04 مايو، 2010

المعنى وبطن الشاعر

هل صحيح أنّ المعنى في جَوف الشاعر أو في بطنه.. أو في أي عضو آخر من أعضائه؟! هل الشاعر أو المبدع عموماً وَصِيّ على المعنى؟ ألا يُمكن أن يقول النَّصّ معانيه التي تقتضيها تراكيب اللغة وسياقاتها.. بغضّ النظر عن قصد المبدع؟ أين القراءات المتعدِّدة للنَّصّ الواحد؟ أين اللاّوعي؟
دعونِي أسرد لكم هذه الحكاية التي قد تُعِيْن على إجابة الأسئلة السابقة: (كان أبونواس يسير في الشارع.. فسمع أحد المعلِّمين يسأل تلاميذه: لماذا قال أبونواس "اسقني خمراً وقل لِيَ هي الخمر"؟ فحاول التلاميذ الإجابة.. لكنّ إجاباتهم لَم تقنع المعلِّم.. فأجاب بنفسه قائلاً: حين تأتيك الخمرة فأنت تراها وتشمّها وتلمسها وتذوقها.. فهذه أربع حواس.. لازالت الحاسّة الخامسة.. حاسّة السمع.. لذلك قال أبو نواس: وقل لِيَ هي الخمرُ.. لأنه أراد أن يستمتع بالخمر بحواسّه الخمس.. ففتح أبو نواس الباب وقال للمعلِّم.. والله لقد أحسنتَ التعليل.. وإن كنتُ لَم أقصد هذا المعنى).
هذا المعنى الجميل لَم يكن في جَوف أبي نواس أو في بطنه.. ودلالة هذه الحكاية تقودني إلى مزيد من الأسئلة: هل صحيح أنّ المبدع يجب أن يدافع عن نَصّه؟ أم أنّ النَّصّ كفيل بالدفاع عن نفسه؟ ماذا يُجدي الدفاع عن نَصّ لا يقول شيئاً؟ ورولان بارت يرفض تفسير العمل الأدبي من خلال منتجه.. وهو ما أسماه موت المؤلِّف.
لديّ حكاية أخرى: حين قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (لا يسقي أحدُكم زرعَ غيره).. قال بعض الورعين الذين يسقون زروعهم في الوادي: عندما تفيض علينا المياه نسرّحها إلى جيراننا ونستغفر الله)! هذا مثال على القراءة الخاطئة للنَّصّ.. لأنّها وقعت في شِراك ظاهر الكلمات.. رسول الله كان يقصد العِدّة.. أي أنّ المرأة حين يموت زوجها أو تُطلَّق فيجب أن تبقى مدّة العِدة المعروفة قبل أن تتزوّج.. لأنّه إذا تبيّن أنّها تحمل جنيناً فهو (زرع) الزوج الأول.. الذي لا يصح أن يسقيه الزوج الثاني حتى لا تختلط الأنساب.
لديّ حكاية ثالثة.. فشهيّتِي انفتحت للحكايات: (حين سمع عَدّي بن حاتِم الآية الكريمة: (فكلُوا واشربوا حتّى يتبيّنَ لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ من الفجر).. وضع إلى جانبه قبل أن ينام خيطين.. واحداً أبيض.. والآخر أسود.. وكان في كل مرّة يستيقظ ينظر إلى الخيطين في الظلمة.. وحين عَلِمَ رسول الله بذلك.. استدعاه وقال له: إنك امرؤ عريض القفا)!!
هذه أيضاً مشكلة ظاهر النَّصّ.. وعلى الرغم من أنه نَصّ قرآني.. إلاّ أنه نزل بالعربية.. ولابُدّ أن يُفهم وفق أساليبها.. ودلالة ألفاظها.. فحتّى النَّص القرآني يخضع لقراءات متعدِّدة.. نقصد من حيث التأويل.. وليس من حيث القراءات والروايات المعروفة للقرآن.. لذلك قال علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ عن القرآن بأنّه (حَمّال أَوْجه).. ومن هنا أيضاً جاء اختلاف المفسرين والفقهاء في استنباط بعض الأحكام من الآية الواحدة.. فعذراً للشاعر.. ولأيّ مبدع.. المعنى في بطن النّص.. وليس في بطن أحد.
***

هناك 12 تعليقًا:

  1. الأستاذ أحمد
    أنت تستحق الشكر لطرحك مثل هذه القضايا المثيرة للجدل .. والتي تستدعي الكثير من الإجابات والكثير من الأسئلة ..
    حري بمنتدى أماسي البضاء أن يتبنى هذه الإسئلة .. في إنتظار قضايا أخرى منك وأسئلة أخرى نتقبل كل وجهة نظر حتى ولو كانت غير مألوفة .

    ردحذف
  2. الأستاذ أحمد :
    لن ادعي فهمي للأمور أكثر من غيري ، لكن ما أفهمه أن قول المعنى في بطن الشاعر يعني لأن التأويل أو التفسير الحقيقي للنص يظل ناقصا طالما لم يصرح الكاتب عن ذلك صراحة ، والبطن هنا المقصود به عمق العقل أو الإدراك ، لذا لم يرق لي قولك : ( أو في عضو آخر من أعضائه ) ذات مرة قلت لي أنك تحب أن تكون الانسان البسيط الذي يتمكن من أن يعيش انسانيته ، لذلك أنا هذه المرة أخالفك الرأي وأقول أن المعنى كان وسيبقى في بطن الشاعر من باب أن هناك أكثر من قراءة للنص الواحد وأكثر من تفسير لمغزاه .
    دمت في ود
    نعيمة الطاهر

    ردحذف
  3. السلام عليكم .
    استاذي الرائع موضوعك جميل وفقرة تجعلك في قلب الحوار مع نفسك ..
    انا نفسي يدهشني كثيرا تفسير الاخرين لبعض قصائدي
    وتكون دهشتي اكبر هههههه عندما اقتنع جدا بما قالوا
    فعلا المعنى في بطن المعنى نفسة ..
    لك تحياتي
    افكارك جميلة ومواضيك رائعة, خفيفة وهادفة ,دمت كاتبنا الذي يفتخر به كل القراء
    ويفتخر بة الجبل الاخضر
    ومبرووووك الطبعة الثانية للااصدارين الجدد .

    ردحذف
  4. الإستاذ / أحمد
    طرح جيد وليس جديد لهذه القضية وفي قصة أبونواس ما يؤكد ذلك .. ولكن هذا الطرح فيه تحفيز وحث للبحث عن إجابات جديدة .. وهنا يتأكد لنا بأن هناك ديناميكيا وتفاعل بين المبدع ومن يتلقى..وقد يلتقط القاريء معنى لم يعنيه او يقصده المبدع .. وقد تعطي هذه المعادلة نتيجة غير متوقعة أو مسبوقة إذا ما وضعت تحت شروط وعي القاريء وآفاق المبدع .
    عزيزي / أحمد
    قبل أن أقرأ تعليق الأخت نعيمة وبصراحة مطلقة لم يرقني تعبيرك ( أو في أي عضو آخر من أعضائه )..
    وكما قالت : الشاعرة المميزة / سعاد يونس
    ( انا نفسي يدهشني كثيرا تفسير الاخرين لبعض قصائدي
    وتكون دهشتي اكبر هههههه عندما اقتنع جدا بما قالوا) .
    ويبقى الطرح جاد في إنتظار إجابات جادة .
    أخيك / عبدالحفيظ أبوغرارة .

    ردحذف
  5. رائع يا أحمد هذا المعنى لبطن الشاعر..هذا ماكنت أبحث عنه.
    علاءالكزة

    ردحذف
  6. جميل كالعادة ولكن لنل عجتبني الصورة التي من غير الالوان حلوة لو كنت اعلم انها موجودة من زمان لعملتها بذل تلك بس ملحوقة ياريت يااستاذ احمد لاتغيب عنا

    ردحذف
  7. انا احب قصصك اكثر بس تعبت من الحشرات والزهور اكتب قصيدة رومانسية عاظفية الي التي مثلي

    ردحذف
  8. الشرقاوي13 مايو 2010 7:31 ص

    أستاذ أحمد مبحث جيد وتنويه رائع ويظل الباب مفتوحا لكل الاراء

    ردحذف
  9. عندما تتعدد المعاني(التأويلات) للنص ولا تتناقض في جوهرها بل تترك الباب مواربا ليفتح على معاني منبثقة من الأصل فان هذا من عمق دلالة النص وثراءه ، و الكاتب هو من يصوغ الجوهر الذي يتسع باتساع مخيلة المتلقي، يبقى الحوار دائما فعلا ثنائيا، متحدث ومصغي ، كتصفيقة تحتاج لكفين يتماثلان في القوة ويتجهان لحظيا نحو قلب الحدث بتركيز متساوي .. وهذا دور المبدع الذي سيحدد قوة التصفيق واستمراره... دمت تجذبنا كفوفا متعطشة للتصفيق...

    ردحذف
  10. السلام عليكم...أحببت جداً طرحك لهذا الموضوع ورأي الشخصي...لا يهمني المعنى الذي في بطن الشاعر المهم النص الجيد والممتع وطريقة تقبل الشخص للموضوع بغض النظر عن المعنى الأصلي الذي يقصده الشاعر...شكراً على فرصة إتاحة التعليق.
    آسيا الشقروني

    ردحذف
  11. أرجوأن لا تكون هذه مقدمة لأجل أن تلوى عنق النصوص

    ردحذف
  12. موضوع رآئع من أديبنا المبدع
    حقاً كل يغني على ليلاه وكل قـآرئ للمعاني والنص يفسره كما في نفسه هوآ ويبقى المغزى من الكلمات لايعرفه الا كاتب النص

    وكلاً يغني على ليلاه
    ابداع وتميز منك كما عرفناك

    ردحذف