28 فبراير، 2015



الذئب يختن أبناءه..!

قصة قصيرة.


(إلى صديقي عبد الجليل عبدالكريم صالح "اجليّل")

 1

   ... يستذري جبرين تحت شجرة بلّوط.. يتأمل خيوط المطر المائلة تلمع تحت الشمس: (إنّه "فرح الذيب".. الذئب الآن يختن أبناءه.. يا له من توقيت للختان.. المطر تحت إشراقة الشمس..! الذئاب تتمتع بالخيال.. على عكس الكلاب.. شياهي الآن في مأمن.. فالذئب منشغل بتهيئة ذرّيته للتناسل.. هذا يعني مزيداً من الذئاب..!).

     الماعز يصيح.. يطأطئ رؤوسه.. يلوذ بالأشجار والصخور.. الجدي المقرور يجثو على ركبتيه ليرضع.. يصيح صيحة مكتومة أثناء الرضاعة وهو يدفع الثدي بقوة.. ترفع أمّه رِجلها بانزعاج.. تبتعد.. يقف الجدي بركبتين موحلتين.. يبتسم جبرين: (حتى ثدي الأم يحتاج إلى توقيت مناسب).
     تثغو شاة.. يجفل الماعز.. تقفز الكلاب.. يلتقط جبرين عصاه.

 2

   ... يرتكب الذئب الخطأ القاتل.. يتجه ناحية الحرث.. الكلاب تشكّل خلفه نصف دائرة.. قوساً مكوّناً من خمسة كلاب.. اثنان من كل جهة.. الخامس في الخلف.. ليست هناك إمكانية للانعطاف.. الأرض مكشوفة.. المخالب تغوص في الوحل.. الكلاب تأمل أن تنتهي المطاردة قبل تجاوز الحرث.. الذئب يرى أن الحرث لا نهاية له.. كلب المؤخرة يكاد يلمس ذيل الذئب.. كلبا الميمنة يضيّقان المسافة لإبعاده عن طرف الغابة.. كلبا الميسرة يوسعان المسافة.. تكتيك كاد يؤتي أُكله.. لولا أن الذئب ــ بقفزة أخيرة يائسة ــ تجاوز خطوط الحرث صافعاً كلب المؤخرة بقطعة وحل.. يعرف أنه لم يعد يملك القدرة على صعود السفح.. خياراته تتقلّص في موت المسافات.. خطوة.. أو قفزة قصيرة فقط تحول بينه وبين خمسة أفواه مدجّجة بالأنياب.. يصعد.. لم يسمع في حياته الذئبية كلها أنفاس الكلاب ولهاثها بهذا القرب.. في أعلى السفح تظهر صخرة كبيرة.. تركت عليها الشتاءات المتعاقبة خطوطاً داكنة.. يلوذ بها.. تحاصره الكلاب.. يقعي.. ظهره للصخرة.. أنيابه تطقطق.. أرجله بلون الوحل تحت السيقان الرمادية.. المحاصِرون يكتفون بالهرير.. ودسّ ذيولهم بين أرجلهم.. يراقبون الأنياب المطقطقة.

3

   ... يصل جبرين.. تتجرأ الكلاب.. ينهرها: (يا لك من كلاب حقيرة.. خمسة ضد واحد؟! هذا ليس عدلاً.. وأنت يا مولانا.. كيف أوقعت نفسك في هذا المأزق؟ ألا يُفترَض أنّك تختن أبناءك في هذه اللحظة؟ أو.. ربما تكون قد ختنتهم بالفعل.. وتعمل على صُنْع وليمة بالمناسبة.. يا لها من أنياب.. جعلت هذه الزمرة القذرة تدس ذيولها.. معها حق.. الواحد حين يخاف ينتابه القلق على ذيله!).

     فجأة.. يتحرّك السفح.. كما تفعل السفوح أحياناً أثناء المطر.. تنهار الصخرة.. تنقلع.. تتدحرج.. تبتعد الكلاب.. تواصل الصخرة طريقها.. مصحوبة بصوت تكسّر الأغصان.. يتتبّعها جبرين بنظره حتى تستقر في قاع الوادي.. يلتفت.. كان الذئب قد توارى.

4

   ... يفكر جبرين: (عجيب.. هذه الصخرة نابتة هنا منذ عشرات أو ربما مئات السنين..! أليس غريباً أنني أشعر بالارتياح لإفلات الذئب..؟!).

     يلحق بأغنامه.. يُمسك بطرفي العصا فوق كتفيه.. يصفر.. يبتسم: (لماذا لا أستطيع أن أخفي إعجابي بالذئاب التي تفترس شياهي.. بينما أحتقر الكلاب التي تحرسها..؟!).

***
(2015)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق