05 مايو، 2009

الذاكرة والرائحة

حتى الآن ـ وبعد خمسين عاماً تقريباً ـ يُمكنني أن أتذكّر الأشياء في طفولتِي بالرائحة.. فلماذا الرائحة بالذات؟
حين أشمّ رائحة الشيح أتذكّر حادثة قبل أن أدخل المدرسة.. حيث وضع راعي أغنامنا ـ وهو من أولاد علي ـ الشيح في الشاي.. ونحن ليس من عادتنا أن نفعل ذلك.. بل نضع الزعتر والحندقوقة وأعشاباً أخرى.. حادثة بسيطة وعابرة.. لكنّ ذهنِي يستدعيها بِمجرّد أن أشمّ الشيح.
حين أشمّ رائحة الخروب أتذكر انّنِي وقعت من شجرة خروب تنمو في بئْر خربة.. ارتقيت الشجرة من أجل قرون الخروب.. انقصف غصن الخروبة فسقطت.. ثُم سقطت مرّة أخرى في البئر الخربة.. فقدتُ وعيي.. ولَم أفق إلاّ في البيت وهم يسقونني عسلاً.
حين ينزل المطر لأوّل مرّة في الخريف.. وأشمّ رائحة الثرَى.. أتذكر أنّ السيل اجتاح بيتنا ذات ليلة.. هربنا في آخر لحظة إلى مكان مرتفع.. وأخذ السيل بعض أغنامنا.
يُمكنني أن أسرد عشرات الحوادث المتعلّقة بالرائحة.. فكل شيء كانت له رائحة.. وكانت حاسة الشّم قويّة.. حيث إننا لَم نتلوّث بعد.
نقول في تعابيرنا: (يا خالتِي عليك بَنّة أمّي).. وحين نذم شخصاً نقول: (لا بَنّة لا صَنّة).. فمن لا رائحة له مشكوك في وجوده أصلاً.. وفي عالَم الحيوان تلعب الرائحة دوراً فاعلاً في تحديد الشريك أو العدو.. فالرائحة جزء من الهويّة.. إنّها (الكود).. وجواز المرور في كثير من الأحيان.
حين تنفر النعجة ولَدها.. أو يريدون منها أن تُرضع خروفاً آخر مع ولدها.. يقومون بتغيير الرائحة.. بأن يرشّوا عليهما ملحاً مذاباً في الماء حتى تتوحّد رائحتهما.. وإلاّ فمن المستحيل أن تتقبل النعجة الأم رائحةً غير رائحة ولدها.
(الشَّمّ هو حاسة الذاكرة) كما يقول مارسيل بروست.. ويعقوب ـ عليه السلام ـ قال: (إنّي لأجد ريح يوسف).. لا يزال يحتفظ برائحة ابنه بعد غياب أربعين عاماً!
***

هناك 6 تعليقات:

  1. مرحباً

    هناك بعض الدراسات تثبت أن المرأة تستطيع معرفة زوجها-أكان مريضاً أم سليماً- من خلال رائحة مائه !
    إذاً, هذا الكود لا يقتصر- فقط -على عالم الحيوان,و من المؤكد أيضاً أن للإنسان رائحة خاصة كالبصمة تماماً .. لا توجد عند غيره , و هنا أنا لا أقصد الرائحة التي يفرزها الجسم, بل هي رائحة الجسد الخاصة .
    بالنسبة لي أعتقد أن السمع هو مفتاح الذاكرة لدي,لا أدري, كلما سمعتُ لحناً ما أو أغتية ما .. أشعر بأنني أنتقلت إلى تلك اللحظة التي سمعتها فيهاأول مرة.. مثلاً عندما أسمع أغنية"هبّت علينا أنسامها الحرية" أشعر و كأنني محشور في زجاجة ضيقة مغلقة "بالفلين" !
    لا أدري .. رغم أنني لا أتذكر هذا المكان و لكنني أشعر به !
    أحييك جداً على طرحك .. لابد أنه جميل ,طالما أستفزنا لنكتب.

    مع المحبة

    ردحذف
  2. السلام عليكم
    مش عارف لو كانت الذاكرة الروائح بشئ الجيد او السئ . لانها تأسرني كثير و اشعر بها كثيرنا و لا يكاد اي شئ يمر بحياتي يخلو منها و بجانبها السعيده و المؤلم . و مثلا ذاكرتي مع رائحة الريح اجمل و اصعبهن:
    رائحة نسيم الريح الذي يذكرني بمكان سكنته فيه مع من هم احباب قلبي و لكن للاسف الان هم غادر هذا الدنيا و اصبحوا تحت الارض و الباقي منهم كون حياة جديده. و بعد الاحيان اشعر بان الريح تجلب لي رائح بعض الناس و كانهم بجواري
    و كذلك رائحة عطوري لديها معي ذاكرة وروائح الطعام في وقت العصر تذكرني بشهر رمضان و الفحم بالعيد و رائحة الشاي الاخضر بنعناع او البردقوش يذكرني بإشياء تذكرني بلمه اهلي امي و رائحة الطين الممبلل يذكرني بذلك المكان و كذلك الرحلات المدرسية و و و
    بس اهم شئ اني نحس بيهن ان العالمي و ناسي لايزالون مع و انا معهم و ان كنت قريبه او بعيده منه
    و شكرا لك لانك جعلتني اتذكر أشياء افرحتني و …
    تحياتي

    ردحذف
  3. صالح المبروك5 مايو 2009 9:04 ص

    أحمد يوسف لا يكاد يغادر القصة، وإذا غادرها فعلى استحياء، ربما يخشى أن يبتعد عن القصة فلا يستطيع العودة إليها، هذا الموضوع طويل، كان من المفروض أن يستقصيه أحمد يوسف، لكنني أحس أنه مبتور، ربما لتأثر أحمد يوسف بكتابة القصة، فالاختزال اصبح ملكة من ملكاته، على كل حال هذا ليس لوماً، فقد وصلت الفكرة رغم قصر الموضوع. وشكرا لعقيلة.

    ردحذف
  4. رائحة الأبن لا تنسى ياعزيزي أحمد
    تحياتي من الإسكندرية
    جمعة عبدالعليم

    ردحذف
  5. اتمنى عليك ان تقرا رواية "العطر" لزوسكيند1 ان لم تكن قراتها! وانظر ماذا تفعل الرائحة حبن تغيب !
    انظر الرعب!
    ايتكتعت بقراءاتك واستمتعت ايضا باحد التعليقات!
    مااجمل ان تكتشف العمق مما يكتب البعض!
    سلم لي على الغابة
    ولتصحو ان عوى الذئب فالليلة انا!

    ردحذف
  6. فريحة صالح16 مايو 2009 4:09 م

    وماذا عن رائحة الوطن بعد مضي أربعون عامآ؟؟؟؟

    ردحذف