12 فبراير، 2010

يافطات

( ش )
... (أمّ العزّ) في الرابعة الابتدائية.. في هذا العام تشعر بابتهاجٍ خاصّ.. فالسنة الرابعة هي آحر سنة لاستعمال قلم الرصاص.. في الخامسة سيتسنَّى لها أن تكتب بقلم الحبر.. وهو أمر يدعو إلى التباهي.. وأكثر من ذلك سيكون لحظةً مناسبة لتُعيّر بنات سنة رابعة بأنّهن لازلن يكتبْن بقلم الرصاص.. مازلن يَمصصن أصابعهن.. مُجرد (فَرْخات يغطّيهن الزّغب.. مازال عليهن ريش الحرام).. وقد أضمرت قراراً.. وهو شراء قلم حبر والتدرب على الكتابة به طيلة العطلة الصيفيّة.
( ع )
... في آخر اليوم الدراسي يوزّع المعلِّم واجبات اليوم التالي.. ويقرّر ـ على غير العادة ـ ألاّ يكون الواجب تقليديًّا.. كحَلّ مسائل الحساب.. أو كتابة الصفحة عشر مرّات.. بل كَلّف كل طالب أو مجموعة طُلاّب بواجب مختلف بعيداً عن الكُتُب.. فطلب من بعضهم أن يُحصوا دكاكين القرية.. أو المنازل المسقوفة بالصفيح.. أو المنازل الإسمنتية.. وكلّف أمّ العزّ بنقل نصوص اليافطات.
ــ ما هي اليافطات يا أستاذ؟
ــ اليافطات هي اللافتات!
تظلّ عيناها متعلّقتين بشفتَيّ المعلّم.. يضطرّ للشرح:
ــ اليافطة كلام يُكتَب على لوحة معدنية أو خشبية أو على الجدران ويحمل شِعاراً ما.
تَهزّ أمّ العزّ رأسها إلى الأمام وإلى الخلف.
( ا )
... في العَشيّة تتأبّط كراسةً وقلماً.. تجوب القرية.. تُمَشِّط الشوارع.. تنتبه إلى كل شيء.. فلا يجب أن يغلبها الآخرون.. تجعل مفترقات المداخل ضمن نطاق بَحثها.. فمفترقات الطرُق مكان مناسب لليافطات.. وفي المساء.. قُبيل الغروب.. تعود وقد سَوّدت عِدّة صفحات.. تحتضن كُرَاستها.. وهي تُدرك أنّها قد جَمعت ما يُبيّض الوجه.. تلتفت إلى الغروب وتستغرب بطء الشمس!
( ر )
... تُراقب مقبض باب الفصل بتلهُّف.. يدور المقبض.. ينفرج الباب.. يُحدِث صريراً حادًّا.. يبدو لها صرير الباب في ذلك الصباح مُحبّباً.. تحمل كُرّاستها.. تضعها مفتوحةً باتّجاه المعلِّم بكثيرٍ من الزّهو.
( ا )
... تُراقب وجه مُعلّمها.. يبتسم فتتجهّم.. هل يسخر؟ يطلب منها قراءة واجبها.. تُدير رأسها في كل أنحاء الفصل لترى ما إذا كانوا يُنصتون.. ثُمّ تقرأ بتمهُّل:
ــ مَن تحزّب خان.
ــ أمامك مطَبّات.
ــ لا ثوري خارج اللجان الثورية.
ــ على اليمين منعطف خَطِر.
ــ م + س = ح.
ــ فلتُقطع الأيدي والألسن قبل الرِّقاب.
ــ عاش الأهلي.
تنتهي.. تشبك أصابعها منتظرة.
ــ أحسنتِ يا عِزّ.. لكن بعض ما كتبتِه ليس يافطات.. اليافطة شيء يُعلَّق في مكان بارز لِيَراه الجميع.. وهو إعلان عن شيء ما له أهميّة.. شِعار أو سِلعة.
تحاول أمّ العزّ تطبيق ذلك التعريف على أشياء تعرفها.. يقفز إلى ذهنها في تلك اللحظة عِقد أمّها الذهبِي البَرّاق.
( ت )
... في المساء تلعب في طرف الغابة المحاذية للقرية.. يَمرّ بالقرب منها قطيع ماعز.. تسمع رنيناً داخل القطيع.. تقترب.. يبهرها التيس بِهيأته المهيبة.. والجرس المتدلّي من رقبته.. يرنّ على وقع خُطاه.
تُفَكِّر أمّ العز: الجرس معلّق في مكان بارز.. يسمعه ويراه الجميع.. وهو لاشكّ إعلان عن شيءٍ ما.. تقرّر أن تذهب إلى المعلّم حالاً في بيته لتسأله: هل الجرس المعلَّق في رقبة التيس يافطة؟ لكنّها تُحْجِم في اللحظة الأخيرة.. كيف يُمكنها أن تُخبر مُعلّمها بذلك وهي لا تعرف مُرادفاً لكلمة (تَيس)؟!
***
(2008)

هناك 5 تعليقات:

  1. قصة رقيقة وحلوة بمرارة فيها تلاعب لفظي وتلميحات اقرب الى السخرية المبطنة
    قلم متميز
    ل

    ردحذف
  2. ( تلتفت إلى الغروب وتستغرب بطء الشمس ... )
    ( يبدو لها صرير الباب في ذلك اليوم محببا .... )
    ( يقفز إلى ذهنها في تلك اللحظة عقد أمها الذهبي ..)
    ( كيف يمكنها أن تخبر معلمها بذلك وهي لا تعرف مرادفا لكلمة تيس ؟! .. )
    كل سطر يعبر عن حالة ، عند قراءتي للقصة وجدتني وكأني أمسك برأس أم العز الصغير ،، أحاول أن أنظر في عينيها لقراءة تفاصيل القصة الدقيقة ومدلولاتها العميقة ...
    كنت من الشغوفين بقصص نجيب محفوظ ، تشدني تفاصيله السردية .. لكن كنت أتضايق من الوصف المسهب والمباشرة في فعل الحكاية ، الآن بت أعرف معنى قراءة ما بين السطور واستنباط المعاني ، ما في الخروبة ليس قصصا ولا مؤلفات ، إنه عالم من الموجودات والمحسوسات عوض أن تسجل احداثه كاميرا فنان متمكن ، سجله قلم لمصور ورسام ونحات متفرد هو أحمد عقيلة ...
    صرت أخاف على نفسي من إدمان ولوج خروبتك أيها الرائع ...
    قلي بالله عليك ، أأنت بشر يمشي على رجلين ؟!!

    ردحذف
  3. لقد نسيت أم العز أن تنقل لاستاذها هذه اليافطة؛"دوران العروبة"..

    ردحذف
  4. عندما كنت صغير كانت أمي تطلب مني جلب بعض يافطات القمشية التي كانت تنتشر في كل مكان من مدينتا أيام الاحتفالات, حيث كانت أمي تستخدمها في مسح الصحون وفي مسك براد الشاهي الساخن, واعتقدت حينها أن هذا هو العرض الوحيد من تعليقها.

    ردحذف
  5. سالم الكواش14 فبراير 2010 4:19 ص

    أخي أحمد..
    أتصور أن الحياء الفطري منع الصغيرة من إكمال واجبها..ولعمرك أنه حياء مستحسن رغم أنه يُضيع كثيرا من الأشياء الجميلة..دمت مبدعا.

    ردحذف