28 فبراير، 2015

كآبة جلالته



كآبة جلالته..!


 قصة قصيرة:


     ... صباح ثلجي.. يفطر جلالته في قصره الشتوي وهو مسترخٍ على كرسيه الهزّاز قرب مدفأة الحطب.. حين يطمئنّ إلى أنّ الدفء قد شاع في كل مفاصله الملَكية.. يقرّر أن يتفقد رعيّته.. يقترب من النافذة.. هالَهُ البياض الذي يكسو مملكته حتى الأفق.. يتأمّل اهتزاز الأشجار.. ويدرك أن العاصفة ممتعة.. لكنّه يدرك أيضاً أنّ الصقيع يُقاسمه السُلطة هذا الصباح.. يراقب الطريق اللائذ حول قصره.. الذي يتلاشى طرفاه في البياض.


     فلاّحة تنتشل رجليها الغائصتين في الجليد بصعوبة.. تعاند الريح.. تحاول أن تثبّت شالها حول عنقها بيد.. وباليد الأخرى تسند سطل الحليب فوق رأسها.. تتعثر.. ينسكب سطل الحليب.. يبتسم جلالته.. لكنّه يستنتج أن الريح أيضاً تمارس سُلطتها داخل مملكته دون إذنه..!


      الحمار الذي ينخسه صاحبه في مؤخرته يضيق ذرعاً.. يرفس صاحبه رفسة مزدوجة.. يوقع الشوالين.. ويختفى في الغابة.. يقهقه جلالته حتى تدمع عيناه.


          رغم أنّ مسرّات جلالته لم تكن قليلة في ذلك الصباح الثلجي وهو يتفقّد رعيّته.. إلاّ أنه تساءل باستغراب: (لماذا لا يرفع هؤلاء الفلاحون عيونهم تجاه نوافذ قصري.. ويلقون على ملكهم وولي نعمتهم تحية الصباح.. يا لهم من رعاع.. ناكري الجميل.. حتى الكلب الأبقع الذي مرّ من أمام القصر.. وتشمم كل شيء.. بدل أن يرفع وجهه رفع رِجله وبال على أسفل عمود الإنارة.. الكلب!).


     يُحس جلالته بشيء من الكآبة.. يتنهّد: (الكلب يحدّد منطقة نفوذه أمام القصر مباشرة..!).
 

     يعود إلى كرسيه الهزّاز قرب المدفأة.. يبسط يديه فوق اللهب.. وهو يرى من خلال النافذة أن الثلج بدأ يتساقط من جديد...


***

(2015)


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق