28 مارس، 2010

الْجُبَّة

... ينتظرُ حتى خروج آخر المصلِّين بعد العِشاء.. فيُقفِل المسجد.
نسي وهو يصلي بهم العِشاء وسَلَّم مِن ركعتين.. بل في الجمعة الماضية أمر بإقامة الصلاة بعد الخطبة الأولى.
يتمشَّى في الغابة المجاورة.. يطقطق السّبْحة بحكم العادة.
ــ رحم الله أبي.. كان يُصِرُّ دائماً على أن أُصبح إماماً.. (إذا فاتتنا المشيخة.. فلا يجب أن تفوتنا الإمامة) هكذا كان يردِّد.. وكأنه لم يعد ينقصنا سوى الأئمة!
يتنهَّد بعمق..
ــ كم أودُّ أن أمرح.. أرقص.. أغنِّي بملء حنجرتي.. يا إلهي تجتاحني رغبة في الصراخ.. هم يفعلون كلَّ شيء.. وأنا يُحرَّم علي أيُّ شيء.. لم أتجاوز الثلاثين.. لكنني لا أستطيع أن أرفع وجهي.. النظرة سهم من سِهام إبليس.. أليس هذا ما أُردِّده في خُطَبي؟ يبدو أنَّ إبليس يمتلك جُعبةً من السهام.
يعوي ذئب.. فتجاوبه باقي الذئاب..
ــ سئمتُ الحديث عن المحرَّمات.. والمكروهات.. وما يجوز.. وما لا يجوز.. أحتاج هذه الليلة إثماً لأتذوَّق الإنسان*.
يتابع السير..
ــ إنهم يجعلونك إماماً لمجرَّد أنك تطلِق لحيتك.. وتكَوِّر فوق رأسك عمامة.. لو كان الأمر مُتوقِّفاً على ذلك حقًّا.. لكان تَيس الحاجّ عطِيّة أجدر منِّي بذلك.. صحيح أنَّ لحية التيس بيضاء.. لكنَّ هذا يبدو أكثر مَهابة!
يتوقَّف.. ينحني.. يضع رأسه بين كفّيه.. ثم ينتصب.. يمدّ قامته.. ينزع العِمَامة.. يُديرُها فوق إصبعه.. يُطوِّح بها إلى الأعلى.. إلى السماء المشطورة بدرب التَبّان.
يخلع الجُبَّة.. يُكوِّرها.. يُلحقها للعِمَامة.. يتابع تموُّجاتها حتى تهمد على الأرض.. يُدير المسبحة بين كفَّيه.. يقطع الخيط.. يستلُّه.. يقذف بالحبّات.. حبَّةً حبَّة.
يتنفس بعمق.. يملأ رئتيه من هواء الليل البارد.. ويتوارى في الغابة...
... منذ ذلك الحين.. وأهلُ قريتنا يتحدّثون عن الرجل العاري.. الذي يظهر كل ليلةٍ في الغابة المجاورة...
(1996)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* (أحتاجُ هذه الليلةَ إثماً لأتذوَّق الإنسان): من ديوان (سرير على حافة المأتم) للشاعر سالم العوكلي.

هناك 8 تعليقات:

  1. (إذا فاتتنا المشيخة.. فلا يجب أن تفوتنا الإمامة)هاجس يتابعنا دائما في مجتمعنا الذي يحب الكثير منه التطلع مهما كانت الظروف و الأسباب

    ردحذف
  2. رحيل في صالح ....

    شكرا علي القصه الرائعه

    ردحذف
  3. خيرا فعل ، فقد فك أسر نفسه من قالب ( هذا ما يريده أبي ) ليعيش كما يريد هو ، أن يعيش أنسانيته ويتصالح مع ذاته .
    شكرا أحمد عقيلة ، كم سرَحت من نفوس ، وحررت أرواح من قيود أسسها البشر بعيدا عن نعمة التمتع بالحياة .

    ردحذف
  4. أسماء محمد28 مارس، 2010 12:22 م

    رائع الحرية من كل القيود

    ردحذف
  5. حامد الجيش28 مارس، 2010 11:47 م

    ألف شكر على هذه القصه الرائعه نتمنى التوفيق لكم في مهامكم

    ردحذف
  6. تظل رائع فى كل ماتكتب وتظل رائعا كما عرفناك مبدعا لا يحدث ضجيجا

    ردحذف
  7. كتابتك رائعة ولغتك سحرية، لكن كيف يكون الالتزام بالحلال حلالا والحرام حراما خروجا عن الإنسانية يا أستاذنا؟؟؟؟

    ردحذف
  8. رائع كعهدنا بك و باسلوبك الذي ينبع من الاصالةوالبيئة المتفردة في طرحك الحمد لله انه تنفس بعمق وملا رئته بالهواء البارد قبل ان يختفي رائع رائع رائع امباركة عدالة

    ردحذف