03 مايو، 2010

الَخُروج من الغابة

1
... في البدء كان الكَلْب في الغابة...
... الذئب والكَلب يُقعيان فوق الحافّة الصخرية التي تظلِلها الأغصان.. يراقبان الراعي في الأسفل حيث تنحسر الغابة.. ويمتد سهل مُعشِب.. ينحني متوكئاً على عصاه.. يتلفت ناحية الأدغال.. يصفر.. يُلقي بالأحجار أمام الماعز.. ويصرخ أحياناً.
قال الذئب:
ــ أترى تلك العَنْز التي ولدت لتوِّها؟ سآخذ جَديها عند حلول المساء.
حَكَّ الكلب رقبته مُصدِراً أنيناً متقطعاً:
ــ سيكون هذا مثل المرّات السابقة.. يتفطن لك الراعي.. يُحاصرك بين الصخور.. ويُوسعك ضرباً بعصاه.
لعق الذئب أثر الجرح على ساقه.. وقال:
ــ كان ذلك في القمراء.. أمّا الليلة فالأمر يختلف.
ــ الراعي أكثر حذراً في الليالي المظلمة.
ــ مهما يكن.. سأتمدد هنا.. وأكتفي بمراقبة ذلك الجدي حتى الليل.. انظرْ إليه وهو يحاول النهوض.. لا يزال البخار يتصاعد من ظهره.
تثاءب الكلب ثم نهض:
ــ أمّا أنا فلن أستطيع الصبر على الجوع حتى المساء.. أمعائي تقرقِر.. سأنزل.
ــ في النهار؟!
ــ كفانا تشرداً.. سأعقد صفقةً مع الراعي.
أخذ الكلب ينزل بحذر.. صرّ الذئب على أسنانه:
ــ هذا جنون.. الراعي لا أمان له.
ــ أمعائي تقَرقِر.
ــ أتتخلى عن الغابة؟
ــ أمعائي تقَرقِر.
ــ أتتركني؟
ــ أمعائي تقَرقِر.
ــ غبي.. غبي!
أومأَ الكلب برأسه إلى شجرة العرعر وقال:
ــ سئمتُ أكل الزنباع.
2
... عينا الذئب خلف الصخرة..
الراعي يتناول عشاءَه.. اللهب ينعكس على مؤخرة الكلب.. ووجهه غائب في الظلمة حيث يوجِّه نباحه إلى الغابة.. يقطع النباح.. يهز ذيله.. يلتقط العظم.. يتمدَّد قرب النار فتضيء وجهه.. ينهض مرَّةً أخرى نابِحاً نحو الظلمة.
3
... وثب الكلب إلى الناحية التي جفل منها الماعز.. اشتمّ الرائحة.. أخذ دورة واسعة.. وفي لحظة كان وجهاً لوجه مع الذئب.
ــ أعرف كل مساربِك.
ــ يبدو أنّ أمعاءك لا تزال تقرقِر.. لا تكذب.. رأيتُ كل شيء.. أهذه هي الصفقة؟!
ــ لم أكن أعرف معنى الدفء قبل النار.
ــ ألم تعد تحسِن العواء؟
ــ الماعز لا يستأنس بالعواء.
ــ ولماذا تهز ذيلك كثيراً؟ هل هي عادة اكتسبتها أيضاً؟ ثم أين وَبرك الرمادي؟
ــ الراعي لا يحب الوَبر الرمادي.
ــ كلّ هذا حدث في عشيّة واحدة! هكذا إذن.. في الليل حارس.. وفي النهار ناعِس.
ــ دفء النار لا يعدله شيء.. سئمتُ الليالي الباردة المطيرة.. أَبِيتُ مقروراً وأمعائي خاوية.. بإمكانك أن تتبعني.. جرّب مرة واحدة دفء النار.
كشّر الذئب:
ــ النار مُغرية حقًّا.. ولكن ابتعد عن طريقي.
ــ ماذا ستفعل؟ هل ستأكل الزنباع؟
التفت الذئب:
ــ أتعرف ماذا سأفعل؟
صمت قليلاً.. ثم أضاف:
ــ سأعوي.. سأعوي وأُنصت إلى صدى عوائي تردده الغابة.
اتجه إلى الغابة.. وقال في الظلام:
ــ بالمناسبة.. نباحك مزعِج.
***
(2004)

هناك 8 تعليقات:

  1. قصة رائعة كل عام وانت بخير

    ناجي

    ردحذف
  2. لازلت سيدي القاص الفاضل تائها انما العبرة ليست في الكم الذي تكتب انما مامضمون ماكتبت وباي أسلوب كتبت .. سيدي الفاضل القاص العزيز أرجو أن تمنح نفسك فرصة للتأمل .. اذهب الى مسقط رأسك وتشمم عطر الغابة .. واستلف في ظل الخروبة ودع أصوات الخلاء الممتزجة بحديث النفس الساحر تتسرب لعروقك وتختلط بدمك .. أنت تحتاج فعلا لهذا .. ولتعود بعد ذلك كما عهدناك .. والله ولي التوفيق .

    ردحذف
  3. سالم صالح4 مايو، 2010 1:05 م

    يبدو أنك يا (غير المعروف) لم تنتبه الى ان عقيله يعيد نشر قصصه القديمة وبعضها له اكثر من عشر سنوات وبالتالي لا معنى للحديث عن غزارة الانتاج.

    ردحذف
  4. صالح المبروك4 مايو، 2010 1:14 م

    صحيح، فاحمد يوسف يكتب تواريخ القصص في نهايتها

    ردحذف
  5. أشكركم جميعاً.. أخي سالم لك وحشة.. لا تكن قاسياً هكذا.. فمن حق القاريء أن يبدي رأيه ولو كان سلبياً.. وبعض ملاحظات القرّاء في غاية الأهمية.. وأنا أحب الإنصات إلى ملاحظات قرّائي.

    ردحذف
  6. الكاتب الرائع أحمد يوسف عقيلة :
    في هذه القصة إسقاطات كثيرة تسلمنا للدهشة .. هل تصدق بأنني أحببت أن أكون ذئب في هذا العالم ولكن دون عداء أو توحش ‘ولكن أحببت في ذئبك هذه الروح الحرة رغم الجوع .. وكرهت الكلب الذي تنازل في سبيل الجوع عن الكثير ..
    ولا يفوتني أن أقول لصاحب التعليق الثاني _ بالرغم من صدرك الرحب _ إذهب إلى الجحيم إلى حين تفهم .
    أختك سهام

    ردحذف
  7. أشكرك أخت سهام.. لا أحد من قرّائي يذهب إلى الجحيم.. فأنا أحبهم جميعاً.. وأتلقى ملاحظاتهم بشغف.

    ردحذف
  8. أهم ما يميزك هذا التسامح والتواصل الجميل مع زوار خروبتك .....
    يروق لي هذا الهدوء الذي تتصف به وسعة الصدر التي تملكها ، لك خالص التحايا وأنا معك في أن من داس تراب الخروبة الحامي لن تقلبه دعوته لكنه سيحضى بالمكانة التي تليق به كضيف في براح أنت مالكه ، وتبقى مسألة الشغف الذي تتلقى به ملاحظات الزوار ، إنه الجاذب لكثير من المريدين والزوار والآتين عبر اللفيف الذي يزيد عدد أفراده كل حين وحين ، تقبل تحايتي .

    نعيمة الطاهر

    ردحذف