08 أبريل، 2010

غِناء الصَّراصِيْر

1
... أحد الأصباح الصيفية.. استيقظنا على جلَبة في طرف قريتنا.. أصوات مختلطة بلغة غريبة.. نداءات.. وطرقات حادّة.
امتدت تلك الضجة إلى الليل.. ثم سكن كل شيء.. واحتلَّت نجوم لامعة وقمر أبيض سماءَ قريتنا.
في الصباح تطلَّعْنا ناحية الشرق.. هالَنا منظر السطوح اللامعة.. التي تبرق تحت الشعاعات الأولى.. فقد وُلِدت في ليلةٍ واحدة قرية بكاملها من الصفيح المُتموِّج.. ذات أسطح مُحدَّبة.. وأزقّة ضيقة.. يتحرك خلالها أُناس ذوو سِحَنٍ سمراء.. وشعورٍ طويلة.. وعمائم مُكوَّرة.. ورطانة غريبة.
منذ ذلك اليوم.. أخذت تلك القرية اسم (براريك الهنود).
2
... في الضحى.. كانت العجوز رابحة عائدة إلى حَوشها.. فوق رأسها قُفَّة مملوءة بالجَلّة لإحماء التنور.. تمشي ببطء.. تتلفَّت.. تنحني بين الحين والآخر لالتقاط الرَّوْث.
هي بلباسها المُعتاد.. رداء أحمر.. تُقطِّعه خطوط صفراء مُتصالبة.. شال أحمر داكن.. جورب مُخطَّط.. حذاء مطّاطي أسود.. وشمٌ غابر.. وتكْلِيلة.
قابلها مندوب الشركة:
ــ كيف حالك يا حاجَّة رابحة؟
تنهَّدت:
ــ الحمد لله.. نعمة ورغيد.. اليوم اللي نشري فيه البرذعة نبيع فيه الحمار.. واليوم اللي نشري فيه الحمار نبيع فيه البرذعة!
ــ يا حاجَّة رابحة.. الشركة الهندية تريد نظّافة.. تاخذي معاش.. وتقدري تجمعي بين الحمار والبرذعة.
لكن العجوز تقاعدت العام الفائت.. ومنذ ذلك الوقت بدأت تُحس بأنها أصبحت كَمَّاً مُهمَلاً.
عندما أفهمها المندوب بأنَّ هذه شركة أجنبية.. لا تهتم لحكاية التقاعد.. وما يهمُّها هو أن تجد نظّافة.. تهلَّل وجهها.. والأكثر من ذلك أحبَّت الهنود قبل أن تراهم! هي هكذا دائماً.. قلبها مُشرَع للاستجابات الفورية للحُبّ.. فعندما دخلت المستشفى ذات مرَّة.. وأخبروها أنَّ الطبيب القائم على معالجتها عراقي.. أحبَّت العراقيين.. دون حتى أن تعرف أنهم عرب! وحين علمت أنَّ الممرضة المُشرفة على تمريضها إيطالية.. أغمضت عينيها وفكَّرت: كيف يمكن للطليان أن يوفِّقوا بين حشر الناس في المُعتقَلات وشنقهم.. وبين إنجاب مثل هذه (السُّورَيْلاّ) الحَنون! ولكن رغم كل شيء.. فقد وجد الطليان مكاناً في قلبها إلى جانب العراقيين.
يبدو قلب العجوز فندقاً.. يحوي من الغُرَف ما يتسع للجميع.. على اختلاف أجناسهم.
الصرصار هو الكائن الوحيد الذي لم يجد مكاناً حتى في الأقبية الخلفية لهذا الفندق.. كانت تلاحقه دائماً بمكنستها الخشنة.. وتدهسه تحت حذائها المطّاطي وهي تَكزُّ على أسنانها.. حتى وصل الأمر إلى حَدِّ المُتعة!
قالت:
ــ الله يجبر بخاطرك.
دخلت.. الْتقطت مكنستها.. كوَّمت جَرْدها فوق رأسها.. وانطلقت إلى مَقَرِّ الشركة.
3
... أحد الهنود يُصرُّ دائماً على أنَّ برّاكته ليست في حاجةٍ إلى تنظيف.. فهو ـ كما يقول ـ يكنسها بنفسه مرتين في اليوم.. ورغم أنَّ كل ما يقوله في هذا الشأن لا يتعدَّى جُملتين.. إلاَّ أنه يبذل جهداً كبيراً مُستخدِماً كل جوارحه لإفهام العجوز.. حتى إنه يأخذ منها المكنسة ويقوم بالكنس.. ويرفع في وجهها إصبعين.. لكنَّ هذا الأمر.. بدل أن يُشعرها بالارتياح.. فإنه على العكس من ذلك.. استفزَّها.. وأصبحت معرفة السبب في منعها من كنس البرّاكة تصل إلى درجة الإغراء.
ومما بدا أكثر غرابةً للحاجَّة رابحة هو مظهر الرجل.. اللحية الكَثَّة.. الملامح الرجولية.. العمامة المُكوَّرة.. الشعر الطويل.. والأقراط الحمراء.. وبدت هذه التَّوليفة أمراً مُحيِّراً.. وغير مُستساغ.. إذ ما حاجة الرجل إلى الدنادين؟! لكنها على كل حال.. لا تقف عند ذلك طويلاً.. بل تتنهَّد.. وتهزُّ رأسها ـ كعادتها عندما تواجه أمراً غير مفهوم ـ ثُمَّ تُعمِل مكنستها الخشنة في أزقَّة البراريك.
4
... في كل مساء.. بعد أن ينتهي العمل.. ويعود العُمّال إلى براريكهم.. يبدأ الهندي طقوسه العِبادية:
يُنْزل الصُّرَّة المُعلَّقة في السقف.. يجثو في محرابه.. يُغمض عينيه ضامّاً كفَّيه إلى بعضهما.. ثُمَّ يفتح الصُّرَّة.. التي تحتوي على دقيق يشبه النُّخالة.. يحفِن حفنتين ويضعهما في صحنٍ عريض.. يسكب سائلاً أحمر.. ويعجن النُّخالة بأصابعه حتى تتشرَّب السائل.. وما إن تنتشر في البرّاكة الرائحة الحادَّة.. حتى تنبثق الصراصير من كل الزوايا.. تهبط من السقف.. تعتلي الصحن.. الذي يختفي تحت الكُتلة السوداء.. بينما يعود الهندي إلى وضعه الجاثي.. مُغمض العينين.. ضامّاً كفَّيه إلى بعضهما وهو يُحرِّك شفتيه بصلاةٍ ما.
ينتهي القُربان.. تنطلق الآلهة في غناء جماعي.. تمرح.. تتقافز.. تتسافد.. وتصعد فوق جسد الهندي.. لتُكمل تراتيلها الليلية.
أحد الآلهة المُبجَّلين صعد مع الذراع.. ارتاح قليلاً فوق الكتف.. تسلَّق العنق.. تحسَّس حلمة الأذن.. ثُمَّ استأنف مِعراجه إلى الجبين.. وهبط من بين الحاجبين حتى أرنبة الأنف.. رفع قرنيه.. حرَّكهما في كل الاتجاهات.. ثُمَّ انحدر قداستُه وبارك الشفتين آخِذاً طريقه إلى الأسفل.
... ويظلُّ الهندي في حالةٍ من الهُيام والوَجْد.. حتى منتصف الليل.. حين يعتري الآلهة التعب.. فتكفَّ عن الإنشاد.. وتخلد إلى الراحة.
5
... ذات صباح.. عندما انصرف الهنود إلى عملهم في بناء المدرسة.. تلفَّتت رابحة في كل الاتجاهات.. ثُمَّ فتحت باب البرّاكة بحذر.. صدمت أنفَها الرائحةُ الكريهة.. لم تتبيَّن شيئاً للوهلة الأولى.. أسندت المكنسة إلى الباب.. بحثت عن الزِّرّ.. وأشعلت المصباح.
شهقت.. ضربت بكفَّيها على خدَّيها.. فقد كانت الجدران والسقف مُغطَّاة بالصراصير السوداء.
ــ قال نكنس فيها مرتين في اليوم!
كزَّت على أسنانها.. الْتقطت المكنسة.. أخذت تُطيح بالصراصير.. تَسحلها تحت حذائها.
الآلهة في خطر.
الآلهة بين المكنسة والحذاء.
الآلهة في حاجةٍ إلى عَون أرضي!
استمرَّت تلك المذبحة إلى الضحى.
توقَّفت العجوز.. تمسح عرقها.. وتلتقط أنفاسها.
ظهر ظِلٌ في فتحة الباب.. الْتفتتْ.
كان الهندي واقفاً.. فاغراً فمه.. ينظر بعينين هلِعتين.
سقط على ركبتيه.. أخذ يشدُّ شعره الطويل.. فاضت دموعه.. بدأ يرتعش.. يصرخ.. يتلوَّى على الأرض.. وهو يحسُّ بخطيئة العابد الذي تأخَّر عن نجدة آلهته في الوقت المناسب.
سرت رجفة في جسد العجوز.. فخرجت مسرعة.
6
... في المساء.. اقتربتْ بوجَل.. طرقت باب البرّاكة.. انتظرتْ قليلاً.. عاودت الطَّرْق.. ثُمَّ دفعت الباب ببطء.
كان الهندي في محرابه.. جاثياً وسط جُثَث الصراصير المسحوقة.
رفع عينين حزينتين.. أخضلَهما الدمع.
أنزلت رابحة جَرْدَها المُكوَّم من فوق رأسها.. أخذت تفكُّ طَيّاته.. أخرجت صندوقـاً خشبياً صغيراً.. فتحتْه.. قلَبتْه.. وأخذت تَحُتُّه فوق الأرضية.. وفي فضاء البرّاكة انطلقت مئات الصراصير.
قفز الهندي.. ضَمَّ كفَّيه إلى بعضهما.. انحنى بقلبٍ مُفعَمٍ بعرفان الجميل.. وأخذ يلمس قدمي العجوز...
(1998)

هناك 5 تعليقات:

  1. فريحة صالح3 يوليو، 2009 4:09 م

    كيف يمكن للطليان أن يوفقوا بين حشر الناس في المعتقلات وشنقهم وبين انجاب مثل هذه السوريلا الحنون؟ سؤال وجيه....أكثر ما أضحكني هو قلب الحاجة رابحة المشرع للاستجابات الفورية للحب ...

    ردحذف
  2. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    جميلة و بسيطة هي الحاجة رابحة ...

    وكم هو حزين امر ذلك العابد للالهة التي لم تجد لنفسها عونا ...
    وكم هو طيب قلبك يا رابحة ...

    شكرا لك


    خالص تحياتي

    ردحذف
  3. رفيده محمد8 أبريل، 2010 12:49 ص

    اسفه على تأخرى علىقرأة هذه القصه اللطيفه مع انى لست مع الحاجه رابحه مفروض من الحاجه امسكت المكنسه وضربت الصرصور الكبير (يعنى الهندى ) على الاقل عمتى رابحه سموها رابحه المجاهده فى الله ياريتنى فى مكانهاراها جبت بنزينه وحرقت البراكه هههههههه

    ردحذف
  4. كل ماهمني هو أن قلب الحاجة رابحة ( مشرع للإستجابات الفورية للحب )، ليت للجميع قلوب مثل قلبها ، إذن لعم الحب كل الأرجاء ، ولعرفت كل القلوب طريقها إلى الله حتى ذلك الهندي الذي يطربه غناء الصراصير ، وهو أي الهندي العابد للصراصير وجد هو الآخر مكانا في قلبها رغم اشمئزازها من فعله إلا أنها أعادت إليه ألهته التي يعبدها ، تعاملت معه من جانب انساني بحث ينبع من قلبها الذي صار كالفندق المتعدد الحجرات يتسع للجميع ، عمتي رابحة هل أجد في قلبك لي مكان ؟، اعياني البحث عن قلب يحتويني دون أن يضعني تحت خانة المسائلة والتدقيق والتحقيق ، قد أعياني البحث فهلمي وخوذيني إلى قلبك الواسع .

    نعيمة الطاهر

    ردحذف
  5. كلنا في الوهم انسان..انعدام الوهم انعدام حقيقة الانسانية...

    ردحذف