31 أكتوبر، 2009

السقف

(إلى أحمد إبراهيم سعد..
وُلِدت هذه القصة يوم مَولِده)
( س )
... أنا ـ وأعوذ بالله من كلمة أنا ـ عامل سقوف.. تعدَّت شُهرتي إلى القُرى المجاورة.. لستُ سَقّافاً للبيوت فقط.. بل للحظائر والزرائب ومراح الأغنام.. وحتى لِقنّ الدجاج.. فأنا مُتخصِّص في شيء اسمه سَقف.. الخَرساني.. القرميدي.. الصفيحي.. المُسَطَّح.. المُحَدَّب.. المُتحرِّك والثابت.. والقِباب أيضاً.. الكبيرة كقِباب المساجد.. والصغيرة كقِباب الأولياء.. بل حتى من الناحية اللغوية.. فأنا قتلتُ السَّقفَ بحثاً.. فمِن تقليبات الفعل (سَقَفَ): فَسَقَ: والفسوق لُغةً هو خروج الرُّطَبَة من غِشائها.. فالفسوق هو الخروج عن سَقْف الطاعة.. ومن التقليبات أيضاً: فَقَسَ: فالبيضة تُشكِّل السَّقْف الذي يحمي الطائر.. و(السّقَف) في اللهجة الليبية هو عُشّ الطائر الكبير.. كالعُقاب والحدَأة والغُراب.. ويبدو لي أنَّ معنى السَّقف جاء من هنا.. فهو يعني الارتفاع.. كأعشاش الطيور الكبيرة المركوزة في أعالي الشجر وحواف الأجراف الصخرية.. والسَّقِيفة هي المكان المَسقُوف الذي لا جُدران له.. لكن دعونا الآن من القاموس.
( ق )
هناك بعض السقوف تحيُّرني.. تربكني.. لا أحبُّ التعامل معها.. كسقف الوظيفة.. فأنت عندما تدخل مؤسسةً ما طالِباً وظيفة.. يقول لك المدير دون أن يلتفت إليك:
ــ السَّقف الوظيفي ما يسمحش.
فتنظر إلى فوق.. إلى السَّقف.. فتبهرك الثُّريّات.. تفتح ذراعيك على اتساعهما.. وتمضي دون أن تفهم.
... هناك سَقف آخر ألعن.. هو سَقف الإنتاج.. فهو يعلو ويهبط.. شيء لا تستطيع الإمساك به.. أو حتى لَمْسه.. وهناك سَقف للزواج أيضاً.. فأنت لا تستطيع أن تتزوج أكثر من أربع نساء.. أَعني مهما كانت فحولتك.. لكن دعونا من هذا.. واسمعوا ما حدث معي في مركز الشرطة.. فقد طلب مني السيّد رئيس المركز أن أُرَمِّم سَقف السجن.. فهو.. كما يقول.. عبارة عن بُرْج قلعة منذ العهد الإيطالي.. والإيطاليون ورثوه عن الأتراك.. والأتراك ورثوه عن الرومان.. والرومان قالوا بأنه تَرِكة من تَرِكات الإغريق.. ويُقال أيضاً بأنَّ فرسان القدِّيس يوحَنّا قد استعملوه أيضاً.. حين غزَوا بلادنا في العصور الوسطى.. فلا شكَّ أن سَقفه قد اهترأ بفعل الشتاءات الباردة والجليد.
( ف )
... كان السجن مُكتظًّا.. يسندون ظهورهم على الحِيطان المُتقشِّرة.. يضمُّون رُكَبَهم إلى صدورهم.. يتقفقفون.. وينشقون بأنوفهم.
لسعني البرد أيضاً.. رفعت رأسي.. تبدو الجدران لا نهاية لها.. ذاهبة في السماء كَطَعْنة.. تسلَّقَتْ عيناي الجُدران إلى حوافِّها العُليا.. فتبيَّن لي أنَّ السجن لم يكن له أيّ سَقف أَصلاً.
***
(2002.8.3)

25 أكتوبر، 2009

النملة

من كتاب: حكايات ضِفدَزاد
لأحمد يوسف عقيلة

بلغني أيها الملك السعيد.. أنَّ نملة كانت تسير مع فيلٍ جنباً إلى جنب فوق جسرٍ صغير.. وبدأت تتحدث:
ــ كم كانت جدتي حكيمة.. حين جعلت النبي سليمان يبتسم عندما قالت: (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ.. لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ).
نفخ الفيل بخرطومه في اتجاه النملة.. مما جعلها تطير.. وتتدحرج فوق حافة الجسر.. حتى كادت تسقط.
استعادت وضعها إلى جانبه بصعوبة.. ثُم قالت غاضبة:
ــ لَيْش؟ كان الأجدر بك أن تحافظ على الحد الأدنى من آداب الرفقة.
ــ لأنني لا أُحب الغمز واللمز.. فأنتِ لم تتحدثي عن جدَّتكِ بهذه الطريقة إلاَّ لتهزئي بي.. وكأنكِ تشيرين إلى ما فعله جدي مع (أَبْرَهَة).
ـ ليس تماماً.
ــ بل هذا ما قصدْتِه.. فأنا أعرف قرصاتك التي تشبه وخز الدبابيس.. إنَّ جدِّي كان مغلوباً على أمره.. لقد خُدِع.. لم يقولوا له بأنهم ذاهبون لهدم الكعبة.. وعندما اكتشف ذلك في آخر لحظة.. توقَّف.. ورفض أن يتقدم خطوةً واحدة.. بل إنه غيَّر وجهته تماماً.. فالرفض هو الرفض.. حتى لو كان في آخر لحظة.
ــ ما علينا.. لا تغضب.. أنت سريع التأذِّي.. تتحسس دائماً من أمورٍ لا وجود لها.
مرَّت فترة صمت.. كانت النملة تَهمُّ خلالها بالكلام مرَّة أخرى.. لكنها كانت تُحْجِم عندما تتطلَّع إلى الخرطوم المتدلِّي من السماء.. وهو ينفث الهواء هنا وهناك.. فتتطاير من أمامه الأشياء.
بعد اجتياز الجسر.. قالت النملة للفيل بكثيرٍ من الزهو:
ــ أرأيتَ كيف كان الجسر يهتزُّ تحت أقدامنا!
وأدرك ضِفْدَزاد الصباح.. فسكتت عن النقيق المُباح.

18 أكتوبر، 2009

القَبْو

( ا )
... ليلٌ خريفيٌّ طويل.. ظُلمة لزِجة.. تسيل في الشِّعاب.. وقيعان الأودية.. تتغلغل في الكهوف.. في الأجراف الغائرة.. في شقوق الصخْر.. وتحت لِحاء الشجر.
( ل )
... نقبع داخل بيوتنا.. جاعلين من قطع الأثاث متاريس خلف الأبواب.. على البلاط شمعة صغيرة تَجْهَد لطرد العتمة.. وعلى الجدران أشباحنا المرتجفة تتعرَّج في الزوايا.. قطَّتي البيضاء تتكوَّر قرب اللهب الخافت.. تتسرَّب الظلمة السائلة من الفتحة الضيقة تحت الباب.. نلمسها بحذر.. لزوجة كريهة.. مُوحِلة.. صقيعيَّة.. تنتشر في البيت رائحة الأقبِية.. والخفافيش.
( ق )
... ألواح الباب تُصدِر صريراً.. تنقصف.. تنخلع النوافذ.. تندلق الظُلمة.. نطفو.. نتحسَّس.. تقع أيدينا على أشياء عائمة.. القطَّة تجتهد لتُبقِي رأسها فوق المستنقع.. يقترب السقف.. يتجاوب البيت بضجيج خوفنا.. وزعيق الفئران الطائرة.. وخفق أجنحتها السوداء ذات الملمس القماشي البارد.
( ب )
... العتمة الرطبة.. المُتخثرة.. تزحف ببطء فوق الأجساد.. تحت الآباط.. تُخلِّف بين فرَجات الأصابع دبَقاً مُقزِّزاً.. تنْسَرِب تحت الجلد.. وداخل فضاءات الروح.. تسدُّ المنافذ والكُوَى.
( و )
... نهض الديكُ مُتلفِّعاً بالظلمة.. مدَّ قامته.. نفض جناحيه.. فامتدت الخيوط السوداء اللزجة من أطراف الريش.. ثُمَّ صاح صيحةً مخنوقةً.. فصيحةً مبحوحة.. فثالثة صادِحة.. طويلة.. أفرغ فيها كلَّ أنفاسه.. فطلع الفجر!
تلاشى اصطفاقُ الأجنحة السوداء تحت سماءٍ غامقة الزرقة.. وعلى العتبة المُشمِسة قِطَّةٌ تُنظِّف نفسَها.
***
(2001)

12 أكتوبر، 2009

جَدَلُ المكانِ والذاكرة عند القاص: أحمد يوسف عقيلة

بقلم الشاعر: سالم العوكلي.
يقول فولكنر: (لقد أصبحت كاتباً عندما اكتشفت أنني أستطيع أن أكتب عن قريتي من دون توقف.. وحتى نهاية حياتي).
إنها لحظة اكتشاف القدرة على الإيغال في التفاصيل.. وتعميق اللحظة.. وكشف آليات التعامل الإبداعي مع حيِّز مكاني وثقافي محدَّد في وجدان المبدع.. واستبطانه وقراءته عمودياً.. ليصبح عالماً خصباً للكتابة.. وأيضاً العودة المتسائلة ـ وبوعي ـ إلى الذات المتعدية في أقصى درجات تشابكها مع البيئة.. وحوارها مع الآخرين.. والتسلل إلى التاريخ الكلِّي من خلال تأريخ الذات في محيطها.. لتشكِّل إضافةً مميَّزة إلى الإبداع الإنساني.. الذي لا يعترف إلاَّ بمدى التعامل الجمالي والواعي مع شعرية التجارب الإنسانية الحية.. في ذروة تَوقها إلى التحقق ضمن أسئلة الوجود والصيرورة.. وهاجس الحرية الذي لا يخفت.
وهذا بالضبط ما يحاول أن يفعله القاص (أحمد يوسف عقيلة).. الذي ظهر صوته في عالم القصة في ليبيا مع بداية التسعينيات.. واستطاع في فترة وجيزة أن يُرسِّخ أقدامه.. وأن يتميَّز إلى حدٍّ كبير في هذا المنحى الإبداعي.
أحمد يوسف.. للوهلة الأولى يلفت نظرك هيامه اللامحدود بالحكاية.. وذاكرته الشعبية المستمَدَّة من حياة المنطقة ـ فكل الأحاديث تتحول عنده إلى مجموعة من الحكايات ـ اختار هذه الأداة الفنية ليحاول من خلالها إعادة ابتكار تاريخ الذات في تقاطعه مع جغرافيا المكان.. لم يحاول النشر حتى أحسَّ أنه أصبح يملك أدواته.. وهو رغم قراءاته الكثيرة للقصة العربية والعالمية.. إلاَّ أنه لم يمتثل إلى نمطية الأحداث الجاهزة.. أو اللغة المُنجَزة.. ولم يقع في مأزق تغريب المكان أو استيراده.. ولكنه عاد بنهم سردي إلى قريته (عمر المختار) التي تقبع وسط أحراش الجبل الأخضر.. ليغوص في طبيعة هذا المكان.. والذي مازال خاماً في القصة الليبية.. مُستلهِماً ما يحفل به من أساطير وحكايا شعبية.. مُعتمِداً على ذاكرة خصبة.. وعين قلقة تقتنص التفاصيل وما وراءها.. إنه يعود إلى الطبيعة.. وإلى الذات المُبدعة.. ولكن لا ليهرب إليها.. أو يلوذ بها كما فعل الرومانسيون.. لكنه يعود لاكتشافها.. وتفجيرها من جديد.. وليقدِّم الإنسان جديداً في علاقته مع البيئة.. وتفاصيل الأرض.. والكائنات.
وإذا كان بطل أعمال (إبراهيم الكوني) هي الشمس جلاّد الصحراء.. التي دائماً تظهر في كبد السماء لتُعرِّي.. أو لتُنضج.. أو لتحرق.. فإن (الظِّلال) عند أحمد يوسف هي البطل.. ظِلال الغابة.. ظِلال الغيوم.. ظلال الطيور المُترنِّحة.. ظِلال الأنثى.. وظِلال المعنى.. وهذا ما يُكسِب مفرداته المُنتقاة بعناية ظِلالها أيضاً.. كما للزمن داخل النص ظِلاله.. وللسياقات وللأحداث ظِلالها التي تجعلها في حالة اشتباك دائم مع مكوِّنات المكان.. وبعث الشخوص عبر نمو درامي طبيعي.. لا يُشوِّهه تدخل الكاتب.. أو نثر الأفكار.
الحيوانات عنده لازمة درامية.. وحاضرة بقوة.. ولكن دون أن تُحيلنا إلى ما يسمى بـ(أدب الحيوانات).. حيث كان استنطاقها مُحمَّلاً برموز واسقاطات معينة.. فتأتي مُلقَّنة بأفكار ما.. يحاول الكاتب أن يجعلها أقنعة لصوته تجاه إشكاليات الواقع المليء بالمحاذير.. بينما هنا تأتي كما رصدتْها عين الكاتب ووجدانه.. حياةً توازي حياة الإنسان.. وتتقاطع معها.. ليُمكنك من خلالها أن ترصد إيقاع الطبيعة وصراعاتها.. وأن ترصد الخوف والجنس والسلطة في تَمثُّلها البيولوجي على الأرض.. فالحيوانات هنا تَقُوْل لا تُقَوَّل.. وتخلق الحدث لا يخلقها.. وتجعلنا نُصغي إلى ما في داخلنا.. إنه يتكبَّد ـ حقيقةً ـ اكتشاف المكان.. ويتكبَّد أيضاً اكتشافنا.
تتلاحق عنده الصوَر والتفاصيل الوصفية بشكلٍ تعتقد في البداية أنه يُبعدك عن الخط الدرامي للقصة.. ولكنك تكتشف في النهاية أنَّ هذا التأثيث الدائم لقصصه ـ بقدر ما يعكس ذاتاً وَلِعةً باستكناه جماليات المكان ـ فإنه ضرورة لخلق مناخ الشخصية.. ومناخ الحدث.. حيث لا يمكن فصل الرؤيا عن الرؤية.. ولا الإمكان عن المكان.. ولا السؤال عن التأمل.. ولا الحدث عن تجليات الصراع المختلفة.. ولا اللذة عن جموح المُخيِّلة.
ومن خلال هذا النسيج المتشابك مثل غابات الجبل الأخضر.. والمتعرِّج مثل طرقاته.. والملوَّن مثل بيوته البدائية.. يطرح القاص إشكالياته المختلفة.. التي تنبع فنياً من آليات الصراع بمستوياته في هذا المكان.
ثَمَّة سخرية مُرَّة.. وتَهكُّم لاذع على السلطات المختلفة.. التي مازال يرزح تحتها مجتمع قريته.. أو كما يقول غالباً (قريتنا).. أو كما يُفترَض قرية الكَون.
الجنس عنده مكبوت اجتماعي.. يتجلَّى في سلوكيات مراوِغة.. ومنطقة ساخنة يلامسها بحذر.. حيث الغريزة مسؤولة عن الخطيئة.. عن الخوف.. وعن الإبداع أحياناً.. والأنثى عنده مازالت تُكفِّر عن خطيئتها الأولى.. وفي الوقت نفسه مازال جسدها دعاءاً مفتوحاً لمغفرة مؤجَّلة!
إنه لا يكتب القصة ليقول رأياً.. بل يكتبها لأنه يحب ذلك وينتشي به.. ولأنَّ التمرُّس بالكتابة يساوي التمرُّس بالحياة.. فإنه يقدم تاريخـاً شخصياً لذاتٍ ومحيط.. وعبر لغةٍ مُحكَمة ومُكثَّفة.. وتقنيات سردية متنوعة.. وعلينا أن لا ننتظر في النهاية الموعظة ولا الفكرة.. علينا أن نفتِّش عن أنفسنا.. وعن وجوهنا الأخرى بين التفاصيل.. حيث الإنسان بقدر ما يُقدَّم محلياً في خصوصية المكان.. يسمو حضوره فنياً إلى أزمته الكونية.. والتي تطرحها عين فنّان.. تقتنص في مكانٍ ما من هذا العالم ما يعتري هذا الإنسان من نوازع تُحدِّد ماهيَّة علاقاته مع المحيط.. وغرائز تُعرِّي المتوحش فيه.. فتجعله موضع اتهام.. وموضع تساؤل في الوقت نفسه.
قد نتفق في النهاية على أن قصص أحمد يوسف لا تخرج عن إطار التقنيات التقليدية للسرد.. بمعنى أنه لا يُجرِّب أشكالاً جديدة.. ولكنه يختار ـ وبوعي ـ هذا الشكل المُستلهَم من فنيات السرد لدى الشخصية الليبية البسيطة.. المُغرَمة بالحكاية.. والتي تُشكِّل أهم روافد ثقافتها الشفاهية.. ليطرح إشكاليات معاصرة.. وليستنطق مكاناً وعلاقات جديدة.. مازالت بكراً في عالم القصة في ليبيا على الأقل.. فنراه مُسبِراً مثابراً.. يغوص في طبقات ذاكرة جماعية.. مازالت تُسهم في تكوين بنية عقل يُعيد إنتاجها.. حيث التماهي بين الذاكرة والتلقي.. بين المادة والكتابة.. تُفضي عند الكاتب إلى جدلية الأسطورة والواقع.. بين إضفاء طابع أسطوري على مادة الحدث وإعمال الأسطورة كحدث فاعل في الواقع.. نراه أيضاً نبي اللغات المُبهَمة.. ولسان المخلوقات الصامتة وضميرها.
سردياته تهجس بطاقات إيحائية.. تنطوي عليها الكائنات والموجودات.. يُجابه ـ وبحس فطري ـ تلوث الأمكنة.. ويُرافع عن براءة المكوّنات.. نرى المكان فيه.. ونراه في المكان.. بعيني طفلٍ يسير على أصابع قدميه عبر غابة الأسئلة الصعبة.. يتعقَّب عصفور الجنة المُراوِغ.. الذي كلما اقترب منه.. طار مسافةً أخرى.
(2002)
***

08 أكتوبر، 2009

حَبْلُ الغَسِيْل

1
... الأرملة تنشر غسيلها.. الفساتين السوداء تنثني فوق الحبل.. يتصاعد منها البخار الحار.. الجوارب مصلوبة بين حوافّ المساسيك.
2
... الأرملة تنفض يديها المبتلّتين.. تَمسحهما في خصرها.. تُبلِّل رقبتها بِما تبقَّى من نَدَى الأصابع.. تلتفت إلى حبل الجيران.. يخفق قلبها لقميص الرجل المخطّط بالأحمر يرفرف في الريح.
3
... ينتصف ليل الأرملة.. تضطجع.. تتقلّب.. تَحتضن الوسادة.. تعصرها.. تُلَوّح بِها.. محاولةً طَرْد شبح القميص.. ومَسْح الخطوط الحمراء التي تخترق الظلمة.. ومن فوق حبل الغسيل بُهْرة القميص تطال زجاج النافذة.
4
... في آخر الليل تُغلق الباب الموارَب.. والنافذة.. تُسدل الستارة.. تطفئ المصباح.. تستلقي من جديد.. تُغمض عينيها.. ترى خطوط القميص الحمراء تتدلّى من السقف والزوايا.. تُلامس السرير.. تزحف تحت اللحاف.. تلتفّ حولها.. تتشابك.. تتغلغل.. تدغدغ.
5
... تُفيق.. تتحسّس حوافّ السرير الباردة.. تُطوّق ركبتيها بذراعيها.. ترفع عينيها إلى النافذة.. لايزال قميص الرجل المرفرف في الريح يُبدِّد العتمة.
***
(2008)

05 أكتوبر، 2009

التراب الوَطَنِي

1
ــ شمُّوا التراب الوَطنِي.
قال مُعَلِّمنا ذو المِعطف الرمادي المُجَعَّد الممضوغ.. بياقته المُتسِخة المُكرمشة.. ثم بدأ يُمَرِّر حَفنة التراب من أمام أُنوفنا.
ــ هذا التراب الوَطني.. الذي سَقاه أجدادنا بالدَّم والعَرَق والدموع.
ــ هذا تراب (بوعَمَايا) يا أستاذ!
ــ حيوان! تموت وأنت حيوان.. خسارة فيكم حصّة التاريخ في الهواء الطَّلْق.. كُلّ ما ترونه تُراب وَطني.. هذه الأشجار.. الصخور.. الرمال.. هذا هو التراب الوَطني الذي أَسقط أجدادنا مِن أجله أول طائرة في حرب.. ومن أجله أيضاً احتملوا التشريد في مَنافي الطليان.. والمقابر الجماعية.. والزَّجّ في المُعتقلات.. هل تعرفون معنى (الزَّجّ)؟
تبادلنا النظرات.. وفي لحظة واحدة ذهبَتْ أَذهاننا إلى المعنى نفسه.. أَطْرَقنا.. تظاهرْنا بتأمل (التراب الوَطني).. ونحن نسترق النظرات من تحت.
ــ شياطين! كلمة (الزَّجّ) لا تحمل أيّ معنىً بذيء.. إنها تعني فقط (الإدخال عُنْوَة)!
بدَأْنا نخنق الضحك.. أحسَّ مُعلِّمنا بالحرج.. قرَعنا بالعصا على رؤوسنا.. ثم تنحنح.. وقال:
ــ التراب الوَطني طاهر.. مُقدَّس.. والتفريط في حَبَّة واحدة منه خيانة عُظمى.. والولاء له هو أحد مقاييس المواطَنة.
أَغمض عينيه وتأَوَّه مُنتشياً وهو يستنشق التراب.. ثم شرع من جديد يُمَرِّر قبضته اليُمنى من تحت أُنوفنا مباشرة.. ضاغِطاً بيده اليُسرى فوق أَعناقنا.. صارِخاً:
ــ شمُّوا.. شمُّوا التراب الوَطني.. المقدَّس.. الطاهر.
اجتاحتنا نَوبة عُطاس.. ونحن نمسح التراب العالِق بأُنوفنا.
ــ عندكم ربع ساعة استراحة.. وبعدها كلّ واحد يحَضِّر كَم جُملة عَ التراب الوَطني.
2
... التراب الوَطني يُحاصر خُطواتنا.. يُكَبِّلها.. يخنقها.. بدأْنا نمشي بحَذَر.. على أَمشاط أقدامنا.. وداخلنا إحساس بالخطيئة.
... قبل انتهاء الاستراحة أَطْلَقْنا صرخة جماعية مُهرولين باتجاه المُعلِّم:
ــ يا أستااااااذ .. العَيّل بال عَ التراب الوَطنييييي!!
خَلَع مِعطَفَه الرَّمادي.. شَمَّر كُمَّيه.. أَسرع مُلوِّحاً بعصا الزيتون:
ــ تعال هنا يا خَراء.. أنت اللي دَنَّست التراب الوَطني؟! مدّ يَدَّك.
بعد الجلدة الأولى.. أخذ التلميذ ينفخ في كَفَّيه.. ثُمَّ ضَمَّهما تحت إبطَيه وهو يرتجف وينشق بأنفه.. وصرخ من خلال دموعه:
ــ الله غالب يا أستاذ.. كلّه تراب وَطني.. وَيْن نبُول؟!
***
(2002)
ـــــــــــــــــــ
ــ بوعَمَايا: التسمية المحلية للخلْد.. بضم الخاء وكسرها وسكون اللام كما جاء في لسان العرب.. وهو نوع من الجُرذان العمياء يعيش في أنفاق تحت الأرض.. يكثر في الجبل الأخضر بليبيا.
ــ أول طائرة سقطت في حرب أسقطها الليبيون سنة (1912) أثناء الحرب ضد الطليان.

28 سبتمبر، 2009

الْهَمْزة

1
... قال الأستاذ (أَنيس) موجهاً كلامه إلى سكرتيرته:
ــ اكتبِي صيغة إعلان عن اجتماع إدارة الشركة يوم الأربعاء القادم.
ثم تشاغل بالحديث مع ضيوفه.. وهو يتأرجح يميناً ويساراً مع الكرسي الدَّوّار.
2
... الأستاذ (ونيس) مدير شركة كبرى.. يحظى بكل لوازم المدير: مكتب ينطق بالفخامة.. سكرتيرة مصبوغة أمام جهاز حاسوب.. هاتف نقّال.. مرسيدس وصاية من ألمانيا رأساً.
غيَّر اسمه إلى (أنيس) تَمَشيِّا مع الحداثة! يرى أنَّ العبرة ليست بالشهادات العلمية.. فهي مجرد رُخَص تَمنحها الجامعات.. لذلك فهو يفتخر بأنه لم يتخرج من الجامعة.. ويقذف في وجهك (العَقّاد) دائماً كمثلٍ صارم للدلالة على عدم جدوى الشهادات.. ويحشر في أحاديثه ـ بمناسبة وبغير مناسبة ـ كلمات من قبيل: (العولمة.. الاستنساخ.. ثقب الأوزون.. سقف الإنتاج.. حَرْق المراحل.. الرعي الجائر.. البروباقاندا).
3
قالت السكرتيرة:
ــ يا أستاذ أنيس.. في كلمة (الأربعاء) الهمزة فوق الألف وإلاّ على السطر؟
يسري السؤال في جسده صاعقاً.. يقفز.. يحس في حلقه بطعم الهمزة اللاذع.. يحكُّ خلف أُذنه.. يتبدَّى له غباء سكرتيرته شيئاً لا يُطاق.. شيئاً ثقيلاً يزحم المكان.. بل يبدو أنفها طويلاً أكثر مما ينبغي.. يبتلع ريقه.. يَشْرَق.. يسعل.. يعطس.. يزحر.. يفتح النافذة.. يرى الأفق يقترب.. السماء تَهبط على الأرض.. تتحول كل الكائنات إلى همزات.. همزات طائرة.. راكضة.. زاحفة.. فيغمض عينيه.. يَصفِق النافذة.. يُطفئ المصابيح.. يُشعلها.. شيء ما يقرصه بين كتفيه.. يلصق ظهره على الجدار.. يحكّه.. يسحقه.. ها هي الهمزة تتحرك من الحلق إلى الصدر.. نازلةً ببطء كالنصل الحاد.. ينحنِي إلى الأمام واضعاً يديه على صدره.. فتنْزلق الهمزة إلى الأسفل.. تتغلغل ممزِّقةً الأحشاء.. يتسرَّب من بين فخذيه سائل دَبِق.. يتعثَّر بأحد الضيوف.. في تلك اللحظة فقط يكتشف وجودهم.. يُسدِّدون عيونهم نحوه.. أصابع السكرتيرة متوقفة على لوحة المفاتيح.. توقَّفت الساعة الحائطية.. كفَّت الكرة الأرضية عن الدوران.. يَفْزَع إلى الحَمّام.. يسمع أحد الضيوف يقول بخُبث وشماتة: (الهمزة التي قَصَمت ظهر البعير).. فيحدودب ظهره.. وتنبت له ذروة! جدران الحمّام تزحف إلى الداخل.. مصباح السقف يكاد يلامس البلاط.. يتهالك.. يَبْرك.. يصرخ بأعلى صوته.. صُراخاً أَقربَ إلى الرُّغاء:
ــ خَلِّي الاجتماع يوم الخميس!
***
(2001)

16 سبتمبر، 2009

عَنَاكِبُ الزَّوَايَا العُلْيَا

1
... تسلَّل الفجر.. شَحُب القمر.. لمعت بيوتُ العناكبِ المُثقَلةُ بالندَى.. توضَّأت زَمْزَم.. صلَّت.. أطالت الابتهال.
للابتهال في هذا الفجر معنىً خاص.. فاليوم ستقبض المعاش لتشتري ملابس وهدايا العيد لأحفادها الأيتام.
أجفلتْ.. ضمَّت يديها.. فقد خُيِّل إليها أنَّ عنكبوتاً قد تدلَّى من السّقف.
2
... احتذتْ خُفَّيها.. أخذت جَرْدَها.. طَوتْه.. كوَّمتْه فوق رأسها.. الْتقطت مكنستها.. صلبتْها فوق كتفها جاعلةً رأس المكنسة إلى الخلف.. وانطلقت إلى عملها.
الوقت لايزال باكراً.. الشوارع خالية.. تلفتت باحثةً عن أي شخص لتُلقي عليه تحية الصباح.. تريد أن تقول (صباح الخير) لكل شيء.. للضباب.. للقطط.. للكلاب.. لغربان الصباح.. حتى للذئاب في الأودية!
لم يكن يُكدِّرها في ذلك الصباح سوى شيئين.. الأوساخ المُتجمِّعة في زوايا مُزعجة تحت الأثاث.. كان ذلك يتطلَّب منها أن تجثو على ركبتيها.. وتمدّ المكنسة لتطال تلك الزوايا اللعينة.. كما كانت تزعجها عناكب الزوايا العُليا.. بل تُشكِّل لها حساسيةً خاصة.. تجعلها تُحسّ بدبيب الأرجل الرخوة في كل جسدها.. حتى بدأت أحلامها تزدحم بالعناكب.
3
... كانت تَصرُّ المعاش في شِمْلتها.. تُعدِّد الأشياء التي تنوي شراءها: (الملابس.. الهدايا.. الحلوى.. ومكنسة خشنة)!
في تلك اللحظة رفعت رأسها إلى السّقف.
4
... عادت.. تمشي بتمهُّل.. مع كل خطوة ترنُّ المفاتيح في الشمْلة.. إيقاعٌ مُحبَّب إلى نفسها.. يجعل خطواتها تنتظم.. لكنَّ ذلك كلَّه لم يكن يمنعها من التفكير في العناكب.. وقد أرعبَها أنَّ عطلة العيد ستكون أربعة أيامٍ كاملة بلياليها.. (ثمان وجْبات).. وقتٌ أكثرُ من كافٍ لتكتظَّ كلُّ الزوايا بهذه المخلوقات المُقزِّزة.
أثناء الخطوات المتوافِقة مع رنين المفاتيح.. لفت انتباهها بعض الرجال يَمدُّون أذرعهم لطرْح لافتة قماشية على واجهة أعلى مباني القرية.. أحسّت بالدبيب يسري في جسدها.. فابتعدت مُسرعة وهي تكزُّ على أسنانها.. وتشدِّد قبضتها على المكنسة الخشِنة.
***
(1995)

05 سبتمبر، 2009

الْحِرْباء

( إلى أمّ العِزّ إبراهيم سعد)
1
... ولَّى زمنُ الولائم.. منذ شهرٍ بالهلال وأنا في هذا السفح المُجدِب.. لا شيء سوى (بوبرَيص) هزيل رَخُو الأسبوع الفائت.. في الوقت الذي يزدحم فيه السفح المقابل بالجنادب الصادحة.. لماذا الأشياء الحلوة دائماً على الضفة الأخرى؟ (بورقَيْص) يحتلُّ السماء.. البومة تتربَّع فوق السد الحجري.. الأفاعي تتمدَّد تحت حوافّ الصخور المُشْرِفة على مجرى الوادي.. والثعابين الخُضْر تترصَّد وسط الزرع.. لكنني سأعبر رغم كل شيء.. ذلك الجندب الصادح يستحق المخاطرة.. مَن يملك رصيداً من الألوان.. وعينين تنظران في جميع الاتجاهات في نفس اللحظة.. فهو لا يملك حياةً واحدة.
2
... ليس هناك ما هو أسهل من التنقل فوق الأشجار.. فأنا أملك اللون الأخضر بامتياز.. بل أملك عدَّة درجاتٍ من هذا اللون.. بما يناسب البلُّوط والخَرُّوب والبَطُّوم والشمَاري.. وحتى شجيرات الدِّرْياس.. ولكن هذه شجرة قَنْدول مُزهِرة.. القَنْدول المُزهِر مُحيِّر قليلاً.. سأصبغ الظهر والرأس بالأصفر الفاقع.. وأترك البطن والأطراف بالأخضر الداكن.. ولكن كيف يُمكنني عبور حقل الصلَيْعَا؟ مِن أين لي بالأحمر الفاقع؟ لن أعبر هذا الحقل الدموي.. سأُضطرُّ إلى الالتفاف.
3
... ليتني أستطيع القفز إلى تلك الضفة.. سيكون هذا من باب (حَرْق المراحل).. لماذا تموت كل الأشياء إلاّ المسافات؟ انتظروا.. ماذا لو عبرتُ فوق هذه السلحفاة؟ لدي اللون المناسب لهذه القَصْعة.. اللعنة.. السلاحف تجعل المسافات تتناسل.. سأصل العام القادم.
4
... يبدو قويًّا هذا الجندب الشاعر.. لا يكفُّ عن الإنشاد لحظةً واحدة.. يُعذِّبني بغنائه! أنا لا أعرف من أين يحصل الشعراء على قُوتِهم.. الواحد منهم يتسلَّق غصناً.. أو يجلس فوق صخرةٍ تحت الظل.. أو حتى تحت المطر.. يتأوَّه.. يفتح ذراعيه على اتِّساعهما.. ويشرع في الإنشاد وكأنه حاز العالم بأسره.. إذا حلَّت عليك العَشيّات الشتائية.. التي تتنفَّس برداً لاسعاً ينخر العظام.. وأنت بلا عَشاء فدع القصيدةَ تنفعك.. أو اذهب إلى النملة مرتعشاً مقروراً.. متسوِّلاً.. لتطردك كعادتها ساخرة: (في وَان الحصيدة تشغلك القصيدة).. ألا تعلم أنَّ النملة تجمع القَشَّ حتى على ضوء القمر؟!
5
... أخيراً وصلتُ إلى الصخرة.. دعونا نُعاين المكانَ أولاً: صخرة رمادية.. كامدة.. مُبقَّعة بالأسود.. بالإضافة إلى ترسُّبات الكِلْس الأبيض الذي يشوبه الأصفر.. وهناك بعض النمش الأحمر.. يا إلهي لماذا تُرِيْقُ كلَّ هذه الألوان في طريقي؟ هل عليَّ أن أُغيِّر لونَ جلدي في كلِّ خطوة؟ لا بأس.. جنادب السفح المقابل تستأهل العناء.. هل أسمعُ أحداً يَعِيْبُ كثرةَ التلوُّن؟
6
... لماذا يَعْبر هذا (البورقَيْص) من فوقي مباشرة؟ هاهو يرفرف صارخاً كعادته.. أنا أعرفه جيداً.. سيظل ساكناً في السماء.. أيُّ حركة ستكون مرصودة.. حتى ظِلال الظهيرة تقلَّصت.. انزوت في الأسافل.. أُحسُّ بأَكَلانٍ في مُؤخِّر رأسي.. أيُّ عالمٍ هذا الذي نعيش فيه.. الواحد لا يستطيع حتى أن يحكَّ رأسه.. سأصل إليكَ أيها الجُندب الشاعر.. سأصل إليكَ أيها البوزنِّين ولو تلوَّنتُ بألف لون.. كم أحسد الشعراء.. فهم يواصلون الغناء رغم كلِّ شيء.. يا لَسوء الطالع.. ها أنا عالقة.. عينٌ في السماء.. إلى بورقَيْص الذي يسكن فوق الريح.. فهو يمتلك سُلطة الأجنحة.. وعينٌ في الأرض حيث الأفعى تتثنَّى في الظلّ.. تحت طبقة التراب البارد.. فهي تمتلك سُلطة السُّمّ.. الهداهد تتمتَّع بالألوان للزينة.. أو للإغواء.. أمّا أنا فإنني مُدجَّجة بالألوان للتخفِّي.. انظروا كيف تغدو الألوان نوعاً من السُّلطة.. الحجر تحت أقدامي يلذع.. هذه الظهيرة يبدو أنها لن تنتهي أبداً.. حتى الزمن قد ينتصب كُتلةً متجسِّدة تجتاحُك رغبةٌ مُلحَّة في زحزحتها.. مثل هذه الصخرة اللاذعة التي تسدّ مجرى السيل.. لم أعد أُدْرِكُ إن كانت هذه الصخرة مكاناً أو زماناً.. اسمعوا.. اسمعوا كيف تتجاوب الغابة بغناء جنادب الظهيرة!
***
(2002)

02 سبتمبر، 2009

الْخُيُول البِيْض

( خ )
... في الليالي الأربعين تتجمَّد أطرافك.. تبتعد أصابع يديك عن بعضها.. تصطكُّ أسنانك.. ترتعش شفتاك.. يَزرقُّ لونك.. ويتقلَّص جسدك! نعم.. يتقلَّص جسدك.. حتى إنك تُحسُّ بأنَّ ملابسك غدت فضفاضة بعض الشيء!
في الليالي الأربعين ـ إذا كنتَ من الذين يستيقظون في الصباحات الباكرة ـ تجد أنَّ سطوح البِرَك قد تجمَّدت.. إلى درجة أنه يُمكنك أن ترفع ذلك الغطاء الزجاجي بين يديك.
كِبار السنّ في قريتنا يتدثَّرون بعباءاتهم بالقرب من المواقد.. ويمتهنون التثاؤب.. وإذا أراد أحدهم الإشارة إلى شيءٍ ما.. أشار إليه بالشفة السُفلَى.. حتى لا يُضطرَّ إلى إخراج يده من العباءة! وبين الحين والحين يبحثون بأقدامهم في ذاكرة الرماد عن بقايا جذوة.
( ي )
... الليالي الأربعون موسم من مواسم الحكايات..
ــ يقولون إنَّ الراعي مسعود قد ذهب بقطيعه إلى الأودية.. فهذا أوان ظهور الخيول البِيض.
ــ مسكين هذا المسعود.. منذ سنوات وهو يفعل ذلك في عِزّ الشتاء دون جدوى.
ــ كم أتمنَّى أن أرى تلك الخيول.
ــ أنا أكثر قناعةً منكِ.. أنا لا أحلم سوى بجوادٍ أبيضَ واحد.
ــ يقولون إنها خيول كثيرة.. يسوقها سائس بلباسٍ أبيض.. وبيده سوط طويل تُسمَع له فرقعة.
ــ ويقولون أيضاً إنَّ مَن يرى الخيول البِيض يُحقِّق كل أمانيه.
ــ ويتزوَّج بمَن يشاء.
ــ الخيول البِيض لا يُمكن للنساء أن تراها.
شهقت الأخريات شهقةً جَماعية:
ــ لماذا؟
ــ لأنها لا تظهر إلاّ في ليلةٍ واحدةٍ من السنة.. وهي ليلة غير معروفة.. كما أنها لا تظهر إلاّ في الأودية البعيدة.. وقد تمرُّ سنوات دون أن يراها أحد.. فكيف يُمكن للنساء أن تراها؟
ــ هذا يعني أنَّ رؤيتها تكاد تكون حِكراً على الرجال.. والرُّعاة بالذات.. فهم وحدهم الذين يبيتون في الأودية.
تنهدت إحداهن:
ــ كم أتمنَّى أن يتزوَّجني أحد الرُّعاة.
ــ إذا تزوَّجكِ الراعي فلن تكوني في حاجةٍ إلى رؤية الخيول البِيض!
( و )
... أحد الأماسي الأربعينية.. كانت تُمطِر بلا صوت.. في الحنايا والسفوح تُسمَع شهقات الأرض الخافتة وهي ترتشف دفقات المطر.. وفي الأحشاء النديَّة كان الربيع ينمو خِلسة.
مسعود يُشعِل النار وهو يُطلِق صيحاتٍ غريبة.. زاجِراً القطيع.. أو مُنادياً الكلاب.. حاثّاً إياها على النُباح.. دخان الحطب المُبتلّ يتصاعد كثيفاً.. مُقاوماً زخّات المطر.. السيول تُخرخِر مُتجهةً نحو الشمال.. وتغيب في المنعطفات.. حيث الأودية تصبُّ في أودية.. غِربان المساء تتشاكس.. تتقلَّب في الهواء.. فرِحةً بالمطر.. وبالعودة إلى أوكارها.. وفي الأُفق الشرقي ترتسم النَّدْوَى قوساً زاهياً.. يتلاشَى أسفله خلف ذوائب الأشجار.
تكوَّم الراعي بالقرب من النار.. مُصغياً.. كان يُخيَّل إليه أحياناً أنه يسمع صهيلاً أو وقْعَ حوافر.. وأحياناً أخرى يُخيَّل إليه أنَّ حصاناً قد نَخَر خلف الشجرة المجاورة.. فيقوم ليستطلع الأمر.. ويُصيخ إلى سكون الليل.
( ل )
... في آخر الليل غلَبه النعاس.. فاستسلم للنوم بالقرب من الجمرات الخابية تحت الرماد الأبيض.. وقُبَيل الفجر.. حينما كان مسعود لا يزال مُستغرِقاً في النوم.. كانت الخيول البِيض تنحدِر مع الوادي.. وقد أخفت السفوح النَّديَّة وَقْعَ سنابكها.
***
(1996)

29 أغسطس، 2009

الذئب

1
... أَشعلتُ الشمعة.. وضعتُها بالقرب من الفِراش.. لأقرأ قليلاً قبل أن أنام.
اضطربت الشُّعلة.. أغلقتُ النافذة.. وتلقائياً الْتفتُّ إلى ظلِّي على الجدار.. ارتعشتُ.. لم يكن ظلِّي.. تحرَّكتُ.. لا.. إنه ظلِّي.. تحرَّك بحركتي.. لكنَّه لا يُشبهني!
رفعتُ الشمعة.. قرَّبتها من الجدار.. اختفى الظِّل.. أعدتُ الشمعة إلى مكانها.. استدرتُ قليلاً.. اقشعرَّ بدني.. كان على الجدار ذئب أسود.. يقف على قائمتيه الخلفيتين.
ابتعدتُ عن الضوء.. وقفتُ في وسط الحُجرة.. فظهر الذئب على الجدار المُقابِل.. سقطتُ على رُكبتَيّ.. فأقعَى.. أغمضتُ عينَيّ.. زحفتُ إلى الفِراش.. استلقيتُ على ظهري.. بدأتُ أفتح عينَيّ ببطء.. ذُهِلتُ.. كان لايزال هناك مُقْعِياً.
2
... نَهض.. أخذ ينتقل من جدارٍ إلى جدار.. يتعرَّج في الزوايا.. يعدو.. يلهث.. يقفز إلى الأعلى.. يَجوب السَّقف.. ينْزلق إلى الأسفل.. يقف وسط الحُجرة.
الشمعة تتضاءل.. الذئب يقترب.. الشُّعلة تخبو.. يقترب.. الشمعة تذوب.. يدنو.. يدنو.. انطفأت الشمعة.. انكمشتُ في فِراشي.. أحسستُ بمخالبه فوق كتفَيّ.. بلُهاثه يحرق وجهي.. بلُعابه الدَّبِق.. نعومة وَبَرِه.. دفء بطنه.. يلتصق بي.. يضغط.. يَدْخُلني.. يتلاشى في جسدي.. نتماهَى.. صرختُ في قلب الظُّلمة.. فتردَّدت أصداءُ صُراخي عِواءً مُتقطِّعاً.
***
(1996)

26 أغسطس، 2009

الوَصْفة الأخِيْرة

1
... في الوقت الذي كان فيه طبيب قريتنا يصف (قَطرة عيون) لمريضه الثاني في ذلك اليوم.. رغم أنَّ النهار يكاد ينتصف.. كان جَيْطُوْل يصف لزبونه العاشر (جُبَّة ثُعبان) ليمسح بها عينيه قبل أن يفتحهما في الصباح.. وقبل أن يُغمضهما في المساء.
انتظاراً للمريض الثالث ـ الذي قد لا يأتي هذا اليوم ـ وقف الطبيب في نافذة حُجرته.. وتطلَّع إلى الطابور الذي يزحف داخلاً إلى الكوخ المُستنِد على سُور المستوصف من الخارج.. المسقوف بالقرميد المُتفسِّخ.
تنهَّد بحسرة.. يشوبها الحسد.. ثم لامَ نفسه على ذلك.. إذ كيف يُمكن لطبيب أمضى سنين طويلة في دراسة الطب.. أن يحسد عجوزاً يُعالج بالبصقات.. ينشق بأنفه مِن جَرّاء البرد.. ويبول علانيةً وهو يتحدَّث! فأغلق النافذة.. وأخذ يتصفَّح أحد مَراجعه.
2
... كان جَيْطُوْل يتحدَّث مع إحدى العجائز التي تشكو ألماً في الظهر:
ــ اغمري دجاجة سوداء.. في قِدْرٍ أسود.. مملوء بمياه سبعة آبار.. ثم اقذفيها باتجاه عين الشمس.. فإن جميع الأوجاع ستطير مع طيران الدجاجة.. فقط تأكَّدي من أنَّ المياه من سبعة آبار.. هل تعرفين العدد سبعة؟ أصابع يدٍ واحدة.. مع إصبعين من اليد الأخرى.
نهض ليُدوِّن بعض الملاحظات في دفترٍ كبير.. فيما أخذ الزبائن يُجيلون النظر في أرجاء الكوخ.
في الركن تتدلَّى حُزمة من نبات الحَرْمَل.. وفي الركن المقابل تتدلَّى مسبحة كبيرة الحَبّات.. بينما يبدو السقف مُغيِّماً بأشياء كثيرة: مرارة.. راس غراب.. ذيل ثعلب.. بوسَمَّى.. حدوة حصان.. سوط.. بندير.. ويعبق المكان بروائح مختلطة: جاوي.. فاسوخ.. بوكبير.. شَبَّة.. وشَق.
دفتر جَيْطُوْل يُعدَّ مَرجعاً للوصفات الغريبة:
(الحصن الحصين.. ضد لدغات العقارب والثعابين).
(مخلوط حليب التيس والثور.. لإزالة الثآليل والدمامل والبثور)!
(مُستجلَب الرِّينش والدِّرْيَاس.. لكافة أوجاع الرأس).
وهو يحب خلط الأشياء.. ويقول إن ذلك من باب (زيادة الخير خيرين)!
وهناك وصفات من هذا النوع:
(مَنقوع لُبِّ الخيارة.. لعلاج الدوخة في السيارة).. وهي وصفة تتهافت عليها العجائز.. ولا يسافرن إلاّ بها.
أمّا وصفته التي تقول: (حساء مصارين الجربوع وألسنة الضفادع.. لكشف نوايا الزوج المخادع).. فهي من الوصفات التي لا تُقدَّر بثمن.
هناك وصفات ذات طبيعة معينة: (خُلاصة مُخّ البرغوث والقملة.. لتزوير كافة أنواع العُملة).. (مسحوق رؤوس الخفافيش.. لتسهيل المرور عَبْر نقاط التفتيش).. وهي وصفة كان من شأنها أن تؤدِّي إلى انقراض الخفافيش رغم كثرتها.
عندما اشتكى له المُهرِّبون بين ليبيا ومصر من التِّيه ليلاً في الصحراء.. وتعرُّضهم لمخلَّفات الألغام المُنتشِرة على طول الحدود.. زوَّدهم بالوصفة التالية: (مِحّ بَيض العناكب.. لإرشاد المُهرِّبين إلى كيفية الاستدلال بالكواكب).
وهو يصف أدويته بأنها (صعبة المنال.. سريعة المفعول).. ويُضيف:
ــ إنَّ هذه العقاقير لا تُعطي مفعولها إلاّ بشرط أن أبصق فيها.. السِّر كل السِّر في البصاق.. جرِّبوا إن شئتم دواءً دون أن يمتزج بلعابي.. إنَّ الله يضع سِرَّه في أشياء لا يعلمها إلاَّ هو!
جَيْطُوْل لا يعنيه كثيراً ما يحدث خارج كوخه.. إلاّ أنه يدافع عن صيدليته ضد اتهامات الطبيب:
ــ إنني لا أكتب طلاسم.. بل أشياء واضحة كوضوح الشمس.. الطبيب هو الذي يكتب الطلاسم.. حاولوا أن تعرفوا حرفاً واحداً من كلماته.. إنه يكتب من اليسار إلى اليمين.. بلغة النصارَى!
الحَقّ أنَّ خطّ جَيْطُوْل كان مَقروءاً.. إلاَّ أنَّ كلماته تبدو كطابور النمل.. لا تعرف نهاية الأولى من بداية اللاحقة.
عندما وصف ذات يوم (بَول نملة) لزبونٍ يشكو ألَماً في الرقبة.. قهقه الطبيب قائلاً:
ــ هذه أول مرَّة أسمع فيها أنَّ النملة تبول!
فردَّ جَيْطُوْل مُتحدِّياً:
ــ إنها تبول مرَّة واحدة في السنة!
3
... في ذلك الصباح.. زلَّت قدَم الطبيب على درَج المستوصف.. فسقط على ظهره.. أُغمي عليه.. بُذِلت عدّة جهود لإفاقته.. نضحوا وجهه بالماء البارد.. كسروا بصلة كبيرة بالقرب من أنفه.. وشَدُّوه من شَعره وأُذنيه.
لا يعرف الطبيب كم استغرق ذلك.. عندما أفاق وهو يشعر بحرَقانٍ شديد.. وآلامٍ حادَّة في رقبته.. وكأنه ابتلع ورقة خَرشُوف.. فأراد أن يصرخ.. لكنَّه لم يجد صوته.. وفي غَمرة آلامه الْتفت إلى يمينه.. في اللحظة التي كان فيها جَيْطُوْل مُنحنياً فوق دفتره الكبير.. وهو يُدوِّن آخر وصفاته:
(مَزيج لُعاب البُوبرَيْص والحرباء.. لعلاج إغماءات الأطباء)!
***
(1997)

24 أغسطس، 2009

الْجُعَل

من كتاب: ( حكايات ضفدزاد ) لأحمد يوسف عقيلة
بلغني أيها الملك السعيد.. أنَّ الجُعَل كان مليئاً بالنوايا الطيبة.. وهو يضع اللمسات الأخيرة على كُرَةِ الزِّبل.. دار حولها دورةً كاملة.. ثُمَّ توقَّف..
ــ لا بأس.. ولكن هناك في الأعلى يوجد نقص.. إن ذلك النقص سيُشَكِّل عائقاً أثناء الدحرجة.
شرع في سَدِّ النقص..
ــ يبدو أنني استعجلتُ بعض الشيء.. إنَّ الأشياء التي نقوم بها على عَجَل.. كثيراً ما تأتي ناقصة.
عندما أنجز عمله.. رفع قَرْنه إلى السماء.. واستغرق في صلاةٍ خرساء.
ــ والآن.. جاء العمل الأهمّ.
استدار.. وضع رجليه الأماميتين على الأرض.. رفع أرجله الخلفية حتَّى لامست كُرَة الزِّبل.. وبدأ في دحرجتها.
ــ ما أسهل الدحرجة في المُنحدَرات.. إنَّ الكُرَة تتدحرج بنفسها.. حتَّى إنني لا أكاد ألحقها.. ليت الطريق دائماً هكذا.
عَدَّل وَضْعه المنكوس.. أخذ يسير إلى الأمام.. مُحاولاً اللحاق بكُرَته التي كانت تقفز مع المُنحدَر.
... استدار مرَّةً أخرى.. وأخذ يُدحرج من جديد.
توقَّفت الكُرَة.. اصطدمت بشيءٍ صلب.. دفعها بكُلِّ قوَّته.. ولكن..
ــ يبدو أن الطريق قد سُدَّت.. سأرَى.
دار حولها ليستطلع الأمر..
ــ إنها مُجَرَّد حَيْطَة.
دفع الكُرَة بعيداً حتَّى تَجَنَّب الصخرة.. ثُمَّ واصَل الدحرجة.
توقَّفت كُرَة الزِّبل مرَّةً أخرى.. اصطدمت بشيءٍ آخر.. بدا وكأنه يسحبها في اتِّجاهه.
ــ يبدو الأمر مختلفاً هذه المرَّة.. هل هو جُعَل آخر يريد انتزاع كُرَتي؟ معه حَقّ.. وجدها جاهزة.. لستُ أنا بالذي يتخلَّى عن كُرَته لأحد.
ذهب لاستطلاع الأمر آخِذاً موقف الدفاع.
ــ هذا ما كنتُ أخشاه.. إنها الأشواك.. الصخور لا تُشَكِّل عائقاً حقيقيًّا.. يُمكنني الدَّوَران حولها.. أو حتَّى الصعود فوقها.. لكنَّ الأشواك هي أسوأ ما يُصادف كُرَة الرَّوْث.. تنغرز فيها.. لا يمكن انتزاعها إلاَّ بعد أن تترك فجوات.. تجعل الدحرجة شيئاً لا يُطاق.
ــ ... والآن.. بعد اجتياز دَغْل الأشواك.. جاءت المرحلة الأصعب من الطريق.. صحيح أنني اقتربت كثيراً.. لكنَّ صعود هذه القِمَّة ليس بالأمر الْهَيِّن.. علَيَّ الْتِقاط أنفاسي أوَّلاً.
استند إلى كُرَته.. واضِعاً أرجله في حالة استرخاء.. في تلك اللحظة مَرَّت نمْلة.. وضعت قَشَّتها.. وقالت:
ــ صباح الخير يا (بُودْرنَّة).. يا لَها من كُرَةٍ كبيرة لولا رائحتُها!
ــ انتبهي لِقَشَّتِكِ حتَّى لا تأخذها الريح.. ولا شأن لكِ بالآخرين.
ــ (امْشي يا وَكّال الزّبل)! على كل حال ليس لدي وقتٌ أُضيّعه.. وفوق ذلك فأنا لا أطيق آكلي الرَّوث.
استعاد أنفاسه.. استأنف مسيرته...
ــ إنني أقترب من القِمَّة.. أكاد أصل.. أحسُّ بالخَدَر في كُلِّ أرجلي.. لم يَعُد يفصلني عن القِمَّة سوى خطوات.. هانت.. بضع خطوات واستريح.. لا تتوقَّفي أيتها الكُرَة.. لماذا توقّفتِ.. أرجلي تكاد تَنْشَلّ.. تدحرجي.. تدحرجي.. و.. سقط الجُعَل.. مرَّت من فوقه كُرَة الزِّبْل.. وانحدرت تقفز إلى الأسفل.
ــ لا.. لا.. لا يُمكن.
ــ سأبدأ من جديد.. هذه المرَّة لن أفشل.. (إنَّ أي عمل يُنْجَز دون مُعاناة.. عملٌ مشكوكٌ فيه)
.. لن أشعر بالخَدَر.. يجب أن أُغَنِّي كي أنسى التعب.. لا.. أنفاسي لا تُسعفني.. اصعدي أيتها الكُرَة.. لم يَبْقَ إلاّ القليل.. خطوة واحدة.. واحدة فقط.. لا تتوقَّفي.. لا.. لا.
و... انحدرت كُرَة الزِّبل...
تبعها بنظَره.. حتَّى استقرَّت في القاع.
ــ لا.. لم أَعُدْ أُطيق.
عادت النملة في الاتجاه الآخر..
ــ عجيب أمرك يا (بُودْرَنَّة).
ــ أهذه أنتِ من جديد؟ تشمَتين.. أليس كذلك؟
ــ أنا لا أشمت.. لكن أمرك عجيب.
ــ لماذا؟
ــ لو كان لي جناحان كجناحَيك لمَا تعبتُ كُلَّ هذا التعب.
ــ جناحان؟! هل قلتِ جناحان؟! نعم.. إنني أملك جناحين.. لست أدري كيف نسيتُ ذلك.. اللعنة على كُرَة الرَّوث.. نعم.. أستطيع الطيران.. أستطيع.. يا ليَ من مُغَفَّل!
أفرد جناحيه.. بدأ يُحَلِّق صاعداً في دوائر...
ــ كم أنتِ صغيرة أيتها النملة.. وكم هي ضئيلة كُرَة الزِّبل.. تبدو الأشياء تصغر.. تصغر.. لن أهبط الآن.. لقد تعبتُ.. سئمتُ الدحرجة.. والانكفاء على وجهي.. شيءٌ بالغ الروعة أن نُحلِّق فوق مكان سقوطنا!
وأدرك ضِفْدَزاد الصباح.. فسكتت عن النقيق المُباح.
***
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ (إن أي عمل يُنجَز دون مُعاناة.. عمل مشكوك فيه): عبارة للكاتب الكوبي (اليخو كاربنتير) وردت في روايته: الخطوات الضائعة.

19 أغسطس، 2009

رمضان كريم

أهَلَّ الله عليكم رمضان بالخير والبركة وتمام العافية.. وأجزل لكم الأجر والثواب.

18 أغسطس، 2009

الضفدع الأخضر المائل إلى الاصفرار

1
... الضفدع الأخضر المائل إلى الاصفرار يتشمَّس على حافّة الغدير.
2
... حَمامة بَريّة تَحطّ فوق صخرة في وسط الغدير.. تشرب.
3
... الضفدع يُقارن بين أجنحة الحمامة وأرجله المعوجّة.. بين ملاسة الريش وندوب ظهره.
4
... يظهر ظِلٌّ في الماء.. تَجفل الحمامة.. تَطِيْر على ارتفاع منخفض.
5
... تنعطف الحمامة فجأة.. تلمسها رؤوس المخالب في ظهرها.. تتساقط بعض الريشات.. تسبح فوق السطح.
6
... الصقر يَجثم على الصخرة في وسط الغدير.. يُنَظِّف ريشه.
7
... الضفدع الأخضر المائل إلى الاصفرار يتأمل مُرتَجِفاً ذلك الجمال الْمُدجَّج بكل ما هو حادّ.. يتسلَّل إلى القاع.. يَحذر أن تنتقل عَدوَى ارتعاشته إلى سطح الغدير.
***
(2008)

15 أغسطس، 2009

حوار مع القاص: أحمد يوسف عقيلة

حاوره الشاعر: محمد القذافي مسعود

ـ هل استطاعت القصة في الوطن العربي تجاوز نتالي ساروت؟
= دعني أقول لك اوّلاً إنّ الكاتب العراقي (نوئيل رسام) كتب قصة قصيرة جداً بعنوان (موت فقير) سنة 1930 ثُمّ كتب قصة عنوانها (قصة قصيرة جدًّا) فسبق بذلك (ناتالي ساروت) بسنتين على الأقل.. فهي قد بدأت الكتابة عام 1932 وكتبت (انفعالات) ولم تصنّفها على أنها قصص قصيرة جدًّا.. فمصطلح (قصة قصيرة جدًّا) أوّل من أطلقه (رسام) العراقي.. لكن من يقول ذلك الآن؟ يجب أن يُنسَب الأمر إلى (ناتالي ساروت) أو (ناتاشكا) كما يُدلّلها الروس.. ودعني أنقل لك أحد انفغالات ناتالي ساروت حرفيًّا وهو انفعال9 : (كانت تجلس القرفصاء فوق ركن من المقعد، وكانت تتلوى مادة عنقها, جاحظة العينين, وكانت تقول: نعم, نعم, نعم, نعم).. فهل يُمكن تسمية هذا قصة قصيرة جدًّا.. بالطبع لا تتصوّر أنني أنتقص من ناتالي ساروت.. فهي روائية عظيمة.. كتب جان بول سارتر مقدمة لكتابها الثاني (صورة مجهول) عام 1947 ولفت إليها الأنظار.. وهي كما قلت سابقاً لم تُصنّف (انفعالات) على أنها قصص قصيرة جدًّا.. وبعد (انفعالات) كتبت الرواية والسيرة الذاتية.. ومن هنا فإنني أجد نفسي في حِلّ من الإجابة عن سؤالك حول تجاوز ناتالي ساروت.
ـ ولكن هناك من يؤكد من النقاد العرب عكس ماتجده أنت عاديًّا؟
= مع احترامي للنقاد العرب فهذا تعميم.. ربّما قرأ كاتب أو قِلّة من الكُتّاب لناتالي ساروت.. لكن الأغلبية من كُتّاب القصة لم يطّلعوا على نتاجها.. أنا اتصلت بعدة كُتّاب قصة مميّزين.. فيهم من لَم يسمع مجرّد السماع بناتالي ساروت.. ومع هذا يكتبون قصة جيّدة.. ولا أعرف لماذا هذا الإصرار من نُقّادنا على إيجاد مرجعيّة أجنبية للقصة القصيرة في الوطن العربي.. يستكثرون علينا أن نُبدع شيئاً خاصًّا بنا!
ـ من أين تراها انطلقت بعد نتالي ساروت وهل كانت لانطلاقتها خصوصية على كل المستويات؟
= أُعيدك إلى الإجابة السابقة.. كما أسلفت فإنّ معظم الكُتّاب العرب الذين كتبوا القصة القصيرة لم يقرؤا لناتالي ساروت.. وأنا شخصيًّا كتبت حتى الآن سبع مجموعات قصصية.. وهي قصص قصيرة جدًّا ـ معظمها من عدّة أسطر إلى ثلاث صفحات كحدّ أقصى ـ قبل أن أقرأ حرفاً واحداً لناتالي ساروت.. وحين وجّهتَ إليّ هذه الأسئلة اضطررت إلى الدخول لشبكة الإنترنت حتى أجد شيئاً لساروت!! فأرى أن القصة القصيرة في الوطن العربي لا علاقة لها بناتالي ساروت.. لكن في وطننا العربي يبحثون عنّا دائماً من خلال الآخرين؟
ـ كيف لم يقرؤا نتالي ساروت وهم يتحدثون عن مجد القصة من خلال ماحققته نتالي ساروت.. ولك أن تطالع عشرات المقالات على النت لكتاب ومثقفين عرب يتحدثون عن النقلة والمجد اللذين حققتهما ساروت؟
= يا مولانا ناتالي ساروت لَم تكتب شيئاً قصيراً سوى الانفعالات.. باقي كتاباتها روايات وسيرة ومحاضرات.. وهي مبدعة كبيرة وعلى رؤوسنا ككل مبدع كبير يستحق الاحترام.. ماذا تريدني ان أفعل؟ أقسم لك أنني كتبت قصصي كلها دون أن أقرأ حرفاً لناتالي ساروت!! ودعني أقول لهم بأنّ الكاتب جابرييل جارسيا ماركيز قال: (كل رواياتي خلفيّتها ألف ليلة وليلة.. قرأتها في طفولتي).. لكنّ نقّادنا يصرّون على أنّنا لا علاقة لنا بالواقعيّة السحرية.. بل هي من ابتكارات ماركيز وكُتّاب أمريكا اللاتينية! هذا نوع من الاستلاب.
ـ كيف ترى القصة قبل وبعد يوسف إدريس؟
= يوسف إدريس كان نقلة نوعية في القصة.. وعلى الرغم من أنني لم أقرأ له سوى مجموعة واحدة وهي (بيت من لحم) إلاّ أنّ قصصه أمتعتني أكثر من قصص نجيب محفوظ التي كتبها في البداية قبل أن يتّجه كُليًّا إلى الرواية.. وحين يُشكِّل كاتب ما نقلة نوعية فإنّه يُعَدّ مقياساً.. أو سقفاً.. ومن هنا فإنّ كُتّاب القصة الذين جاؤوا بعد يوسف إدريس سعوا إلى تجاوزه.. وهناك كُتّاب قصة كُثُر فعلوا ذلك.. بالطبع لا يجب أن نقف عند يوسف إدريس.. يجب ان يسعى كُتّاب القصة دائماً إلى تجاوز ما هو سائد مهما كان مستواه.
ـ على مستوى تقنيات كتابة القصة ماذا أضفت فيما كتبت سابقاً.. وما هي رؤيتك للجديد؟
= هذا السؤال ينبغي أن يُجيب عنه غيري.. كالنُّقّاد أو القُرّاء.. فإجابتي عنه ستكون أقرب إلى الادعاء.. هل حقًّا أضفتُ شيئاً؟ ربما.. ولكن بعيداً عن أي تواضع زائف فأنا لازلت في بداية الطريق.. وأرى انّه من السابق لأوانه الحديث عن الإضافة.
ـ هل لديك هاجس التطور والتجديد.. وكيف تخطط عملياً لتطوير امكاناتك وأساليبك للتجديد؟
= كل مبدع يجب أن يكون لديه هاجس التجديد والتطّور.. وعدم الركون إلى أية قناعات جاهزة.. ولكن السؤال: كيف يكون التجديد؟ بعض الكُتّاب يعبثون بحجّة التجديد.. السعي إلى التجديد محفوف بالكثير من الخوف.. الخوف هنا ليس سلبيًّا.. بل هو ناتج عن الشعور بالمسؤولية.. أن تبتدع طرائق في السرد فهذا يجب أن يهدف إلى المتعة.. لأنّ الغاية من الأساليب ـ مهما تعددت ـ هي المتعة.. وإلا فما قيمة التجديد؟
ـ القصة الفن الحاضر الغائب بمعنى إنها حاضرة في المطبوعات كنص وفي ذات الوقت بدون جمهور يتابعها ويعرف كتابها ونجومها.. ما الأسباب من وجهة نظرك؟
= القول بأنّ القصة بدون جمهور فيه الكثير من النظر.. حين أحييت أمسيتين قصصيتين في الجزائر أذهلتني الاستجابة الكبيرة للقرّاء.. حتى إنّ بعضهم سألني عن قصص مُحدّدة.. وكانوا قد طبعوا بعض القصص من مواقع على النت وطلبوا التوقيع عليها.. كنت أعتقد أنه لن يعرفني أحد هناك.. بعض النقّاد يقولون بأنّ القصة القصيرة هي فنّ المستقبل.. فهي التي تتناسب مع سرعة العصر.. ربّما.. لكنني لا أعوّل على ذلك.. إنّ القِصَر ليس كافياً وحده لجذب القُرّاء.. فالرواية الطويلة الجيدة تستقطب القُرّاء أكثر من قصة قصيرة رديئة.. مهما كانت سرعة العصر.. المعيار هو الجودة فقط.
ـ هذا في الجزائر.. وماذا عن ليبيا؟ وهل يعتبر ما لقيته من احتفاء في الجزائر مقياساً لوجود جمهور للقصة؟
= بالضبط.. جمهور القصة في ليبيا ليس قليلاً.. تأتيني رسائل على النت والنقال يسألون دائماً عن الجديد.. حين أكتب قصة جديدة يحاول كل الموظفين في العمل الحصول على نسخة بتصويرها.. كل ما في الأمر أنّنا لا نعرف طريقة اجتذاب القارئ.. أو لا نستطيع الوصول إليه.. نُقيم الأمسيات في العواصم أو المهرجانات والمناسبات.. كأنّ الأدب يحتاج إلى مناسبة! أو أنّ المؤسسة العامة هي التي تَمنحنا الشرعيّة.. أنا أقرأ قصصي حتى للرعاة.. يجب أن نذهب نحن إلى القارئ.
ـ ألا ترى أن القصة اليوم أصبحت الجنس والفن الأضعف والأقل شأناً بين بقية الأجناس الأدبية والفنية عامة؟
= إجابتي عن السؤال السابق تتضمّن الإجابة عن هذا السؤال.. وأضيف أنّ تشيكوف بقصصه القصيرة ليس أقلّ شأناً من تولستوي ودوستويفسكي العظيمين.. وقصص ماركيز لا تقل روعة عن رواياته.. ومعطف غوغول الذي خرج منه كُتّاب روسيا العمالقة عبارة عن قصة قصيرة.. ومجموعة قصصية جيدة قد تكون أكثر شعرية من كثير من دواوين الشعر.. المعيار ـ كما قلت سابقاً ـ هو الجودة.. وليس نوع الجنس الأدبي.. امنحني فقط نَصاً جيّداً.. وليكن قصيدة أو قصة أو رواية.. لا يهمّ.
ـ لمن تقرأ في هذه المرحلة من كتاب القصة العرب والعالميين؟
= سأحدّثك عن شيء طريف.. كثير من قصصي المنشورة على شبكة الإنترنت أجد عليها بعض التعليقات التي تقول إنني متأثر بالكاتب التركي عزيز نيسين.. فبدأت أبحث عن أي شيء لعزيز نيسين حتى وجدت له مجموعتين قصصيتين منذ حوالي أسبوع.. وقد أَتْممت قراءتهما.. واستمتعت بهما كثيراً.. فهو كاتب ساخر من طراز رفيع.. بالطبع بعض القُرّاء لا يصدّقون أنني لم أقرأ عزيز نيسين إلا منذ أسبوع!!
ـ ما رأيك في الممارسة النقدية على النتاج القصصي الليبي والعربي عامة؟
= الممارسة النقدية على النتاج القصصي لاتزال قليلة قياساً إلى كم القصص المنشور.. لكن يجب أن نوجّه اللوم إلى أنفسنا أوّلاً.. فيجب أن نكتب جيّداً قبل أن نطالب النُّقّاد أو القُرّاء بالالتفات إلى قصصنا.. البضاعة الجيدة تُسَوّق نفسها.. أليس كذلك؟
ـ وما دور النقد إذاً؟
ـ النقد لا تكتمل العملية الإبداعية إلا به.. لكنّ الإبداع لا يأخذ شرعيّته من خارجه.. لا يأخذ شرعيّته حتى من النقد.. رغم أهمية النقد القصوى.. لو افترضنا جدلاً أنّ بعض النقاد هلّلوا لنص رديء.. فإنّه سيظل رديئاً.. ولن يكتسب الجودة من إطراء النقاد.
أشكرك أخي محمد على أسئلتك القيّمة المستفِزّة.. واعذرني على بعض الحِدّة في إجاباتي.. في أعماقي بدويّ سريع الغضب! وأتمنى أن يستمر الحوار.
***

08 أغسطس، 2009

الطَبْخة

( ا )
... (عزيزة) تُحضِّر للغداء.. بجانبها راديو صغير مغطَّىً بقماش مُلوَّن شفاف.. من فتحة القماش يبرز هوائي مقطوع الرأس.. الراديو مركوز فوق عُلبة الملح.. يُحشرج بأغنية عن الوطن.
( ل )
... الحلّة فوق الموقد.. الزيت يغلي.. سفرة اللوح المستديرة الصغيرة مُزدحمة بالمقادير: لحم.. بصل.. طماطم.. فلفل.. ثوم.. بهارات.
( ح )
... ينقطع الإرسال فجأة.. يبدأ البث المباشر من تحت قبَّة البرلمان لتشكيل الحكومة.. يُستهل بالسلام الوطني.
( ك )
... لحظة جلوس جلالة الملك على عرشه.. يستقر اللحم في قاع الطنجرة.
يتم الإعلان عن اسم رئيس الوزراء.. يُطشطش البصل في الزيت.
وزير الداخلية يصعد المنصّة.. يهوي قرن الفلفل في أثر البصل.
يستلم وزير الصحة حقيبته.. يتدحرج فَصُّ الثوم سابحاً.
يصفِّقون لوزير الإعلام.. تدور ملعقة الطماطم صابغةً (التقلية) بالأحمر.
( و )
... اكتمل نِصاب الحكومة.. استلم الوزراء حقائبهم.. عُزِف السلام الملكي.
ذاقت عزيزة طبيخها.. فاكتشفت أنها نسيت الملح.
سحبت المملحة.. فانقلب الراديو على ظهره.. لكن الحكومة على ما يبدو لم تتأثر بهذا الانقلاب.
( م )
... كانت تذوق الطبيخ بامتعاض..
حَرَّكتْ.. أضافت مزيداً من الملح.. رَشَّت قليلاً من البهارات.. ذاقت مرَّة أخرى.. هزَّت رأسها.. لا جدوى.. رائحة الطبخة لا تُطاق.
أهو تعفُّن اللحم؟ أم فساد البصل؟ أم انتهاء صلاحية الطماطم؟ مهما يكن.. فإنَّ الطبيخ بدا أشبه بالقيء.
( ة )
... الكلب يتضوَّر جوعاً.. يُبصبص.. يسيل اللعاب من زوايا فمه.
كَفَأَت عزيزة طبيخها.. طاف حوله.. تشمَّم البخار الحارّ.. لوى عنقه باشمئزاز.. أَقْعَى.. استلقى على جنبه.. دسَّ رأسه بين رجليه الخلفيتين.. وأخذ يلعق أعضاءه.
(2002)

كاف طَرْطقُو

في صباح السبت الموافق 2009.8.7) وعلى تمام الساعة الخامسة والنصف.. قمت بزيارة كهف (كاف طَرْطقٌو) صحبة الزميل الباحث (عبدالسلام بدر الدين محمد).. الذي قام بأخذ بعض القياسات للكهف بطريقته الخاصة.. فقد وجد أن اتساع مدخل الكهف أفقيًّا 45 خطوة.. وعرضه 30 خطوة.. والكهف به إحدى المعلّقات.. يقع في أحد الأودية العميقة شمال شرق قرية (زاوية العرقوب) على مسافة 6 كيلومتر تقريباً.. ولندع الصور تتحدَّث:

02 أغسطس، 2009

مَسْألة وَقتٍ فقط

( ا )
... اعتزَلوا.. لاذوا بالجبال.. اختاروا كهفاً لا يُعرَف آخره.. ساروا فيه أياماً.. أقصد ليالي.. أو بتوصيفٍ أَدَقّ (زمناً طويلاً مظلماً).. يتلمَّسون الجدران.. كانوا سبعة ثامنهم كلبهم.. تاسعهم هاتف نقّال.. وعاشرهم كمبيوتر محمول.. وفي آخر النفَق ينبثق شعاع الشمس من مكانٍ ما من سقف المغارة.
( ل )
... جلالة الملك يرتدي بذلة الجنرال.. حتى إنّ الرعيَّة تحار في تسميته.. يخطب بحماسٍ كعادته.. يلوِّح بقبضتيه في الهواء حيناً.. يدقُّ الطاولة بكفِّه أحياناً أخرى: (وفي الخطة الخمسية القادمة سنتمكَّن من صناعة الجُبنة البيضاء.. إنها مسألة وقتٍ فقط).
( و )
... الكلب يبسط ذراعيه تحت خيط الشمس الساقط من السقف.. يقف.. يتمطَّى.. يتثاءب.. يرفع رِجله.. يبول.. يرفع أنفه.. ينصب أُذنيه.. ينبح.. تتجاوب المغارة.. يستيقظ أهل (الكاف).. يتساءل أحدهم ناظراً إلى الكمبيوتر العتيق.. وإلى العشب النامي الذي يؤطِّر مضاجعهم:
ــ كم لبِثْنا؟
ــ لبِثْنا يوماً أو بعض يوم.
ــ ابعثوا أحدكم بنقودكم هذه إلى المدينة.. لينظر إن كانت لا تزال سارية.
( ع )
... يدخل السوق.. ينظر إلى النقود المتداولة.. يسأل:
ــ هل هناك من يشتري العُملة القديمة؟
ــ هذا يتوقَّف على قِدَم العُملة.
يُخرج الأوراق النقدية..
ــ أوه.. هذه الأوراق عمرها ألف عام.. تحمل رأس الجنرال في شبابه.. لا تُقدَّر بثمن.
( د )
... يتَّجه إلى الساحة العامة.. جلالة الملك ببزَّة جنرالٍ أشيب.. مُثقَلة بالأنواط والأوسمة.. فهو قد خاض الكثير من الحروب: حرب الخليج.. حرب الصحراء.. حرب الأودية والمستنقعات.. وحتى حرب الكهوف.. لا يثنيه شيء عن تحقيق أهدافه.. مرَّة واحدة رأى حذاءً مقلوباً فأجَّل زيارته للصين! يخطب بالحماس ذاته.. يدقُّ الطاولة بعكّازه: (وفي الألفية القادمة سنتمكَّن من صناعة الجُبنة البيضاء.. أعدِكم بذلك.. إنها مسألةُ وقتٍ فَقَط).
(2001)

28 يوليو، 2009

صَيْد الليل

1
ــ صيد الليل لا يخرج في القَمْراء.
ــ وإذا خرج يحتمي بظلال الغابة.
ــ القمر هذه الليلة يتأخّر.
ــ يبقى علينا أن نسرع في الخروج.
ــ سيكون ذلك بعد المغرب مباشرة.
قال صويلح:
ــ سأذهب معكم.
ــ لا.. الصيد يحتاج للصمت.. وأنت لا هَمّ لك سوى الثرثرة.
ــ سأصمت.
ــ لن تذهب.
ــ إذن سأنتقم منكم.
ــ أنت؟! درويش مثلك ماذا في وسعه أن يفعل؟
2
... كانوا على مشارف الغابة.. يتنكبون عصيَّهم.. تتقدمهم كلابهم.
ــ عطيّة عنده كلب مُحتَرَم!
ــ كلب مُحتَرَم؟!
ــ أَعني كلب جيد للصيد.
ــ اسكتوا.. وصلنا.
أخذت الكلاب تنثر.. تُنظِّف أنوفها.. وتتشمَّم الهواء.
بدأ الكلام همساً..
ــ ستجدون هذا اللعين حيث يكثر الرِّينش.. فهو طعامه المُفضَّل.
في المنحدر.. وسط الصخور.. تجمَّعت الكلاب.. تدسُّ أنوفَها في بعض الحُفَر.
أدخَل أحد الصيادين يده في الحُفرة.. ثم همس:
ــ التراب ساخن.
شرعت الكلاب تعدو.. أنوفها في التراب.. يجرون خلفها.. توغلت في الغابة.. صعب اللحاق بها.. حين اشتدَّ نباحها وهَريرها.. أدركوا أنَّ الفريسة قد وقعت.
في إحدى الخلوات.. وسط الغابة.. كانت الكلاب تحاصر صَيْد الليل.. يدور.. يوجِّه أشواكه ناحيتها.. حريصاً على حماية رأسه وأرجله.
وقفوا يتفرَّجون.. وهم يرفعون عصيَّهم.. تلك إحدى لذائذ الصيد.
الكلاب تهرّ.. لعابها يتساقـط.. تجرَّأ أحدها.. قفز فوق ظهر الفريسة.. ثم قفز مرّة أخرى إلى الخلف.. يتلوَّى ويعوي بذعر.. وقد انغرز الشِّيْص في صدره.
أحست الشاةُ باليأس.. وبعدم جدوى المواجهة.. فأرادت اختراق الطَّوق.. فالْتقطها الكلب من رِجلها وقلَبها على ظهرها.. تلك نقطة الضعف القاتلة في هذا الوحش المُدَرَّع.
3
... لم يطلع القمر حتى اصطادوا ثلاث شِياه.
أخذوا يتفقّدون خسائرهم.. فلَيلةٌ مظلمةٌ كهذه لا تخلو أبداً من جِراح.. كانت سيقانهم تنْزف.. بسبب الأعواد.. والصخور المُسنَّنة.. كما كان انتزاع الشِّيْص من صدر الكلب أكثر مهام الرحلة صعوبة.
4
... أخذ الدرويش يضحك..
ــ الذي أعرفه أنَّ الناس توفِّر الطعام للكلاب.. أمّا أنتم فناس تُطعمهم الكلاب! أنا لا أستسيغ حتى مجرَّد التفكير في هذا.
وقع على ظهره.. يقهقه.. يدقُّ الأرض بقدميه الحافيتين.. يضرب الأرض بقبضتيه.. مستغرقاً في ضحك هستيري.. عيناه تدمعان.. وهو يُردِّد:
ــ رجال تُطعمهم الكلاب.. رجال.. تُطعمهم.. الكلاب.. عَيب عليكم.
تلاقت نظرات الصيادين.. ثم حَوَّلوها إلى الكلاب التي تَهزُّ ذيولها وتدور حولهم.. وبدأت أيديهم تتراخى عن الفرائس...
(1999)

25 يوليو، 2009

طَرِيق تحت أَعْشَاش الطيُور

1
... أشجار العَرعَر مُلتفَّة الأغصان.. مُثقَلة بالزّنْباع الأخضر.. حُبلَى بالأعشاش.. تنهض من وسط الصخور التي تُؤطِّر طريق (وادي الكُوْف).. الأعشاش مركوزة بين الأفرع المُمتدَّة التي تُظلِّل الإسفلت.
2
... تزدحم الأعشاش بالمناقير المفتوحة.. بالأجنحة التي ينحسر عنها الزَّغَب.. العصافير تصعد فوق الأعشاش.. تتقافز بين الأغصان.. ترفع رؤوسها إلى السماء الزرقاء المُتعرِّجة بتعرُّجات الوادي.. تُجرِّب أجنحتها تحت إغراء الفراغ.. تخذلها الأجنحة.. تسقط لاهثةً فوق شريط الإسفلت الأسود الساخن.. دون اكتراثٍ للهدير الآتي من خلف انحناءة الطريق.. تُحاول الطيران مُجدَّداً.. تصطدم بالجدران الصخرية الملساء.. لا تجويف.. لا نتوء يمنحها مرحلية الصعود.. لا شِبر فُسحة بين الإسفلت وبين الجدار.. تسقط ثانيةً.. ومن خلال الضجيج القادم من بعيد.. الضجيج الصارخ لاحتكاك الإطارات بالإسفلت الخشِن.. لا يبدو سوى الطريق الأسود المَزْرُور بين حافتَيّ الصخر.
(2002)