04 يونيو، 2011

الرَكْمجة في زمن الثورات

(من يوميات ثورة 17 فبراير في ليبيا)

1

في أعراسنا الشعبية يشرعون في التحضير للعرس قبل شهر أو أكثر من موعده.. فهناك الكسوة.. والذبائح.. والأكل.. والكوشة.. والدرابيك.. والهدايا.. والخيام.. والطناجر الضخمة.. والقصاع.. وألف ملعقة على الأقل.. والمصابيح الملونة.. والخلوط.. والحلويات.. وسيارات الزفة.. وسيارة فارهة للعروس.. والبالونات.. والخراطيش ذات الفوهتين.. وكاميرا فيديو.. وإذاعة كاملة للسهرة.. وحتى محرك كهربائي تحسباً لانقطاع الضوء.. الحاصل.. لجان لكل مهمة.. حتى لجنة للرصد الجوي.. فالعرس ينبغي أن يكون في أجواء مشمسة لا ريح فيها ولا عجاج.. والجيش الذي يقف وراء تجهيز هذه الخدمات يسمى (العَوّالة).. ويوم العرس.. ومن مكان غير منظور ـ كما يقول معلقو مباريات كرة القدم ـ يظهر شخص ما.. يأمر وينهى.. ويستقبل الضيوف.. يربط رأسه بمنشفة من شدة الصداع جرّاء الجهد الخارق الذي يسبق العرس! بينما هو في الواقع لم يظهر إلا يوم العرس.. هذا النموذج يسمى في التعبير الشعبي (تَيناح).. وهو نموذج للمركمج الاجتماعي.. أي راكب الأمواج.. سارق جهد الآخرين.. جُهد العَوّالة.

2

في المحافل والمهرجانات الثقافية.. وقبيل كلمة الافتتاح بدقيقة.. يصعد شخص فجأة.. لا تنقصه الأناقة.. يلتقط الميكرفون.. يرحب بالضيوف.. معتذراً عن قلة الإمكانيات.. فكل شيء تقريباً بالجهد الذاتي.. كل هذا وسط دهشة اللجنة المشرفة على المهرجان (عَوّالة المهرجان).. هذا نموذج آخر للمركمج.. تيناح المهرجانات.

3

حين اندلعت ثورة 17 فبراير في ليبيا.. سقط النظام في أربعة أيام.. حيث انزوى القذافي تحت الأرض في باب العزيزية في اليوم الرابع.. مفجوعاً هلِعاً من سرعة سقوط النظام.. لكن انزواءه كلف الكثير من الدماء.. وقال بعضهم ساخراً بأن الشعب الليبي أصدر كتاباً صغيراً بعنوان: (كيف تُسقط ديكتاتوراً في أربعة أيام بدون معلّم).. وفجأة ـ وهذه الـ(الفجأة) مهمة جداً على الرغم من تكرارها الذي قد يؤدي إلى الملل ـ ظهر مذيعون وناطقون رسميون من تحت الأرض أو من فوقها أو من كوكب آخر.. المهم أن الكثير منهم لم يره أحد في الأيام الأولى حتى في المظاهرات السلمية.. بل حتى في تشييع جنازات الشهداء.. وحين تحررت المدن ظهروا فجأة من مخابئهم كما يظهر الذباب.. وسط تساؤلات واستغراب (عَوّالة) الثورة.. واستولوا على الإذاعات المحلية.. وأخذ بعضهم يكيل السباب والشتائم للنظام.. وللقذافي شخصياً بنفس خطابه وأسلوبه الحصري في الشتائم.. بل أخذوا يهجون القذافي بأنه يهودي.. فأي خطاب هذا الذي يجعل من الديانة أو العرق أو اللون مسبّة وشتيمة؟! بعضهم استخدم نفس خزعبلات شاكير.. فحين ظهر علينا شاكير بمعجزة الدجاجة التي باضت بيضة خضراء.. رد أحد مذيعينا الطارئين بأن هناك عنزاً في الجبل الأخضر أنجبت جدياً برأس أحمر.. ووسط أسود.. ومؤخرة خضراء.. بألوان علم الاستقلال الثلاثة!! على طريقة محاربة العدو بنفس خزعبلاته.. وتحت أسلوب (ما من كذبة إلا وهناك كذبة أكبر منها).. هذا رَكْماج الإعلام المسموع المحلي.. تيناح الإذاعات المحلية.. الذي جعل الناس يفقدون الثقة في مصداقية هذه الإذاعات.. حتى أطلق بعضهم على هذه الإذاعة اسم (مَكذبة).

4

حين زرت ميدان التحرير ببنغازي رفقة الصديق عبدالمجيد الفائدي مرت من أمامنا سيارة فارهة ذات دفع رباعي بها مجموعة من الشباب يتأبطون بنادق كلاشينكوف.. مع تقطيبة.. ونظرة صارمة.. وشفاه مزمومة.. يربطون رؤوسهم بعلم الاستقلال.. فقلت لصديقي عبدالمجيد الفائدي ساخراً: (هؤلاء هم اللجان الثورية لثورة 17 فبراير)!! فهم نفس مظهر اللجان الثورية.. وأخشى أنهم يستخدمون نفس أساليبهم.. فالثورة لم تكن من أجل إسقاط حاكم فرد ديكتاتور فقط.. بل كانت ثورة لتغيير أساليب حكم وحياة بالكامل.

5

آخرون ركبوا الموجة بطرق مختلفة.. ليس للظهور.. بل على العكس.. للاختفاء.. فبعضهم استغل فتح مخازن المعسكرات واستولى على آلاف البنادق.. وأخفوها في بيوتهم.. بينما الثوار يفتقرون إلى السلاح.. بل بعض من نهبوا الأسلحة أخذوا يبيعونها لمن يدفع أكثر حتى لو كان من اللجان الثورية.. هؤلاء ليسوا مجرد راكبي أمواج.. بل تجار أزمات.. وخونة.. إذا أردنا ألا نتحرج في تسمية الأشياء بأسمائها.. فقد ساهموا في جرائم الحرب والإبادة التي ارتُكبت ضد الشعب الليبي.

6

مركمجون كانوا في الخطوط الخلفية للجبهة.. لا يفعلون شيئاً في الظاهر سوى الانتظار.. وإعداد الشاي.. والنظر إلى السماء.. في انتظار ماذا؟ لم يطل الوقت كثيراً للإجابة عن هذا السؤال.. فبمجرد تضرر بعض الآليات من القصف قاموا بشحنها والعودة بها.. هؤلاء هم الربّاشة.. يبدو عملهم لا غبار عليه لأول وهلة.. لكنه ليس كذلك.. فمن غير الأخلاقي أن يقدّم أناس أرواحهم من أجل تحرير البلد.. بينما يتربص آخرون بالآلات كغنائم.

7

المركمجون موجودون في كل ثورة.. وفي كل أزمة.. البهلوانيون.. التيناحة.. هم دائماً جزء من المشهد.. لكن لا يمكنهم أن يشوهوا ملحمة الشعب الليبي التي قدّم فيها قوافل من الشهداء.. وانتزع حريته وهو أعزل سوى من إيمانه بعدالة قضيته.

8

نسيت أن أحدثكم عن الركمجة.. أعني ركوب الأمواج.. فراكبو أمواج المحيط يلتقطون ألواحهم.. وينتظرون على الشاطئ.. ينظرون بتمعن إلى الأمواج لاختيار التوقيت وركوب الموجة المناسبة.. كنت أعتقد أن هذا في المحيط فقط.

***

السبت.. 2 إبريل 2011

هناك 4 تعليقات:

  1. عطية السنوسي14 يونيو، 2011 2:27 ص

    ابدعت يا استاذ احمد, فما اكثر هؤلاء بل انهم باتوا ينسبون الفضل لانفسهم في احيان كثيره. سلمت يمينك يا كاتبنا المبدع

    ردحذف
  2. (فالثورة لم تكن من أجل إسقاط حاكم فرد ديكتاتور فقط..... بل كانت ثورة لتغيير أساليب حكم وحياة بالكامل) وهذ مايجب على المثقفين وقادة المجتمع من كل الشرائح ان يركزون عليه وان يحاولون ايصاله الى اذهان المواطنين المشغولين بهواجس المعيشة اليومية المنصرفين عن القراءة او مناقشة الامور بعمق اكبر..لك تقديرى دائما

    ردحذف
  3. السيد احمد .. اعتقد انك لاتختلف معي بانها صيرورة هذه الحياة ان تتلون بكل هذه الصور .. وديمومة التاريخ في كتابة الاحداث بحبر الحقيقة الذي لاينمحي , حتى لو حاول احدهم ان يفعل ذلك .. ولكن لنتفق باننا لن نستطيع ان نوقف هؤلاء الهواة عن ممارسة هوايتهم , فنوعية جلد الوجه الذي يتميزون به هو من النوع الذي لايتأثر بكل المذيبات العضوية المعروفة ويصل مدى الاحتمال حتى الاهانة والبصق وضرب الكفوف و واعني كفوف اليد على الخد .. وماباليد حيلة .. لك التحية .

    ردحذف
  4. هذا ليس غريب علينا تربية قذافية عمرها 42 عام المنهج الاساسي فيها يجب ان تكون منافق لكي تصل وياريت وقفت علي هذا والباقي اعظم لكن هذ ليس مهم لان المنافق شخص هش لا يشعر بمتعة وجوده وعايش في عذاب نفسي طول حياته ولهذا نخن محتاجين لدكاترة نفسية للعلاجهم والامر هين لان امثالكم هم من يقومون بالواجب

    ردحذف