12 فبراير، 2011

كائنات أحمد يوسف عقيلة ...

قراءة في الخيول البيض

بقلم الشاعر: مفتاح العمّاري

إننا نتعرف على آلاف الأشخاص.. لكننا سننجذب فقط إلى القلة الذين يحوزون على سرّ ما.. يجعلهم يستأثرون باهتمامنا وعنايتنا.. القلة الذين نتعاطف معهم وجدانياً.. و الذين من ثم سيشكلون جزءاً من نسيج تجاربنا وخبراتنا ومعارفنا.. ينطبق هذا القول على الكتب والأمكنة.. وكذلك النساء.. ففي رحلتنا مع الكتب ستختلف وتتنوع وتتعدد المحطات والعواصم والظلال.. ثمة كتب نمرّ بها مروراً سريعاً عابراً.. ولا تقتضي منّا كثير جهد أو وقت أو عناء.. لأنها لا تملك ما تقوله أو تدّعيه.. فبعضها قد يشعرنا بالملل بدءاً من الصفحات الأولى بحيث تتعذر مواصلة السفر معها أكثر من بضع لحظات لنغادرها متأففين مستائين.. بعضها ربما يحتمل تحايله أو تذاكيه الرفقة على مضض.. تحسبا لخبء جميل قد يكون مندساً.. ولكننا ما نلبث بعد حين أن نكتشف خديعة الملفوظ.. لنخرج كما يقال - بخفيّ حنين -. غير أن المؤانسة قد تستمر دهراً مع الندرة التي تغدق علينا من السحر ما قد يفيض أحياناً عن حاجتنا.

هذه التقدمة.. وهي تشير بتلطف إلى ما يندرج في خانة البديهيات.. إنما تطمح لشيء من التبسيط بغية التدليل على الأبهى في تفرده.. والذي يجعلنا نتوقف عنده وحده دون غيره.. ونصفه ونسمّيه.. ونبحث له عمّا يليق به من مديح.. اعترافاً وإنصافاً لما يبثه فينا من روح سخية.. ستظل دائماً وهّاجة وجامحة وتائقة ونضرة.. هذه هي الشراكة الحقّة التي علينا أن نحرص كل الحرص على تمتين عراها.. مع المتن المقروء ودعم روافدها.

يتعلق السحر هنا بكتاب (الخيول البيض) للقاص الجبليّ (أحمد يوسف عقيلة).. الذي بدأ واثقاً منذ البدء من ضراوة حلمه.. فأشار علينا أن نتبعه مأخوذين بشيء ما.. يكمن في ثنايا أسطورته.. ونحن حين نتساءل عن ماهيته.. عن سطوة هذه الكاريزما.. عن هبات العلو فيه ومعه.. عن المغويات التي فخختنا.. عن وعن.. أنما نلبي الشغف ذاته في إعادة كتابة المقروء.. قد نعزو في بساطة أن جبروت المخيلة ما كان له أن يبلغ هذا السمو لو لم يستحوذ على ذلك الشغف الحار وهو يغزو فضاءه بوَله المحبّ.. الشغف نفسه الذي ما يلبث أن يتلبسنا إزاء القراءة.. لأن ما كُتب بشغف.. سيُقرأ بشغف أيضاً.. كذلك على الكلمات أن تحذو الحذو ذاته.. الكلمات التي منحته هذا القدر أو ذاك من البهاء.. الكلمات.. ذخيرة الكاتب ولعبته.. والكلمات أيضاً.. لُحمة المتن ونسيجه في العالم الذي تتوخى إعادة خلقه من خامات ملقاة على الطريق.. وهو ما يتكفّل القاص في (الخيول البيض) بمهمة اكتشافها.. ليجعلنا نرى ما لم نره.. وكأنه يصقل المرايا بالقدر الذي يتيح لنا معرفة عالمنا بصورة مغايرة.. لم نتعوّدها.. أعتقد أن أي كاتب أصيل عليه أولاً أن يتفهّم هذه المعادلة.. ويقترب من لدنها.. ويتعلّم طقوسها ومراسمها وعاداتها وتقاليدها.. حتى يتمكن من امتلاك المفاتيح الكفيلة أولاً وقبل كل شيء بفك مغاليق سيمياء المحيط. وقد أدرك (أحمد يوسف عقيلة) هذا الشرط جيداً.. فنجح في الوصول مبكراً إلى مخابئ الكنز.. أي منذ مجموعته القصصية الأولى كان على دراية تامة بما يفعل.. لهذا تفوّق في رحلة سرده على مجانية المتاه.. ليضفر بصيده دونما حاجة للغو.. فبأقل الكلمات تعقيداً وأبلغها اختزالاً وتكثيفاً وتبسّطاً.. استطاع هذا الحاوي أنسنة غابة الجبل الأخضر.. وترويض وحوشها لتتضافر جميعها في صناعة جملة سردية بالغة المعنى.. حيث لا يسع الخيال وحده أن يكون إبداعاً ما لم ترضخ اللغة لمشيئة رؤاه.. هذا تحديداً الشقّ الأهم في كاريزما هذا الفحل.. زوج الغابة.. ومروّض الفتنة.. وهاتك السرّ.. وسائس المعنى.. لأنك عندما تريد أن تصنع أدباً ليس بالضرورة أن تكون لغوياً.. بل عابداً خاشعاً للغة.. وعاشقاً متيماً يحدس حلم حبيبته.. ويسبر أغوارها.

لهذا لا يسع القراءة إزاء قصص (أحمد يوسف عقيلة) إلا أن تستسلم لطغيان الخيال الباذخ.. ولاسيما في (الخيول البيض) حيث يبرهن هذا الجبليّ البارع على مقدرة فذة في إيقاظ الأشياء وبث الروح في الكائنات التي شبعت موتاً.. صياد ماهر وقنّاص دُربة للانقضاض على كائنات ومخلوقات بيئته الجبلية.. بل يعد الأبلغ دراية.. والأوفر خزيناً وخبرة وتجربة بما ينطوي عليه المكان من معارف وأشياء وأسماء.. كذلك ما تدخره ذاكرته من كنوز ووقائع وأحداث.. مما جعل قصصه مدونة ثرية.. ومعجماً حافلاً بكل المخلوقات المكابدة والجسورة.. بل والمتشبثة هي الأخرى بحياة عليها أن تستمر على الرغم من غوائل الغاب.. وتقلبات الطبيعة.. وشحّ المواقيت الخائنة.. من حيوانات وحشرات وطيور بلدته الجبلية الصغيرة المتاخمة لوادي الكوف.. (ماميللى) التي سُميت (عمر المختار).. تظل محظوظة جداً بهذا العرّاف الذي استطاع أن يحشد كل أساطير وخرافات ومأثورات الحكمة التي توارثتها المنطقة.. لتأتي قصصه من جهة أخرى بمثابة موسوعة للأمثال والحكم الشعبية.. بهكذا سرد قد استطاع.. وباقتدار.. أن يلامس مناطق شديدة التنوع والحساسية والتطلّب.. لذا تعدّ قراءته ضرورة ملحة.. ومجدية.. ليس لمعرفة المكان وحسب.. بل لإشباع ذلك الشغف الذي يظل دائماً في حاجة لمثل هكذا كتابة تتضافر في خلقها العديد من الروافد الفنية.. لشحن الوجدان بطاقة روحية.. تتوفر على فيض من التدفق والخصوبة.. يتاح عبرها السفر إلى مجاهل لم تكتشَف بعد.. فعبر خصائص السرد التي تتوفر على جملة من التراكيب الأسلوبية.. تشي بمعرفة طموحة.. ومثابرة شديدة الإخلاص للكتابة.. هي بامتياز كتابة تدل عليه هو وحده (أحمد يوسف عقيلة) كقاص شديد الندرة من حيث تفانيه إلى حد الفناء في خدمة نصوصه.. يكرس كل ما يمكن أن يجعل هذا النوع السردي على علاقة وطيدة التماس بحساسية العصر وذائقته من جهة.. ومن جهة أخرى لأنه الأبلغ تعبيراً عن الهوية.. فقصته تعد لصيقة إلى حد الانصهار ببيئتها.. إضافة إلى خاصية اللغة المستخدمة.. حيث يبرع القاص في استخدام المفردات الذكية التي تليق بسارد حاذق يعرف ماذا يريد.. من دون أن يهمل استدراج الألفاظ المستعملة في المحكيّة.. أسماء الأشياء والأمكنة والشخوص.. بحيث يستأنس الأسماء المحلية ليسبغ على قصصه درجة عالية من المصداقية.. كما نجده أيضاً يوائم بين الأرض والسماء.. لتتجاور مفارقات اليومي والمعيشي مع الميتافيزيقي.. ضمن أنساق درامية تنطوي على حمولات شعرية.. متقاطعاً في يسر وبداهة مع واقعية سحرية.. مكتظة بكل ما هو غرائبي وعجائبي ومدهش.. لهذا أعترف كقارئ يدّعي الإنصاف في احترام الأصيل والجديد والمختلف.. بأنني حيال سرد (أحمد يوسف عقيلة) أجد متعة عالية كلّما استعدت قراءة كائناته التي تهبني قدراً من البهجة والطمأنينة والتأمل.. لهذا قد احتل هذا الساحر موقعاً مرموقاً في مكتبتي.. ليصطف جنباً إلى جنب بين أفراد عائلتي الأثيرة.. أي في مصاف النخبة الذين أحرص على مسامرتهم بين الحين والآخر.. حيث حرصت أن يكون كتاب (الخيول البيض) قريباً من: مرآة الحبر لبورخيس. والخيميائي لباولو كويلهو.. والمجوس لإبراهيم الكوني.. ولا ريب في أن يحوز هذه المرتبة.. وذلك بفضل ملَكته الآسرة.. والتي بقدر ما أعلنت عن نفسها في ما أنتجه حتى الآن من قصص قصيرة.. إلا أنني أحدس بأن المنتظر سيكون مفاجأة لتاريخ الأدب.. لأن (عقيلة) في ما عبّر عنه سابقاً لا يعدو عن كونه محض مقدمة لكتابة أدب عظيم.

قرأت هذا الجبلي منذ الربع الأخير من عشرية تسعينيات القرن الماضي.. وقد تأجل رأيي بصدد كتابته كل هذه الفترة.. ربما لأسباب تتعلق بكتابته نفسها التي لا تقول كل شيء دفعة واحدة.. فهي تستدرجك إلى قراءات لا تنتهي.. فلكل قراءة لذاذتها ومتعتها واكتشافها وتأويلها.. وربما لأنه يثابر بفيض عارم من الوفاء منقطع النظير.. يهبه القدرة على السفر المتواصل في مجاهل القَصّ.. بروح الرحّالة والمغامر والبحّاثة والمكتشف الأثري.. بغية تهيئتنا.. وعلى نحو دائم للتنقل معه.. من عوالم مدهشة إلى أخرى أشد دهشة.. وأبلغ أثراً.. وأكثر سحراً.

في (الخيول البيض) لكَم يبدو العالم بكراً وطازجاً وبريئاً.. حين نلامس لأول مرة الضفاف التي لم تطأها مخيلة بعد.. نحن هنا إذ نكتشف المكان.. إنما نكتشف أنفسنا.. لأن الحقيقة والمجاز يؤكدان دونما تلكؤ بأن الكتابة الأكثر تغلغلاً وبقاءً هي تلك التي تنقّب داخل أحلامنا.. وهذا ما فعله هذا الجبليّ.. إنه ببساطة.. حاول أن يشاطرنا رؤاه دونما خجل.. لنكتشف بأننا جميعاً من سلالة الأحلام ذاتها.. وأن ما يشذّ في هذا الحيز أو ذاك من السرد.. إنما لأننا قد جُبلنا أحياناً على الاستئناس بعثرات المخيّلة.. لذا نشعر غالباً بضرورة الإصغاء كلّما تربّع حَكّاء في مثل إعجاز مخيّلته على سُدّة الحكاية.. وهم قِلّة في زمن أمست فيه الحكاية تأخذ لها أشكالاً ممسوخة.. تفقدها غالبا لذة السفر.

____________

صدرت طبعتها الأولى عن الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان بليبيا1999.. وطبعتها الثانية عن دار الحوار بسوريا2010.. وطبعتها الفرنسية2005.

هناك تعليق واحد: