترتشف دفقات المطر.. وفي الأحشاء النديَّة كان الربيع ينمو خِلسة.
مسعود يُشعِل النار وهو يُطلِق صيحاتٍ غريبة.. زاجِراً القطيع.. أو مُنادياً الكلاب.. حاثّاً إياها على النُباح.. دخان الحطب المُبتلّ يتصاعد كثيفاً.. مُقاوماً زخّات المطر.. السيول تُخرخِر مُتجهةً نحو الشمال.. وتغيب في المنعطفات.. حيث الأودية تصبُّ في أودية.. غِربان المساء تتشاكس.. تتقلَّب في الهواء.. فرِحةً بالمطر.. وبالعودة إلى أوكارها.. وفي الأُفق الشرقي ترتسم النَّدْوَى قوساً زاهياً.. يتلاشَى أسفله خلف ذوائب الأشجار.
تكوَّم الراعي بالقرب من النار.. مُصغياً.. كان يُخيَّل إليه أحياناً أنه يسمع صهيلاً أو وقْعَ حوافر.. وأحياناً أخرى يُخيَّل إليه أنَّ حصاناً قد نَخَر خلف الشجرة المجاورة.. فيقوم ليستطلع الأمر.. ويُصيخ إلى سكون الليل.
( ل )
... في آخر الليل غلَبه النعاس.. فاستسلم للنوم بالقرب من الجمرات الخابية تحت الرماد الأبيض.. وقُبَيل الفجر.. حينما كان مسعود لا يزال مُستغرِقاً في النوم.. كانت الخيول البِيض تنحدِر مع الوادي.. وقد أخفت السفوح النَّديَّة وَقْعَ سنابكها.
***
(1996)

29 أغسطس، 2009

الذئب

1
... أَشعلتُ الشمعة.. وضعتُها بالقرب من الفِراش.. لأقرأ قليلاً قبل أن أنام.
اضطربت الشُّعلة.. أغلقتُ النافذة.. وتلقائياً الْتفتُّ إلى ظلِّي على الجدار.. ارتعشتُ.. لم يكن ظلِّي.. تحرَّكتُ.. لا.. إنه ظلِّي.. تحرَّك بحركتي.. لكنَّه لا يُشبهني!
رفعتُ الشمعة.. قرَّبتها من الجدار.. اختفى الظِّل.. أعدتُ الشمعة إلى مكانها.. استدرتُ قليلاً.. اقشعرَّ بدني.. كان على الجدار ذئب أسود.. يقف على قائمتيه الخلفيتين.
ابتعدتُ عن الضوء.. وقفتُ في وسط الحُجرة.. فظهر الذئب على الجدار المُقابِل.. سقطتُ على رُكبتَيّ.. فأقعَى.. أغمضتُ عينَيّ.. زحفتُ إلى الفِراش.. استلقيتُ على ظهري.. بدأتُ أفتح عينَيّ ببطء.. ذُهِلتُ.. كان لايزال هناك مُقْعِياً.
2
... نَهض.. أخذ ينتقل من جدارٍ إلى جدار.. يتعرَّج في الزوايا.. يعدو.. يلهث.. يقفز إلى الأعلى.. يَجوب السَّقف.. ينْزلق إلى الأسفل.. يقف وسط الحُجرة.
الشمعة تتضاءل.. الذئب يقترب.. الشُّعلة تخبو.. يقترب.. الشمعة تذوب.. يدنو.. يدنو.. انطفأت الشمعة.. انكمشتُ في فِراشي.. أحسستُ بمخالبه فوق كتفَيّ.. بلُهاثه يحرق وجهي.. بلُعابه الدَّبِق.. نعومة وَبَرِه.. دفء بطنه.. يلتصق بي.. يضغط.. يَدْخُلني.. يتلاشى في جسدي.. نتماهَى.. صرختُ في قلب الظُّلمة.. فتردَّدت أصداءُ صُراخي عِواءً مُتقطِّعاً.
***
(1996)

26 أغسطس، 2009

الوَصْفة الأخِيْرة

1
... في الوقت الذي كان فيه طبيب قريتنا يصف (قَطرة عيون) لمريضه الثاني في ذلك اليوم.. رغم أنَّ النهار يكاد ينتصف.. كان جَيْطُوْل يصف لزبونه العاشر (جُبَّة ثُعبان) ليمسح بها عينيه قبل أن يفتحهما في الصباح.. وقبل أن يُغمضهما في المساء.
انتظاراً للمريض الثالث ـ الذي قد لا يأتي هذا اليوم ـ وقف الطبيب في نافذة حُجرته.. وتطلَّع إلى الطابور الذي يزحف داخلاً إلى الكوخ المُستنِد على سُور المستوصف من الخارج.. المسقوف بالقرميد المُتفسِّخ.
تنهَّد بحسرة.. يشوبها الحسد.. ثم لامَ نفسه على ذلك.. إذ كيف يُمكن لطبيب أمضى سنين طويلة في دراسة الطب.. أن يحسد عجوزاً يُعالج بالبصقات.. ينشق بأنفه مِن جَرّاء البرد.. ويبول علانيةً وهو يتحدَّث! فأغلق النافذة.. وأخذ يتصفَّح أحد مَراجعه.
2
... كان جَيْطُوْل يتحدَّث مع إحدى العجائز التي تشكو ألماً في الظهر:
ــ اغمري دجاجة سوداء.. في قِدْرٍ أسود.. مملوء بمياه سبعة آبار.. ثم اقذفيها باتجاه عين الشمس.. فإن جميع الأوجاع ستطير مع طيران الدجاجة.. فقط تأكَّدي من أنَّ المياه من سبعة آبار.. هل تعرفين العدد سبعة؟ أصابع يدٍ واحدة.. مع إصبعين من اليد الأخرى.
نهض ليُدوِّن بعض الملاحظات في دفترٍ كبير.. فيما أخذ الزبائن يُجيلون النظر في أرجاء الكوخ.
في الركن تتدلَّى حُزمة من نبات الحَرْمَل.. وفي الركن المقابل تتدلَّى مسبحة كبيرة الحَبّات.. بينما يبدو السقف مُغيِّماً بأشياء كثيرة: مرارة.. راس غراب.. ذيل ثعلب.. بوسَمَّى.. حدوة حصان.. سوط.. بندير.. ويعبق المكان بروائح مختلطة: جاوي.. فاسوخ.. بوكبير.. شَبَّة.. وشَق.
دفتر جَيْطُوْل يُعدَّ مَرجعاً للوصفات الغريبة:
(الحصن الحصين.. ضد لدغات العقارب والثعابين).
(مخلوط حليب التيس والثور.. لإزالة الثآليل والدمامل والبثور)!
(مُستجلَب الرِّينش والدِّرْيَاس.. لكافة أوجاع الرأس).
وهو يحب خلط الأشياء.. ويقول إن ذلك من باب (زيادة الخير خيرين)!
وهناك وصفات من هذا النوع:
(مَنقوع لُبِّ الخيارة.. لعلاج الدوخة في السيارة).. وهي وصفة تتهافت عليها العجائز.. ولا يسافرن إلاّ بها.
أمّا وصفته التي تقول: (حساء مصارين الجربوع وألسنة الضفادع.. لكشف نوايا الزوج المخادع).. فهي من الوصفات التي لا تُقدَّر بثمن.
هناك وصفات ذات طبيعة معينة: (خُلاصة مُخّ البرغوث والقملة.. لتزوير كافة أنواع العُملة).. (مسحوق رؤوس الخفافيش.. لتسهيل المرور عَبْر نقاط التفتيش).. وهي وصفة كان من شأنها أن تؤدِّي إلى انقراض الخفافيش رغم كثرتها.
عندما اشتكى له المُهرِّبون بين ليبيا ومصر من التِّيه ليلاً في الصحراء.. وتعرُّضهم لمخلَّفات الألغام المُنتشِرة على طول الحدود.. زوَّدهم بالوصفة التالية: (مِحّ بَيض العناكب.. لإرشاد المُهرِّبين إلى كيفية الاستدلال بالكواكب).
وهو يصف أدويته بأنها (صعبة المنال.. سريعة المفعول).. ويُضيف:
ــ إنَّ هذه العقاقير لا تُعطي مفعولها إلاّ بشرط أن أبصق فيها.. السِّر كل السِّر في البصاق.. جرِّبوا إن شئتم دواءً دون أن يمتزج بلعابي.. إنَّ الله يضع سِرَّه في أشياء لا يعلمها إلاَّ هو!
جَيْطُوْل لا يعنيه كثيراً ما يحدث خارج كوخه.. إلاّ أنه يدافع عن صيدليته ضد اتهامات الطبيب:
ــ إنني لا أكتب طلاسم.. بل أشياء واضحة كوضوح الشمس.. الطبيب هو الذي يكتب الطلاسم.. حاولوا أن تعرفوا حرفاً واحداً من كلماته.. إنه يكتب من اليسار إلى اليمين.. بلغة النصارَى!
الحَقّ أنَّ خطّ جَيْطُوْل كان مَقروءاً.. إلاَّ أنَّ كلماته تبدو كطابور النمل.. لا تعرف نهاية الأولى من بداية اللاحقة.
عندما وصف ذات يوم (بَول نملة) لزبونٍ يشكو ألَماً في الرقبة.. قهقه الطبيب قائلاً:
ــ هذه أول مرَّة أسمع فيها أنَّ النملة تبول!
فردَّ جَيْطُوْل مُتحدِّياً:
ــ إنها تبول مرَّة واحدة في السنة!
3
... في ذلك الصباح.. زلَّت قدَم الطبيب على درَج المستوصف.. فسقط على ظهره.. أُغمي عليه.. بُذِلت عدّة جهود لإفاقته.. نضحوا وجهه بالماء البارد.. كسروا بصلة كبيرة بالقرب من أنفه.. وشَدُّوه من شَعره وأُذنيه.
لا يعرف الطبيب كم استغرق ذلك.. عندما أفاق وهو يشعر بحرَقانٍ شديد.. وآلامٍ حادَّة في رقبته.. وكأنه ابتلع ورقة خَرشُوف.. فأراد أن يصرخ.. لكنَّه لم يجد صوته.. وفي غَمرة آلامه الْتفت إلى يمينه.. في اللحظة التي كان فيها جَيْطُوْل مُنحنياً فوق دفتره الكبير.. وهو يُدوِّن آخر وصفاته:
(مَزيج لُعاب البُوبرَيْص والحرباء.. لعلاج إغماءات الأطباء)!
***
(1997)

24 أغسطس، 2009

الْجُعَل

من كتاب: ( حكايات ضفدزاد ) لأحمد يوسف عقيلة
بلغني أيها الملك السعيد.. أنَّ الجُعَل كان مليئاً بالنوايا الطيبة.. وهو يضع اللمسات الأخيرة على كُرَةِ الزِّبل.. دار حولها دورةً كاملة.. ثُمَّ توقَّف..
ــ لا بأس.. ولكن هناك في الأعلى يوجد نقص.. إن ذلك النقص سيُشَكِّل عائقاً أثناء الدحرجة.
شرع في سَدِّ النقص..
ــ يبدو أنني استعجلتُ بعض الشيء.. إنَّ الأشياء التي نقوم بها على عَجَل.. كثيراً ما تأتي ناقصة.
عندما أنجز عمله.. رفع قَرْنه إلى السماء.. واستغرق في صلاةٍ خرساء.
ــ والآن.. جاء العمل الأهمّ.
استدار.. وضع رجليه الأماميتين على الأرض.. رفع أرجله الخلفية حتَّى لامست كُرَة الزِّبل.. وبدأ في دحرجتها.
ــ ما أسهل الدحرجة في المُنحدَرات.. إنَّ الكُرَة تتدحرج بنفسها.. حتَّى إنني لا أكاد ألحقها.. ليت الطريق دائماً هكذا.
عَدَّل وَضْعه المنكوس.. أخذ يسير إلى الأمام.. مُحاولاً اللحاق بكُرَته التي كانت تقفز مع المُنحدَر.
... استدار مرَّةً أخرى.. وأخذ يُدحرج من جديد.
توقَّفت الكُرَة.. اصطدمت بشيءٍ صلب.. دفعها بكُلِّ قوَّته.. ولكن..
ــ يبدو أن الطريق قد سُدَّت.. سأرَى.
دار حولها ليستطلع الأمر..
ــ إنها مُجَرَّد حَيْطَة.
دفع الكُرَة بعيداً حتَّى تَجَنَّب الصخرة.. ثُمَّ واصَل الدحرجة.
توقَّفت كُرَة الزِّبل مرَّةً أخرى.. اصطدمت بشيءٍ آخر.. بدا وكأنه يسحبها في اتِّجاهه.
ــ يبدو الأمر مختلفاً هذه المرَّة.. هل هو جُعَل آخر يريد انتزاع كُرَتي؟ معه حَقّ.. وجدها جاهزة.. لستُ أنا بالذي يتخلَّى عن كُرَته لأحد.
ذهب لاستطلاع الأمر آخِذاً موقف الدفاع.
ــ هذا ما كنتُ أخشاه.. إنها الأشواك.. الصخور لا تُشَكِّل عائقاً حقيقيًّا.. يُمكنني الدَّوَران حولها.. أو حتَّى الصعود فوقها.. لكنَّ الأشواك هي أسوأ ما يُصادف كُرَة الرَّوْث.. تنغرز فيها.. لا يمكن انتزاعها إلاَّ بعد أن تترك فجوات.. تجعل الدحرجة شيئاً لا يُطاق.
ــ ... والآن.. بعد اجتياز دَغْل الأشواك.. جاءت المرحلة الأصعب من الطريق.. صحيح أنني اقتربت كثيراً.. لكنَّ صعود هذه القِمَّة ليس بالأمر الْهَيِّن.. علَيَّ الْتِقاط أنفاسي أوَّلاً.
استند إلى كُرَته.. واضِعاً أرجله في حالة استرخاء.. في تلك اللحظة مَرَّت نمْلة.. وضعت قَشَّتها.. وقالت:
ــ صباح الخير يا (بُودْرنَّة).. يا لَها من كُرَةٍ كبيرة لولا رائحتُها!
ــ انتبهي لِقَشَّتِكِ حتَّى لا تأخذها الريح.. ولا شأن لكِ بالآخرين.
ــ (امْشي يا وَكّال الزّبل)! على كل حال ليس لدي وقتٌ أُضيّعه.. وفوق ذلك فأنا لا أطيق آكلي الرَّوث.
استعاد أنفاسه.. استأنف مسيرته...
ــ إنني أقترب من القِمَّة.. أكاد أصل.. أحسُّ بالخَدَر في كُلِّ أرجلي.. لم يَعُد يفصلني عن القِمَّة سوى خطوات.. هانت.. بضع خطوات واستريح.. لا تتوقَّفي أيتها الكُرَة.. لماذا توقّفتِ.. أرجلي تكاد تَنْشَلّ.. تدحرجي.. تدحرجي.. و.. سقط الجُعَل.. مرَّت من فوقه كُرَة الزِّبْل.. وانحدرت تقفز إلى الأسفل.
ــ لا.. لا.. لا يُمكن.
ــ سأبدأ من جديد.. هذه المرَّة لن أفشل.. (إنَّ أي عمل يُنْجَز دون مُعاناة.. عملٌ مشكوكٌ فيه)
.. لن أشعر بالخَدَر.. يجب أن أُغَنِّي كي أنسى التعب.. لا.. أنفاسي لا تُسعفني.. اصعدي أيتها الكُرَة.. لم يَبْقَ إلاّ القليل.. خطوة واحدة.. واحدة فقط.. لا تتوقَّفي.. لا.. لا.
و... انحدرت كُرَة الزِّبل...
تبعها بنظَره.. حتَّى استقرَّت في القاع.
ــ لا.. لم أَعُدْ أُطيق.
عادت النملة في الاتجاه الآخر..
ــ عجيب أمرك يا (بُودْرَنَّة).
ــ أهذه أنتِ من جديد؟ تشمَتين.. أليس كذلك؟
ــ أنا لا أشمت.. لكن أمرك عجيب.
ــ لماذا؟
ــ لو كان لي جناحان كجناحَيك لمَا تعبتُ كُلَّ هذا التعب.
ــ جناحان؟! هل قلتِ جناحان؟! نعم.. إنني أملك جناحين.. لست أدري كيف نسيتُ ذلك.. اللعنة على كُرَة الرَّوث.. نعم.. أستطيع الطيران.. أستطيع.. يا ليَ من مُغَفَّل!
أفرد جناحيه.. بدأ يُحَلِّق صاعداً في دوائر...
ــ كم أنتِ صغيرة أيتها النملة.. وكم هي ضئيلة كُرَة الزِّبل.. تبدو الأشياء تصغر.. تصغر.. لن أهبط الآن.. لقد تعبتُ.. سئمتُ الدحرجة.. والانكفاء على وجهي.. شيءٌ بالغ الروعة أن نُحلِّق فوق مكان سقوطنا!
وأدرك ضِفْدَزاد الصباح.. فسكتت عن النقيق المُباح.
***
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ (إن أي عمل يُنجَز دون مُعاناة.. عمل مشكوك فيه): عبارة للكاتب الكوبي (اليخو كاربنتير) وردت في روايته: الخطوات الضائعة.

19 أغسطس، 2009

رمضان كريم

أهَلَّ الله عليكم رمضان بالخير والبركة وتمام العافية.. وأجزل لكم الأجر والثواب.