20 أبريل، 2010

الغَدِيْر

بِرْكة في الجبل الأخضر.. عدسة عقيلة
1
... سماء مُثقلة بسحبٍ تسفعها الريح.. وبروق لامعة.. تهبط الغيمة.. تسيل في السفوح والمنحدرات.. تُسَرسِق.. تلثم الحصى.. تُوسوِس.. تتقافز فوق الصخور.. تصنع شلالاتٍ صغيرةً تنتهي برغوة ناصعة.. تتجمّع في الجُرْف.. تنحدر نحو قاع الوادي.. تجرف الضفاف الطينية.. ثم تتمدّد غديراً داكناً كَدِراً.
أول ضفدعٍ دخل مَنقع السيل أطلق البشارة.. تخلّت الغيمة عن بروقها اللامعة.. استبدلتها بالضفادع المُزغردة.. زغرودة الضفدع لا تقلّ بهجةً عن وميض البرق.. الزغرودة بَرق رنّان.
2
انحدر الكدَر نحو القاع.. بدأ الغدير يصفو.. حفنة من الطهارة في صدر الوادي.. تحت الأرض تتجه الجذور ناحية النداوة.. القبّرات تغطس.. تنغمس في الماء.. وتُفلّي ريشها.. العناكب تنسج بيوتها في الفجوات القريبة.. الهداهد تبني أعشاشها في تجاويف الصخور المُطلّة على الحواف المُعشِبة.
في النهار يعكس الغدير ألوان السحب العابرة.. وفي الليل ينْزرع بالنجوم.. ويتحوّل إلى قطعة من السماء في قلب الوادي.
تعطّرت المنحنيات.. انتشرت الخُضرة الداكنة على الضفاف.. وامتدّت الأغصان المُورِقة تُظلّل جوانب الوادي.
3
... وقف على حافّة الغدير.. تطلّع إلى صورته يعكسها السطح اللامع.. الْتقط حَجَراً.. رماه في الوسط.. تغضّن السطح المصقول.. تلاحقت الدوائر.. تموجت صورته.
... انتظَرَ حتى عاد السطح إلى صفائه.. ثم.. أخذ يبول...
ارتجّ الغدير.. ناثِراً الرذاذ البارد.. ارتجف.. فاض.. تَقلّع.. أحدث لَقلقة وهو يصعد إلى السماء.. عاد غيمةً بيضاءَ تسبح في الأفق الرحب.. مُخلّفاً وراءه أوحالاً لزِجة.. امتزجت بسائل كريه الرائحة.
***
(1998)

هناك 7 تعليقات:

  1. محمد فضل الله20 مارس، 2009 3:05 م

    كتاباتك ناطقة بالواقع
    كم من غدير تم تعكير صفائه بهؤلاء فهم كثر وبمن يرمون الحجارة في ابار يشربون منها ولكن الحياة باقية ما بقي اطهار يتطهرون بمائه وبهائم تروي ظماها منه

    ردحذف
  2. تعرفت على المدونة مؤخرا..أدهشني أسلوبك...
    معبر وسلس وقريب من النفس..
    شكرا على كل الإبداع والتميز...

    ردحذف
  3. السلام عليكم
    الأستاذ سالم لست من قراء القصص عادة ولكنني وقفت عند كلماتك لأنني رأيت فيها تداخل بين القص والشعر فكلماتك رنانة ذات إيقاع يشبه الخطاب الشعري ناهيك عن السرد اللذيذ الذي يتبختر في نصك فيشد القارئ ليعرف ما لديك تماما كما الشعر الحديث برأيي النص يحمل الكثير من النقد لما يحدث لبيئتنا قوي وموجه صادق جدا

    ردحذف
  4. ( انتظَرَ حتى عاد السطح إلى صفائه.. ثم أخذ يبول... مُخلّفاً وراءه أوحالاً لزِجة.. امتزجت بسائل كريه الرائحة.)
    هذا بالضبط ما يتكرر بشكل يومي .. خروبتك يا أحمد فيها الكثير من الوجع .

    ردحذف
  5. عزيزي احمد
    الغدير فيه الكثير من الغدر .
    نعيمة الفيتوري .

    ردحذف
  6. السيد القاص الليبي مالذي حدث لك ..؟

    ردحذف
  7. !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
    من يجد أحمد عقيلة يخبر شجرة الخروب

    ردحذف