24 ديسمبر، 2010

البرتقالة..

... ضحى مشرق.. على الكرسي الهزاز في شرفة قصره.. ينظر إلى الآفاق المعشبة.. وسياج المزرعة الذي يختفي خلف الأفق.. أمامه صحن فاكهة.. يتناول برتقالة.. يتأملها.. يتحسسها بين كفّيه.. يقشّرها.. يتحلب فمه في انتظار الحموضة اللاذعة.. يشطرها.. يتناول فصاً.. يغمض عينيه.. يتغضن وجهه.. يصرخ.. يبصق.. يقذف بقايا البرتقالة.. يركل الكرسي.. يلعن حظه العاثر.. فقد اتضح أن البرتقالة حلوة..!!
***
(2010)

07 ديسمبر، 2010

مذياعنا القديم...

1
... في طفولتي سمعت المذيع قبل خطاب السلطان يقول: (حين يتحدث السلطان تتدفق الينابيع.. تخضرّ الأرض.. يثمر النخيل).. فدعوت للسلطان بطول العمر.
2
... شرع السلطان في الخطاب من مذياعنا القديم.. صعدت فوق السطح أتطلّع إلى الحقول.. والنخيل.. أميّ حملت برميلها بحثاً عن النبع.
3
... أنهى السلطان خطابه الطويل.. وظلت الحقول مجدبة.. تجوبها زوابع العجاج.. عاد برميل أمّي فارغاً.. لكنّ مذياعنا القديم ظل يردد: (حين يتحدث السلطان تخضرّ الأرض...).
***
(2010)

14 نوفمبر، 2010

ملح الدنيا..!!

(إلى الصديق علي الساعدي)

1

... الصباح الباكر.. رنة على الهاتف النقال.. طرقات على الباب مصحوبة بصيحات.

ــ ثقّلت عليك؟

ــ ... ... ...

ــ كليمتين.. مع فنيجين قهيوة..!!

ــ ... ... ...

2

... يرشف قهوته باستمتاع..

ــ عندك طفّاية.

ــ ... ... ...

ــ أعرف أنه من غير اللائق التدخين بجانب الكتب.. لكن القهوة ضروري معها سبسي.

ــ ... ... ...

ــ اللصوص ملح الدنيا.

ــ ... ... ...؟!

ــ واللهِ.. لولا اللصوص لم تكن هناك شرطة.. والشرطة ناس لديهم أُسَر يطعمونها.

ــ ... ... ...

ــ لولا اللصوص لما وُجدت الأقفال.. وصانعو الأقفال لديهم أطفال يعيلونهم.

ــ ... ... ...

ــ لولا اللصوص لما كانت هناك حاجة للأبواب والنوافذ وأجهزة الإنذار.. تخيّل الكَمّ الهائل من البشر الذين يعيشون من وراء ذلك.

ــ ... ... ...

ــ لولا اللصوص... ... ...

3

يرتفع أذان الظهر...

ــ أعرف أن وقتك ثمين.. سأتركك الآن.

ــ ... ... ...

ــ فهمت الفلسفة من وجود اللصوص؟

ــ ... ... ...

ــ احتفظ لي بحقوقي الحصرية في مقولة (اللصوص ملح الدنيا).

ــ ... ... ...

ــ للحديث بقيّة.

ــ ... ... ...

***

(2010)

30 أكتوبر، 2010

حبّة رمل...

1
... عجاج.. عجاج.. عجاااااااج!!
2
... متى يكف القبلي عن الهبوب؟ ثلاثة أيام لم نفتح باباً ولا نافذة.. الستائر مسدلة.. لا صوت بعلو على صراخ أسلاك الكهرباء.. عجاج أصفر.. يتسرب من تحت الأبواب.. والنوافذ.. صور التلفزيون تتوقف أحياناً بسبب اهتزاز الصحون اللاقطة.. يبدو أن الصحراء غاضبة.. أو أنها سئمت بقاءها في الجنوب.
3
... صباح مشرق.. سكت صراخ الأسلاك.. أفتح الباب بحذر.. سد رملي ظل واقفاً في المدخل.. ألمسه باصابعي.. ناعم.. بارد.. رمال تتكوم أسفل الجدران.. إطار اصفر على امتداد الشارع.. حتى الصحراء تهاجر إلى الشمال!
4
... نساء قريتنا يشرعن في كنس الرمال.. تظهر الأكوام أمام كل بيت.. تغري الأطفال باللعب.. وبناء القصور.. حركة المكانس دائبة.. تختلط يلغط النساء:
ــ غرقنا في الرمل!
5
... بث مباشر.. صوت الزعيم بتهدج.. يرفع سبّابته في الهواء: (لن نفرّط في حبة رمل واحدة من تراب الوطن...).
في تلك اللحظة تقف أمي بالباب مستندة إلى مكنستها:
ــ شوف لنا حل في أكوام الرمل المكدسة!
***
(2010)

16 سبتمبر، 2010

مهرجان الحكاية المغاربية 2010

بتاريخ 2010.8.31 انتظم مهرجان الحكاية الشعبية المغاربية في مدينة تمارة المغاربية.. بمشاركة الدول المغاربية الخمس.. حيث كانت الحكاية الشعبية هي المتن.. مع هامش واسع لبعض النشاطات الأخرى.
عقيلة مع جمهور الحكايات
في ساحة ضريح محمد الخامس بالدرّاعة الموريتانية مع الصديق محمد علي مع الصديق المبدع القاص أنيس الرافعي
مائدة مستديرة عن الحكاية بالرباط
المشاركون في المائدة المستديرة

22 أغسطس، 2010

الرُّوْحُ السابِعة

( أ )
... عيناه تبرقان في الظلام.. تتوهَّجان كجمرتين في أعلى الخَرُّوبة.. يُراقب بلهفةٍ القطَّة اللاهية.. عندما أدركَ أنَّ اللحظة مناسبة.. قفز في الفراغ الدامس.. كانت حساباته دقيقة.. أنشبَ مخالبَه وأسنانَه في عنقها.. فأطلقت زعيقاً حادًّا مُحاولةً التملُّص.. فازداد اشتعالاً.
( ل )
... اقتحم الصراخ كلَّ البيوت.. فاضِحاً تلك اللحظة المحمومة.
المرأة التي تستلقي بجوار زوجها.. رفعت رأسها.. أحسَّت بارتعاشٍ لذيذ وهي تُنصت إلى صرخات الأنثى.. الْتفتت إلى زوجها الذي يُدير لها ظهرَه ويشخر.. تنهَّدت تنهُّدةً طويلة.. وسحبت الغطاء على وجهها بعصبية.
في تلك اللحظة.. انطلقت رصاصةٌ أوقفت الصراخ.
( م )
... يستلقي.. يلعق الدم المُتخثِّر على صدره.
ـ لو لم تصرخ تلك العاهرة لما تنبَّهوا لوجودي.. ها قد فقدتُ الروح السادسة! هذه المرَّة بسبب الأنثى.
أخذ يسترجع في ذهنه كيف فقدَ أرواحه الخمسة...
ـ سيكون انتقامي هذه المرَّة أشدّ.. لن أدعهم يذوقون طعم الراحة أبداً.
رفع بصره.. راقَب بوبرَيص يتحرَّك ببطءٍ صاعِداً إلى سقف المغارة.
واصلَ لعق الدم..
ـ هاهم ـ مع مرور الزمن ـ يجدون الجُرأة الكافية لملاحقتي.. ولَّى ذلك الزمن الذي كانوا يُغلقون فيه أبوابهم ونوافذهم ويبيتون قبل المغرب كالدجاج.. لستُ أدري مَن الملعون الذي كشف السِّر؟ هل هو شيطان آخر؟ كانوا يعتقدون بأنَّ الكلب الأسود هو الشيطان.. هذا ما أَخبرَهم به الفقيه.. لهذا اخترتُ جسد القِطّ لأكون في مأمن.. ولأدخل كل بيت.. وفي أي وقت.. كنتُ أملك رصيداً من الأرواح.. لا بأس.. لازلتُ أملك الروح السابعة.. عليَّ أن أكون أكثر حذَراً.
( س )
... تشتَّتَ ضباب الصباح.. اكتشفوا أنَّ بعض الكهوف قد اختفت.. ظهرت مغارات جديدة.. استبدلت الأشجار أماكنها.. بعضها رحل إلى السفوح المقابِلة.. حتى الوادي غيَّر مَجراه.. فانحدر من الشمال إلى الجنوب.. أشياء كثيرة ذهبت مع الضباب.. يد خفيَّة أعادت ترتيب الأشياء!
وصفوا تلك التبدُّلات بأنّها لعنة جلَبَها الشيطان الأسود.
وسط الذهول جاءت الأخبار بأنَّه شوهِد هذا الصباح في أعلى الوادي.
( ك )
... يستمتع بأشعة الشمس المائلة.. والريح الخفيفة التي تبعث الحياة في الغابة.. يخطو بِهدوء.. بلا اكتراث.. يتوقَّف أحياناً.. يرفع رأسه.. يتشمَّم الهواء المُحيط.. ثم يواصل نزوله إلى أسفل الوادي.
عند اقترابه من أضيق نقطة في المُنحنَى.. كانت فوهات البنادق تُحاصره من الضفَّتين.. لم يكن الوقت يتَّسع لقفزةٍ واحدة.. بعد أن كَفَّ جسده عن الاختلاج.. فُصِل الرأس.. رُفِع فوق إحدى الحِراب.
( و )
ـ كم يبدو الموت أعمى.. ومجّانيًّا في كثيرٍ من الأحيان.. يا له من قطٍّ سَيِّئ الطالع.. قُتِل.. مُثِّل به.. فقط لأنه يُشبهني.. كم هو نافع أن يكون لك شَبِيْه!
( ن )
... وهو يسمع صيحات الانتصار.. والبنادق المُصوَّبة إلى السماء.. كان يتلصَّص بحذَر مَن لم يعد يملك سوى روحٍ واحدة.
(1999)

17 أغسطس، 2010

سيادة المعنى

قراءة في مجموعة درب الحلازين لأحمد يوسف عقيلة
الطيب جمَازي/تونس
مدخل:
قبل أن أقرأ له وقبل أن أقرأ ما كتب حول أدبه وقصصه سمعت شهادات شفوية من بعض أدباء ليبيا و تونس هذه الشهادات تقول أن هذا القاص يعجب القارئ ويكتب قصة متميزة والكل يحاول التخلص من أن تحسب شهادته إطراء فينهي شهادته بكون هذا الكاتب يعجبه شخصيا.. نعم هذا الكاتب أعجبني شخصيا وقرأت قصصه بلذة كأني لم أقرأ قصص قصيرة من قبل.. يعجبني إلى درجة أنني أحفظ قصصه وأحفظ أفكاره ومقولاته التي نخرج بها من قراءتنا له وكأنها حكمة الأولين,مثل هذا القاص يعجب الشعراء لأنه يسرق ما يمكن أن يكتبوه أو يفكرون فيه... هذا القاص شاعر ضل الطريق إلى القصة وبضلاله أصاب الهدفين الشعر والقصة.
قصصه تعجب الشعراء وبالتالي يحملون أخباره أينما ولَوا وكثيرة هي جهات الشعراء ودروبهم وشهاداتهم وتعجب القارئ لأنه انصرف عن القراءة دون قصد( القارئ العربي)وإن قرأ يتفاخر بما قرأ وخاصة عندما يقرأ نصوص مثل نصوص أحمد يوسف عقيلة.
عندما انتهيت من قراءة الحرباء ودرب الحلازين تبادر إلى ذهني سؤالا نادرا ما يتبادر إلى ذهن القارئ أو الناقد وهو من أسئلتنا الحضارية المحرجة التي أرجأناها إلى أزمنة أخرى.
أين دعاة الحوار مع الآخر ؟
أين دعاة التبادل الثقافي وضرورة الانفتاح؟
أين مؤسسات الترجمة العربية التي ترصد لها ميزانيات كبرى لتعمل على إيصال أدبنا و فكرنا للآخر الذي غزا عقولنا حد الملكية فأصبحت عقوله؟
نقرأ الأعمال الفائزة بالجوائز العالمية الكبرى و منها جائزة نوبل والكثير منها أعمال لا تضاهي أعمال كتابنا خاصة في القصة القصيرة والرواية ولكن العرب لا يحصلون على هذه الجوائز و لو في خضم عنصريتها وتبعيتها.
كلما قرأت نصا جيدا لا أسأل هل هذا النص أخذ حظه من القراءة والنقد بل تحضر مشكلة الترجمة فكثيرين هم الكتاب الغربيين الذين لم تقرأ أعمالهم في بلدانهم و لم يذاع صيتهم إلا بعد أن قرأتهم شعوبا أخرى و بألسنة مختلفة.
مثل كتابات أحمد يوسف عقيلة جديرة بالترجمة الفعلية وليست تلك الترجمات الحكومية التي تترجم الأدب بغاية قراءته محليا بلغة أخرى ولا يوزع في العالم أو الترجمات الشخصية التي تتم بالتعاون بين المؤلف و المترجم و توزع أيضا في العالم ,الترجمة الحقيقية هي الترجمة التي تمكن الآخر من الإطلاع على آدابنا و فكرنا وبالتالي نمحو تلك الصورة التي رسمت لنا منذ قرون أن العرب بدو رحل لا علاقة لهم بتاريخ الإنسان الحضاري.
أمثال أحمد يوسف عقيلة من كتاب القصة في مغربنا العربي يعانون الغبن الإعلامي والنقدي الفعال في جعل أعمالهم تترجم رغم نجوميتهم في صحفنا ومآدبنا الأدبية.
كنت عزمت الكتابة حول المجموعة القصصية الحرباء ولكن قبل ذلك أردت قراءة المجموعة القصصية درب الحلازين فغيرت رأيي وذلك لأن درب الحلازين واضحة الحكمة التي يعمل المؤلف على تبليغها للقارئ أي واضحة المقاصد رغم الشعرية التي تعلو اللغة.
درب الحلازين صور حقيقية من الحياة التي نتعثر في رؤيتها رغم ووضوحها بسبب تأويلنا لفعل النظر أي بسبب عدم الثقة في عيوننا.
وهذا لا يعني أن الحرباء مجموعة مختلفة بل إن كل كتابات أحمد يوسف عقيلة شبيهة بالمشروع الواحد وخاصة على مستوى اللغة والمضامين فكأنه بالبحث الممنهج الذي وجب أن تكون عناصره مترابطة منظمة مؤدية لغاية و أهداف البحث.
الطيور والزواحف و الحشرات والحيوانات البرية والأهلية.
الطبيعة بكل عناصرها المتحركة والجامدة استنطقها المؤلف واستخرج منها الرمز أي الحكمة بهدف الحديث عن الإنسان و تأمل جوانب الحياة الخفية والسحرية التي نغفل عن إدراكها رغم أهميتها تقول فاطمة الزياني :"أحمد يوسف عقيلة لم يتعامل مع الكائنات والأشياء بقفازات وإنما تقرى بيده مواقع النبض وأقترب فرأى ما لم يره العابرون لقد تشرب بتفاصيل اليومي حتى امتلأ إبداعا آسرا ,إنه يحول أكل الخبز إلى فعل فني و هذا هو الجعل و القنفذ و صيد الليل و السحالي و الغراب و الصرصار والكلب و البوم و النمل –أنصت لها الكاتب بأذن سليمان و نقل لنا دفائن ما تخفي و أيقظ الرمز فيها"
هكذا هو أحمد يوسف عقيلة مع إضافة أنه أيقظ الرمز فيها بغاية إيقاظ الرمز فينا.
المعنى سيد اللغة:
اللغة خادمة المعنى و المعنى هو إرادة الكاتب في سعيه نحو تحقيق معادلة صعبة: اللغة السلسة الواضحة والمعنى العميق أي المعنى الذي يجنيه القارئ دون عناء و يحقق العبرة وينير سبل الفهم.
لغة أحمد يوسف عقيلة لغة ترابية تمشي على الأرض ولا تعلو على من يعترضها من الكائنات بل تصافحها و إن لزم الأمر تقيم هناك بينها تتعلم سر الوجود.
تزحف مع الزواحف و تطير مع الطيور تقدم على أي مخاطرة في سبيل فهم الكائنات وقراءة الحياة عبرها لكن حضور الحيوانات والطبيعة ليس إلا الأسلوب الذي إختاره الكاتب للبحث بالمقابل في البشري على حقيقته ليقف القارئ على الإنساني.
كأن المؤلف بدأ من الأول في تأمل حكمة الوجود ومحاولة فهم الإنسان دون الرجوع إلى البحث في الفلسفات القديمة والأساطير وذلك بتأمل الكائن الحي و سعيه في الطبيعة.
في درب الحلازين امتزجت التأملات بالواقعية و تحولت الأفكار إلى أفعال.
نحس بالكاتب يفعل ,يحضر بل هو من العناصر الرئيسية للمشاهد والحكايات لم يركب الخيال ويؤمن بحواسه عن بعد بل باشر الحياة في أدق تفاصيلها وغمرها بحواسه عله يكون أقرب للحقيقة للطبيعة التي كانت عند أغلب الأدباء مجازات واستعارات متخفية في تعالي اللغة على الكائن الحي.
الكائن الحي في درب الحلازين جدير بالحياة وكل هذه الطبيعة وديان وأنهار وجبال قد تكون خلقت من أجل نملة أو بالأحرى للنملة دورها ونصيبها ومثل هذه التأملات لابد من أن تجعل المؤلف صاحب لغة صافية فالتأمل يتطلب الصفاء الذهني والنفسي وللغوي.
لكن سيادة المعنى لا تعني أن لغة أحمد يوسف عقيلة تغرَبت عن الأدبية والشعرية العالية بل العكس كانت لغة صائبة في مقاصدها بعيدة عن الميوعة والإثارة التى تجتاح قصصنا الحديثة و رواياتنا الحديثة بتعلَة الواقعية والحقيقة ففقدت المواضيع واتكأت على التجريد لكن التجريد في القصة له ميزة خاصة عن التجريد في باقي الأجناس الأدبية والفنية.
في درب الحلازين كل المعاني تحاور الإنسان تنبهه إلى أنه يشترك مع الحلزون في الهشاشة وذلك عبر تناول الواقع الاجتماعي ونقل قصص من الواقع لا نصدق الكاتب أنها من وحي الخيال بسبب ملامسته للتفاصيل بصور ومشاهد نشاهدها كل يوم بل هي حياتنا اليومية يقول الدكتور محمد لطفي اليوسفي حول مثل هذه التجارب "إنه يمتلك مقدرة فائقة على الاتصال و الانفصال تمكنه من المحافظة على النظرة الأولى فتبدو الأشياء كما لو أنها تأتيه لتمنح ذاتها ذلك أن النظرة الأولى متميزة تلتقط ما لا تراه العين المثقلة بالمعتاد و يتجلى تفردها ذاك في شكل مقدرة فائقة على الإحاطة بالمدركات و النفاذ إلى دواخلها في عملية تركيز سريعة كالومضة تماماً".
قصصه علم أحياء لم يتسلح فيه بالمعادلات والفرضيات بل تسلح بالأمانة في نقل دروب الكائنات وتسلح بالهدف من وراء هذه التأملات فكانت هادفة وإذا كانت هادفة فهي بالضرورة هادمة بغاية البناء لكن ماذا يريد الكاتب أن يبني بعد الهدم؟
الوعي بالحياة صار أضعف عند الإنسان الحديث والإيمان بالفردية دمر الذات الإنسانية التي لا تتحقق إلا في الجماعة والإنسان الحديث تنازل عن سيادته في هذه الأرض وذلك بتدمير نفسه عبر الصراعات والحروب لذلك انطلق الكاتب من الطبيعة والحيوان ليتثبت من كيان الإنسان ويحاول النفاذ إلى مواضع العطب ...شيء لا يطاق أن تحمل فوق كتفيك رأسا فارغا..فمنذ ثلاثة أيام ونحن نعيش برؤوس فارغة..المفارقة أننا أحسسنا بثقلها أكثر من قبل.(درب الحلازين ص 56).
يمكن القول أن مجموعة درب الحلازين وجل المجموعات القصصية كانت متوغلة في المعنى ولم تكن إستعراضية جامحة لا معنى للمطلق فيها بل تنطلق أحيانا من تحت الأقدام لا تخلو قصة من القرية ومن نباح الكلاب ومن مشاهد الحياة اليومية.
قصص... فرص:
القصَاص البارع هو القناص وأحمد يوسف عقيلة يشعرك و أنت تقرأ قصصه أن يقتنص الفرص من الواقع ويخطف شخصياته وحيواناته وأشجاره و وديانه ..يخطف القرى و الأصوات والنبضات ويصنع من كل هذا صورة تتساءل كيف صورها ؟كيف استغل الفرصة ورسمها؟
إذن فرصة للقارئ كي يقرأ الحياة فهو يمزج الاجتماعي بالسياسي بالتاريخي بالنفسي بالطبيعي, المشاهد مكتملة يصور ما بين السماء والأرض وهو يتحدث عن الخفاش أو عجوز عاش ويلات الحرب ويعيش ويلات الحياة...فرصة للقارئ كي يحب نفسه ويحب الكائنات الحية ويدرك أن وحدة الوجود هي وحدة الكائن الحي, أما الحقيقة والصدق في القصص فمن الصعب جدا كما ذكرت أن نصدق أنها من محض الخيال.
***
تونس أوت 2010

05 أغسطس، 2010

مَن يُوقِفُ المطر؟!

1
... (امرأة تستذري من المطر.. تُلصق ظهرها بساق الصنوبرة التي تظلل الطريق).
أنفاسه تتلاحق.. أصابعه ترتعش.. يواصل الكتابة:
(بُومة تحط على الصخرة المجاورة بعد طيران صامت وسط المطر).
يضع يده على صدره.. يتغضّن وجهه.. ثُم.. يموت…
2
... كان ذلك منذ زمن بعيد.. لكن المرأة لا تزال هناك.. إذا مررتم مع ذلك الطريق يمكنكم رؤيتها تستذري من المطر.. تحت الصنوبرة المنتصبة على حافة الطريق.. يمكنكم أيضاً رؤية البُومة المبلّلة فوق الصخرة.. لا يزال البلل يقطر من أطراف ريشها.. فالمطر لم يتوقف بعد.. مَن يوقف المطر إذا كان القاصّ قد مات قبل أن تكتمل القصة؟!
***
(2010)

01 أغسطس، 2010

جاذبية

1
... تزيل الوشم الأخضر عن وجهها.. ثعبان الحنّاء يتثنَّى صاعداً مع ربلة الساق.. كما في خرائط الكنوز.. فستان ضيّق قصير مشقوق.. سَبّاط يطرقع مع كل خطوة.
2
... في الضحى تظهر مرشوشة بالمساحيق.. نظرة عابرة من لاعبِي الورق أمام الدكّان.. يواصلون اللعب.. تُكمل الشارع.. تعود.. تتثنّى فوق طقطقة السبّاط.
3
... مدمنو الجلوس على الأرصفة ـ الذين لا يغيب عنهم ظلّ امرأة ـ لا يلتفتون.
4
... في المساء تظهر مرة أخرى.. تجمع إلى طقطقة السبّاط طرقعة العلكة.. مع إضافة مزيد من الشقوق للفستان.
5
... يتطوع أحدهم باقتراح وهو يقهقه:
ــ عندي الحلّ.. حل جذري.
ــ هل ستشتري لها حذاءً طبيًّا؟! أم سترصف لها الشارع؟!
ــ بل سأخبرها أنّ إسحاق نيوتن قد اتّصل منذ الصباح الباكر ليُخبرنا أنّها لا تَملك أيّة جاذبية على الإطلاق؟!
6
... القطّ ــ الذي يُنظِّف نفسه فوق إطار النافذة البارز ــ يُلقى عليها نظرة عابرة من زاوية عينه دون أن يلتفت.. يتثاءب.. ثُم يواصل لعق وَبَره.
***
(2008)

24 يوليو، 2010

انتظار

1
... جائع أنا.. ومقرور.. قابع تحت ورقة جافة..ساقطة على أرض الغابة.. يُنقّط فوقها المطر.. منذ زمن لم يمر أحد لأعلق به.. لا أحد بجانبي لأبادله الحديث.. لذلك سأتحدث إلى الربّ.. فالربّ موجود دائماً.. حتى حين تعتقد أنك وحدك تحت ورقة جافة.. ساقطة على أرض الغابة.. يُنقّط فوقها المطر.
لست في حاجة إلى الخروج من تحت ورقتي لأنظر إلى السماء.. فالربّ على الأرض أيضاً.. رغم محاولة بعضهم إقصاءه إلى السماء.. لتكون الأرض لهم وحدهم.. لكن قبل كل شيء كيف سأخاطب الرب؟
أرجلي الست تتحرّك.. مما يجعل الورقة الجافة تخشخش.. يبدو أن ذلك لن يكون مُجدياً في إيجاد الكلمات التي تليق بجلال الربّ.
2
... البارحة حلمت أنني في الجنة.. فأنا أؤمن بأنّه لا بد أن تكون هناك حياة أخرى في مكانٍ ما أفضل من هذه الحياة.. إذ لا يُعقَل أن تكون حياتنا القصيرة التي نهدرها في انتظار مرور أحدهم لنصعد مع أرجله هي كل شيء.. ثم ماذا عن العدالة؟ إذا كان من المستحيل أن توجد عدالة وسط هذا اليباس.. فلا شك أنها ستوجد في مكان أكثر أخضراراً.. لكنني حين تحركت خشخشت الورقة.. فأدركت أن هذه ليست هي الجنة.. إذ من غير المعقول أن توجد في الجنة أوراق يابسة!
3
... حين أجوع أفقد إيماني.. لكنني أسترجعه مرة أخرى حين تنتفخ بطني بالدم.. ها هي أرجلي الست تتحرّك دون إرادتي.. عادة سيئة ورثتها عن القُراد الأول.. كعادته حين يشرع في التفكير.. أو ربّما لأنه لا يملك شيئاً آخر يمكن تحريكه سوى أرجله.. سأرفع أذرعي لمخاطبة الربّ:
ــ ينهشني سؤال.. سؤال واحد فقط يا ربّ.. فبعض الأسئلة لها مخالب: لماذا اقتضت مشيئتك إيجاد مخلوق بشع مقزّز مثلي.. حياته متوقفة على الالتصاق بالآخرين؟ يعيش على دمائهم.. مصّاص دماء.. واخز.. مُكّدِّر صفو.. مُنغِّص عيش.. نعم.. هذه هي الكلمات المناسبة.. فمي عبارة عن مشرط يخترق أكثر الأجساد سماكة.. لقد جعلني ذلك منبوذاً.. أحس بأنني زائد عن هذا العالم.. ألا ينبغي أن يشكّل وجودنا إضافة؟ بالطبع مخلوق وضيع مثلي يعجز عن إدراك مشيئتك.. لكن لا يمكنني أن أكفّ عن طرح الأسئلة.. فالأسئلة تخشخش هي الأخرى.
4
... أعلم أنني لن أتلقّى إجابة فوريّة.. ها أنا أصمت.. أصغي.. أتكوّر على نفسي.. أنتظر أن تقرمش الأوراق تحت أقدام أحدهم لأتشبث به.. فأنا لا أملك جناحين.. لا أستطيع حتى القفز.. سفري يكون بأقدام الآخرين.. أو أجنحتهم.. مرة علقت بالخفاش.. يااااه!! حلّقت عالياً وسط الظلمة.. لكن الخفاش على كل حال كائن مقزِّز هو الآخر.. بالطبع لا علاقة لهذا بسبب منافسته لي في امتصاص الدم.. هو يلعق دماء الآخرين.. وأنا ألعق دمه.. يا لها من حياة قائمة على اللعق!
قررتُ أن أقوم بعمل صالح قبل أن أموت.. أرجلي الست لا تكفّ عن الحركة.. ولكن.. ما هو العمل الصالح الذي يمكن أن يقوم به قُراد يرتجف تحت ورقة جافة ساقطة على أرض الغابة.. يُنقّط فوقها المطر؟!
***
(2010)

03 يوليو، 2010

وداعاً صديقي

انتقل إلى جوار ربه صباح الجمعة 2010.7.2 صديقي ورفيق العمر: (سالم ماضي عبدالونيس).. طيّار عمودي.. 48 عاماً.. لماذا يرحل الأصدقاء فجأة.. دون حتى كلمة وداع؟

21 يونيو، 2010

القِدْر

(إلى الصديق الشاعر: زهران القاسمي)
1
... منتصف أغسطس.. جازية التي ترمّلت منذ صغرها.. تستلقي في ظل الخرّوبة.. تراقب القرون التي اسودّت بعد الضباب الأخير.. تهزّ رأسها.. تنهض على أربع.. تُجهِّز قِدْرها وموقدها.
2
... في الضحى تحتّ قرون الخرّوب بعصا المكنسة.. تستمتع بالتساقط والخشخشة.. وتقافز القرون عند قدميها.. تكوّمها فوق الحصيرة.. تبدأ في دقّها فوق العتبة الإسمنتية.. تحفن الخرّوب المجروش داخل القِدْر.. تغرقه بالماء.
3
... تصفّي الخروب.. بعد ترطيبه ليلة كاملة.. تلقي بالنثل أمام بقرتها.. تضع القِدْر فوق موقد الغاز.. ترفع اللهب حتى تنبثق ألسنته من تحت الطنجرة.. تغفو.. تنهض على فترات لتطمئن على العصارة.
4
... في الضحى التالي تفوح رائحة الرُّبّ.. جازية ـ التي لا تكف عن صنع الأشياء الحلوة ـ تلقي رغيفاً من خبز التنور وسط فوران السائل الداكن.. فوح الرُّب ينتشر.. يتعدّى سياج بيتها.
5
... تكثر الطرقات على باب جازية...
جارتها القريبة تحضر كوباً من الشاي.. تدس أصابعها الثلاث الوسطى في القِدْر الذي يغلي.. تلحس.. تتمطّق.
الممرضة تطمئن على صحتها.. تأخذ لحسة.. تغمض عينيها.. تمتص لسانها.
قارئ عَدّادات الكهرباء يتحسس جبينها.. يأخذ لحسة.. يُمرّر لسانه على شفتيه مستقصياً أثر الرُّبّ.
حرس الغابات يأخذ لحسة طويلة.. من باب الاطمئنان على صحة الخرّوبة!
عابر سبيل يغمس إصبعين طويلتين.. يلعقهما.. معتذراً عن الوهم في الباب.
الكُرَة تسقط في حاجر البيت.. يلحقها فريق من اللاحسين الصغار.
ضابط القرية يرفع صوته من خلف الباب:
ـ أنا يا عمّتي جازية لا أتحايل.. بصراحة سآخذ لحسة.. وقضمة من رغيف الرُّبّ.
6
... آخر النهار.. جازية تنظر إلى الرُبّ القليل المتبقِّي في قاع القِدْر.. تتنهّد:
ــ لحسوني!
تصبّ السائل الأسود الدبق الطري في زجاجة صغيرة حتى آخر قَطرة.. تُحكِم إغلاقها.. تمسحها بعناية.. تتأملها.. تُقرّبها من أنفها بيدين مرتجفتين.. تُغمض عينيها.. تأخذ نفَساً طويلاً...
تجفلها طرقات متلاحقة على الباب...
***
(2010)

03 يونيو، 2010

ارتياب

(إلى الشاعر مُحي الدِّين الْمَحجوب)
1
... الشمس تعجز عن اختراق الضباب الكثيف الزاحف على وجه الأرض.. الأفعى تتكوّر في تجويف الصخرة الكبيرة التي تشكّل ركن السياج.. مُبلَّلة بلا حَراك.. مُجرَّد حبل بارد.
2
... عند ارتفاع الضحى تخرج الأفعى من تحت السياج.. تدخل الحديقة.. تنثنِي إلى اليسار.. ترى ثعباناً أرقطَ متمدّداً وسط العشب.. تقترب.. تدور حوله.. منقوش بكل الألوان.. تغربلها رعشة من رأسها إلى ذيلها الذي لا يزال قرب السياج.. لا يُعيْرها الثعبان اهتماماً.. يُغربلها الغيظ هذه المرّة.. تطوي جسدها في شبه دائرة.. تدنو.. تَمَسّ جسده.. تفاجئها صلابته.. تَحتكّ به.. تفِحّ:
ــ خرطوم مياه! يا مزوَّق من بَرَّة! انتابنِي إحساس بأنّ هذا الجمال مُزيَّف.
3
... تخرج الأفعى إلى الغابة المجاورة.. تتَمهَّل.. تستدير.. ترفع رأسها.. ترى طرَف خرطوم المياه مُمدَّداً في آخر الحديقة.. تُخرج لسانها.. تفَحّ:
ــ الغريب أنّ بعضهم تنبع أهَمّيته من كونه أجوف!
4
... تتوغل في الغابة مواصلة فحيحها.. تتوقف فجأة.. تنظر إلى الهدهد الجاثِم على الصخرة المجاورة بكثيْرٍ من الارتياب.
***
(2007)

22 مايو، 2010

المخلاة

الرسم الساخر للفنان محمد الزواوي
1
... يستلقي.. يضع المخدّة تحت إبطيه.. يغرس مرفقيه في صوف النطع.. ويضع وجهه بين كفّيه.
... المطر يُنَقّط فوق السطح الصفيحي.. كان يتمنى أن يشتد تنقيط المطر ليغطي على ثرثرة زوجته.. وحين عجز عن تحقيق هذه الأمنية.. ولم يجد ما يفعله.. أخذ يتأمل زوجته..
كانت بريئة من أيّة استدارات.. ممسوحة.. رأسها مركوز فوق كتفيها مباشرة دون عنق.. أمّا ما عدا ذلك فهي كزهرة الدِّرْياس.. طويلة.. نحيفة.. معوجّة.. صفراء.. تشكو دائماً من شيءٍ ما.
انتشله صهيل حصانه أمام البيت.
2
... تحت القمر كانت ترذّذ.. رفع وجهه إلى السماء مُنتعشاً بالرذاذ. حين رآه الحصان حَمحم وتحرّك في مكانه.. رَبّت على عنقه.. مسح على ناصيته المُبلَّلة.. وعَلَّق عليه مخلاة فارغة.
***
(2004)

19 مايو، 2010

إصدار..

كتبَ مركز نهر النيل للنشر بجمهورية مصر العربية:
"الحرباء" لـ "أحمد يوسف عقيلة" بين متعة الابتكار ودهشة التلقي"
حين تدهشك الفكرة، حين تدهشك الصياغة، حين تفاجأ بأن ما لم تظنه قابلاً للكتابة قد كُتِب فناً قصصياً إبداعياً راقياً... تكون حتماً تطالع كتاباً لأحمد يوسف عقيلة.
"الحرباء" مجموعة قصصية للأديب الليبي أحمد يوسف عقيلة، تفرض فيها موهبته القصصية اللافتة نفسها على صفحات الكتاب، ويظهر خلالها ولعه الشديد بالحكي، فلا تترك فرصة للقارئ غير أن ينتقل من صفحة لأخرى دون توقف.
"الحرباء" تضم تسعاً وعشرين قصة منها: التراب الوطني، الرغيف، امرأة الحكاية، الحرباء، راعي الفحول، نزغات الملائكة، القبو... وغيرها، تتنوع فيها الأطروحات الفكرية والصياغات الإبداعية التي تمزج بصورة رائعة بين عمق الفكرة وسلاسة الطرح، بل تتعدى ذلك أحياناً إلى أن تضع البسمة فوق شفتي القارئ بينما يقرأ أشد الموضوعات قتامة وإيلاماً.
"الحرباء" مهداة من المؤلف أحمد يوسف عقيلة إلى روح صديقه "عمر سالم عطية، بكلمات غاية في الرهافة والشجن، ومصدرة بمقتطفات من كتابات وآراء كبار الأدباء والنقاد عن أدب أحمد يوسف عقيلة.
يقول د. محمد المفتى: (شدتني لغة المؤلف الطازجة والجديدة.. أسلوب متقشف/مقتضب/رشيق.. لا أجد وصفاً دقيقاً.. لكنه أقرب إلى لغة العِلْم الوصفية.. أسلوب خالٍ من المحسنات العتيقة.. ولو أردت وصف أسلوب أحمد يوسف عقيلة بدقة أكبر لقلت إنه أسلوب على درجة لافتة من الاقتصاد.. أقرب إلى تقارير المصارف.. دونما استطرادات أو حشو.. وحتى لا يزعل الأدباء.. دعني أُذَكِّرهم بأن الشاعر الإنجليزي/الأميركي.. شاعر القرن العشرين (ت.س.إليوت) كان موظفاً في مصرف!
لغة أحمد يوسف عقيلة لغة طازجة.. متحررة من الإنشاء.. والى حد كبير حتى من واو العطف.. فعباراته صُوَر مستقلة متلاحقة.. بل إنه لا يتحرج من مفاجأتنا بنحت جديد للكلمات.. لقد عثر أحمد يوسف عقيلة على إحدى المعادلات الصعبة.. ألا وهي كيفية التعامل مع تراثنا الشعبي دون إسفاف أو سذاجة سردية رتيبة).
آراء أخرى لنقاد وأدباء من ليبيا والعراق وتونس تتصدر المجموعة القصصية.
فى قصة "الرغيف" يبدأ الكاتب هذه البداية المدهشة:
"... أحسَّ الرغيف بأن أطرافه بدأت تشتدّ.. وأخذ اليباس يعلو وجهه.. لكنه ظلَّ مُعتصمِاً بصمته. قال التنُّور.. بعد أن نفخ نفخةً طويلة بفعل الصهد:
ـ لماذا هذا الصمت؟ حدِّثْني ما دمنا ملتصقَين إلى هذا الحَدّ.. أم تنتظر حتى تنضج فتصبح طعاماً؟
ـ هذه مسألة لا فكاك منها.. لكنَّ ما يشغلني هو أنني لا أعرف من نصيب أي الأفواه سأكون؟
ـ بَسِيْطَة.. إذا كنتَ أحمرَ مقرمِشاً فستكون من نصيب الحسناوات.. وإذا كنتَ رطِباً فستلوكك العجائز.. أمّا إذا احترقتَ وعلاك السواد فستأكلك الكلاب.. أو الراعي في أحسن الأحوال!"
لينبهنا من السطر الأول في كتابه إلى أننا أمام كاتب لا يكتب الشائع من الأساليب والمكرور من الأفكار، بل يمهد لنفسه طريقاص جاداً ومبتكراً وجاذباً للقارئ في آن واحد.
"الحرباء" مجموعة قصصية للأديب الليبي "أحمد يوسف عقيلة" صدرت في مائة وخمس وثلاثين صفحة من القطع المتوسط عن مركز نهر النيل للنشر بجمهورية مصر العربية.
***

16 مايو، 2010

شَمْس اطْياح

( خرّافة )
من كتاب: خراريف ليبية لأحمد يوسف عقيلة
الطبعة الأولى 2008 مجلس الثقافة العام.. ليبيا.
الرّاوية: سلِيْمة عبدالصادِق بُوخشَيْم.
الله يبْعد الشَّيْطان ويخَزيْه.. فِيْه هَذناك الصبايا الضّراير.. وحْدة بَيْضا ووحْدة شَوْشانة.. البَيْضا تعاير في الشَّوْشانة بسوادها وتقول لها: (يا خادِم).. وكلّ وحْدة عندها بنْت.. وَيْنما الشَّوشانة اتْدِزّ طعام ذَوْقَة للبيضا ما تخَلِّيْش بنتّا تاكِل منّه.. تكِبّه للكلاب ـ حاشاكم ـ وتقول: (ردِّي بالِك تاكلي منّه.. عَيْش الضَّرَّة باسِل).
الشَّوْشانة وَيْنما تْجِيْها بْنَيّة ضَرّتّا تعَطِيْها حَلْوَى.. وتخَلِّيْها تلعب مع بنتّا.. والضَّرَّة لخْرَى دَشّاعة.. وَيْنما تْجِيْها بْنَيّة الشَّوشانة تضربْها وتطردها.. (الضَّرَّة مضَرَّة).
كبْرَن البنات.. تَمَّن شبابات.. يَلْبسَن في الرّدا.. بنت البَيْضا طلَعت كَيْف امّها.. كرهَت أختّا الشَّوْشانة.. وتَمَّت تعاير فيها بسوادها.. وتقول لها: (يا خادِم).
هَذاك النهار الشَّوْشانة دَزَّت بنتّا للنَّجْع.. تْجِيْب لها في دَحي.. عندها دجاجة تريد ترَقِّد.. وما عندها شِي دِيْك.. الدَّحي اللي مَو دَحي دِيْك ما يدِير شي طيور.
النَّجْع بعيد.. يلْحظَوا فيه بالعَيْن.. غَيْر ياما دُونه.. وهي ماشية خَطّمَت عَلَيْ هَذِيْك النخلة العَطْشانة.. حذاها بِيْر.. قالت لها: (اسْقِيْنِي.. الله يسْقِيْك مِن بِيْر زَمْزَم).. سقَتّا.. صَبَّت عَلَيْها دَلْوَيْن والاَ ثلاث مِن هَذاك البِيْر.. قالت لها النخلة: (الله يَجْعَل طُولِي في سوالفِك مَو في طُولِك).. تَمَّا شعَرها طويل.. ينُوْش في أَقْدامها.. ومشَت.
خَطّمَت عَلَيْ هَذاك الغراب جناحه مَكْسُور.. قال لها: (جَبّرِيْنِي.. الله يجْبِر خاطرِك).. جَبّراته.. قال لها الغراب: (الله يَجْعَل سوادي في عيونِك مَو في لَونِك).. تَمّن عيونها سود.
خَطّمَت عَلَيْ هَذِيْك الرّخَمة كراعها مَكْسُور.. قالت لها: (جَبّرِيْنِي.. الله يجْبِر خاطرِك).. جَبّرتّا.. قالت لها الرّخَمة: (الله يَجْعَل بياضِي في لَونِك مَو في عيونِك.. واجْعلِك كَيْ شَمْس الطّياح وان غروبها).. تَمّا لَونها أَبْيَض بحمْرة.. كَيْ لَون الشَّمْس وان الغروب.
جابت الدَّحي.. وجَت لامّها سَمَّتّا (شَمْس اطْياح).. ضَرّتّا انقهْرَت.. قالت لبنتّا: (حَتَّى انْتِي عَدِّي للنَّجْع جيبِي لي دَحي.. والله ما ها الْخَدَم دجاجتِّن تدير رقاد قبل دجاجتنا.. وبالِك تَوّا تردِّي أسْمَح من شَمْس اطْياح).
عَدَّت البنت.. وهي ماشية خَطّمَت عَلَيْ هَذِيْك النخلة العَطْشانة.. حذاها بِيْر.. قالت لها: (اسْقِيْنِي.. الله يسْقِيْك مِن بِيْر زَمْزَم).. شربَت.. وسَيّبَت النخلة عَطْشانة.. قالت لها النخلة: (الله يَجْعَل طُولِي في طُولِك مَو في سوالفِك).. تَمَّت طويلة نَدْنُوْد.. وشعَرها قْصَيِّر ما يطول حَتَّى في نواوِيْر خدُوْدها.. ومشَوِّك تقول شبْرقة.. ومشَت.
خَطّمَت عَلَيْ هَذاك الغراب جناحه مَكْسُور.. قال لها: (جَبّرِيْنِي.. الله يجْبِر خاطرِك).. ضرباته عَلَي جناحه.. قال لها الغراب: (الله يَجْعَل سوادي في لَونِك.. مَو في عيونِك).. تَمَّت سَودا تقُول حَمّاس.
خَطّمَت عَلَيْ هَذِيْك الرّخَمة كراعها مَكْسُور.. قالت لها: (جَبّرِيْنِي.. الله يجْبِر خاطرِك).. تفلَت عَلَيْها ـ حاشا السامعين ـ قالت لها الرّخَمة: (الله يَجْعَل بياضِي في عيونِك مَو في لَونِك).. تَمَّن عيونها بِيْض تقول ملْحات.. انفضْحَت.. لاعَد قدْرَت تمشي للنَّجْع.. ولاعَد قدرت ترِدّ عَلَى امّها.. خايفة م الشّماتة.. قعَدَت بَيْن البَيْنَيْن.
ونا جِيْت جاي.. وهم عَدَّوا غادي.
مَرْحَبة بِك.. انتِي خَيْر منهم.

14 مايو، 2010

عقيلة يفوز بجائزة ناجي نعمان لعام 2010

جوائز ناجي نعمان الأدبيَّة لعام 2010

تتوِّجُ سبعةً وأربعين فائزًا جديدًا
بلغَ عددُ المرَشَّحين المُتقدِّمين لنَيل جوائز ناجي نعمان الأدبيَّة للعام الحالي 1012 مشتركًا ومشتركة، جاءُوا من إحدى وخمسين دولة، وكتبوا في ثماني عشرة لغةً ولهجة، هي: العربيَّة (الفصحى والمَحكيَّة في أكثر من لهجة)، الفرنسيَّة، الإنكليزيَّة، الإسبانيَّة، الرُّومانيَّة، الهُلَّنديَّة، الدَّنمركيَّة، التُّركيَّة، البلغاريَّة، الأسوجيَّة، البرتغاليَّة، الصِّربيَّة، الألبانيَّة، الأُزبِكيَّة.
وأمَّا قِطافُ هذا الموسم (الموسم الثَّامن) فجاءَ جوائزَ نالَها سبعةٌ وأربعون فائزًا وفائزة، وتوزَّعت على النَّحو الآتي:
1- جوائزُ الاستحقاق:
فلورينا إيزاشي (رومانيا)؛ فيصل مروكي ومحمَّد بن عاشور (تونس)؛ سعيد المغربي (مصر-أوزبكِستان)؛أحمد مذكوري وعمر قوسيح (المغرب)؛محمود عبد القادر ومحمَّد مسرجة (مصر)؛ سهام اليندوزي (المغرب-فرنسا)؛ إسماعيل القطعة (الجزائر)
.2 - جوائزُ الإبداع:
أندرِيا رادولوفيتش (المُنتِنِغرو)؛ كُنْسْتَنْتِن ت. سيوبوتارو وميهايلا بُرلاكو وجورج باداراو (رومانيا)؛ ميشال داشي (بلجيكا-كندا)؛ روزاريو ألونسو غارسِيا (إسبانيا)؛ جان سيمونو وماري-جوزِه شارِست (كندا)؛ كيث أ. سِمُّندس (بَربادوس)؛ عزيزة رحموني وأحمد شقوبي (المغرب)؛ منية بوليلة وحياة الرَّايس (تونس)؛ علي ظاهر النُّعيمي (الأردنّ)؛ طارق فرَّاج وأحمد كمال زكي وصباح حسني (مصر)؛ رفعت زيتون وطلعت شعيبات (فلسطين)؛ مروان ياسين الدُّليمي (العراق)؛ سعد العميدي (العراق-أسوج)؛ محمَّد علي سعيد والتَّوأم الباشق محمَّد بلغيث ويوسف الباز بلغيث ( الجزائر)
3- جوائزُ التَّكريم (عن الأعمال الكاملة):
نالَها كلٌّ من الشَّاعر والقاصّ الفرنسيّ أوليفيِه بيدشيرين؛ والمؤلِّف والممثِّل الفرنسيّ-الجزائريّ طيِّب بلمِهوب؛ والشَّاعر الفرنسيّ-اللُّبنانيّ إيصال صالح؛ والزَّوجان الشَّاعران الفنَّانان الفرنسيَّان سيمون غبرييِل ومَرْتِن غبرييِل؛ والأديبة الإسبانيَّة لوردِس آزو تورَلبا؛ والكاتب والفنَّان التَّشكيليّ المغربيّ عبد المجيد بن جلُّون؛ والكاتب والشَّاعر المغربيّ عبد الواحد بناني؛ والشَّاعر والرِّوائيّ المغربيّ محمَّد الصِّيباري؛ والكاتب اللِّيبيّ أحمد يوسف عقيلة؛ والكاتب الرُّومانيّ ميهاي-أثانازي بِترِسكو؛ والشَّاعرة والرِّوائيَّة الرُّومانيَّة كليوباترا لورِنسيو؛ والشَّاعر وفنَّان المَرئِيَّات الرُّومانيّ كُنْسْتَنْتِن سِفِرِن.
هذا، وسيتمُّ خلال شهر تمُّوز المُقبِل نشرُ الأعمال الفائِزَة، جزئيًّا أم بالكامل، في كتاب الجوائز لهذا العام من ضمن سلسلة "الثَّقافة بالمَجَّان"، كما ستوزَّعُ الشَّهاداتُ الخاصَّةُ على الفائزين، علمًا بأنَّ تلك الشَّهادات تمنحُ هؤلاء عضويَّةَ "دار نعمان للثقافة" الفخريَّة. والمعروف أنَّ جوائزَ ناجي نعمان الأدبيَّة تهدفُ إلى تشجيع نشر الأعمال الأدبيَّة على نطاقٍ عالميّ، وعلى أساس إعتاق هذه الأعمال من قيود الشَّكل والمضمون، والارتقاء بها فكرًا وأسلوبًا، وتوجيهها لما فيه خَير البشريَّة ورفع مستوى أنسَنَتها.

13 مايو، 2010

البندقيّة

1
... اختفت السماء في ذلك اليوم.. حجبتْها غيوم سوداء قاتمة.. مع حلول المساء ومض البرق وقصف الرعد.
فزِعت أُمِّي.. قفزت حافية.. أتت بصُرّة الإكليل.. حلّت العُقدة بأسنانها على عَجَل.. وضعت قَبسة من المسحوق في الكانون.. أغمضت عينيها.. رفعت يديها إلى السماء.. بدأ الدخان يتصاعد في أرجاء البرّاكة.
2
... تساقطت زخّات المطر الأولى.. أحدثت دويًّا فوق سطح الصفيح.. لمع البرق.. أدخلت أُمِّي أصابعها المرتجفة في الصرّة مرّةً أخرى.. هَزّ الرعد أركان الكوخ.. وجنبات الوادي.. الْتَهَم الكانون مزيداً من الإكليل.
اشتدَّ رَخّ المطر.. استمر البرق يضيء.. والرعد يُغربل جسد أُمِّي.. حتى أتَى على آخر قَبسة من إكليلها.. فقلَبت بقايا الصرّة وأخذت تَحتّها فوق الجمْر.
3
... في منتصف الليل توقف المطر.. كنت أسمع هدير السيل في أَجراف الوادي.. وتساقط القطرات من زوايا البرّاكة.. ومن الصنوبر المقرور.. والجداول المُزغردة عقب الصحو.. واختلاجات الأعماق البُور تتشرّب البلَل.. ونداءات الذئاب.. أكثر المخلوقات فَرحاً بالمطر.. ومن بين فَرَجات الغيوم تسلّل القمر.. وتبعثر أقماراً في الغدران.
4
... نامت أُمِّي...
منذ زمنٍ كنتُ أنتظر هذا السيل.. وهذه اللحظة بالذات.. حين تنام أمي.
أنزلتُ بندقية أبي العتيقة.. التي حارب بها الطليان.. ثم حارب بها الأحباش في (بَرّ الحَبَش).. ثم حارب بها الحلفاء في (العلَمَين).. خرجتُ بخُطىً حذرة.. انحدرتُ نحو الوادي.
البندقية ثقيلة.. أخذتُ أُبدّلها بين كتفَيّ.. هذا ما تركه لي أبي.. منذ الخريف وأنا لا أعرف ماذا أفعل بهذا الإرث.. في حين كانت أُمِّي تنظر دائماً إلى البندقية القديمة.. المُعلقة في الزاوية إلى جوار قبضة السنابل.. تتنهد طويلاً.. وتظل ساهمة.
... أشرفتُ على الجُرف.. السيل تحتي مباشرة.. في هذا المكان يتسع الوادي ويزداد عمقاً.
تحسّستُ البندقية.. وزنتها بين يدَيّ.. ثم.. تركتها تسقط في الهاوية.. أَصَخْتُ.. حتى سمعتُ صوت الارتطام.. ثم طغى هدير السيل على كل شيء.
***
(1995)

08 مايو، 2010

الفُقّاعة

(في كوبا بدا وكأنّ رجال الثورة يُفكِّرون في أَنَّهم سيجدون حَلاًّ
ـ حتى لمشكلة نُدْرة الحليب ـ بإطلاق الرصاص).
(ماركيز).
( ف )
... الجنرال هذه الليلة في مزاجٍ رائق.. حتى إنّه خلع البذلة العسكرية بكل أنواطها الملونة.. ارتدى بذلة عربية.. أصيلة.. بيضاء .. زبدة.. فضفاضة.. تخلى عن عصا الشرف أيضاً.. استبدلها بِمسبحة مزخرفة.. يُمرّر حَباتها باستمتاعٍ ظاهر.. فَضّل الجلوس على كرسي فوق مصطبة في طرف الساحة.. تحت وهج الكشافات المنصوبة على أعمدة طويلة.. بحيث تلاشت جميع الظلال والنقاط الْمعتِمة في الزوايا.. يسأل:
ــ أين الجماهير؟ أين الشعراء؟
( ق )
... الشعراء يقفون صفاً مُنحنياً تجاه الجنرال.. معظمهم يحمل مُسوّدات المديح.. يتخلّلها الكثير من الشطب.. لم يتسع لها الوقت للتبييض.. فلَم يُعلَن عن المسابقة إلاّ قبيل المغرب.. رجال الأمن يُشكّلون سوراً نصف دائري خلف الشعراء.. وراء حاجز الأمن المنحني تحتشد الجماهير الهاتِفة.. تترقَّب بشغف بدء المسابقة.
( ا )
... الجنرال ينظر إلى السماء مُضيّقاً عينيه.. واضعاً رِجْلاً على رِجْل.. شابكاً يديه حول ركبته.. متأرجِحاً قليلاً.. دون أن ينظر إلى الشعراء يقول:
ــ مللتُ سماع الشعْر.. أريد شيئاً مختلِفاً هذه الليلة.. أنا سأقترح المسابقة.
( ق )
... يُحضر أحد رجال الأمن سطلاً مملوءاً بالماء.. يرش فيه عُلبة كاملة من مسحوق الصابون.. يضع فيه قَصَبة طويلة.. علامات الاستفهام التي تزدهر مع شيءٍ من الخوف في رؤوس الشعراء.. تزدهر أيضاً في رؤوس الحشد.. وتثمر الكثير من الهمس والوشوشة.
( ي )
... يقول رجل الأمن:
ــ اسمعوا.. كلّ شاعر ينفخ في هذه القَصَبة.. ويُخرج أكبر فقّاعة بحيث تنعكس فيها صورة الجنرال سيكون الفائز.. الزمن ثلاث دقائق فقط.
( ع )
... تبدأ فعاليّات النفخ والبقبقة.. تنتفخ وجوه الشعراء.. تتكوّر.. تنفر العروق في الرِقاب.. تَجحظ العيون.. الفقاقيع تتصاعد.. تنفثئ فجأة.. قبل أن ترتفع إلى مستوى وجه الجنرال.. يتآكل طابور الشعراء.. يستجمع آخرُ الشعراء أنفاسه.. يَملأ صدره.. ينفخ.. تصدر غَرغَرة أشبه بالنباح.. يلهث.. يلهس.. يتدلّى لسانه.. يسيل لُعابه.. ينفخ نفخة طويلة.. تصعد فقّاعة ضخمة.. تصعد معها صيحة عالية من الحشد.. رجال الأمن يَدعمون تلك الصيحة بشيءٍ من الهمهمة.. يتطلع الجنرال باهتمام.. تتأرجح الفقّاعة.. تحلّق.. تَهبّ نسمة خفيفة.. ترتجف الفقّاعة.. تنفجر مُحدِثة طرقعةً كبيرة.. يقعقع السلاح.. سياج الأمن يلتف حول الجنرال مُصَوّباً البنادق إلى الحشد المذعور.. وإلى السماء المحجوبة خلف سطوع الضوء.
***
(2006)

05 مايو، 2010

إصدارات..

عن دار الحوار باللاذقية سوريا..
صدرت في أبريل 2010 الطبعة الثانية من المجموعتين القصصيتين:
ــ عناكب الزوايا العليا.
ــ الخيول البيض.

04 مايو، 2010

المعنى وبطن الشاعر

هل صحيح أنّ المعنى في جَوف الشاعر أو في بطنه.. أو في أي عضو آخر من أعضائه؟! هل الشاعر أو المبدع عموماً وَصِيّ على المعنى؟ ألا يُمكن أن يقول النَّصّ معانيه التي تقتضيها تراكيب اللغة وسياقاتها.. بغضّ النظر عن قصد المبدع؟ أين القراءات المتعدِّدة للنَّصّ الواحد؟ أين اللاّوعي؟
دعونِي أسرد لكم هذه الحكاية التي قد تُعِيْن على إجابة الأسئلة السابقة: (كان أبونواس يسير في الشارع.. فسمع أحد المعلِّمين يسأل تلاميذه: لماذا قال أبونواس "اسقني خمراً وقل لِيَ هي الخمر"؟ فحاول التلاميذ الإجابة.. لكنّ إجاباتهم لَم تقنع المعلِّم.. فأجاب بنفسه قائلاً: حين تأتيك الخمرة فأنت تراها وتشمّها وتلمسها وتذوقها.. فهذه أربع حواس.. لازالت الحاسّة الخامسة.. حاسّة السمع.. لذلك قال أبو نواس: وقل لِيَ هي الخمرُ.. لأنه أراد أن يستمتع بالخمر بحواسّه الخمس.. ففتح أبو نواس الباب وقال للمعلِّم.. والله لقد أحسنتَ التعليل.. وإن كنتُ لَم أقصد هذا المعنى).
هذا المعنى الجميل لَم يكن في جَوف أبي نواس أو في بطنه.. ودلالة هذه الحكاية تقودني إلى مزيد من الأسئلة: هل صحيح أنّ المبدع يجب أن يدافع عن نَصّه؟ أم أنّ النَّصّ كفيل بالدفاع عن نفسه؟ ماذا يُجدي الدفاع عن نَصّ لا يقول شيئاً؟ ورولان بارت يرفض تفسير العمل الأدبي من خلال منتجه.. وهو ما أسماه موت المؤلِّف.
لديّ حكاية أخرى: حين قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (لا يسقي أحدُكم زرعَ غيره).. قال بعض الورعين الذين يسقون زروعهم في الوادي: عندما تفيض علينا المياه نسرّحها إلى جيراننا ونستغفر الله)! هذا مثال على القراءة الخاطئة للنَّصّ.. لأنّها وقعت في شِراك ظاهر الكلمات.. رسول الله كان يقصد العِدّة.. أي أنّ المرأة حين يموت زوجها أو تُطلَّق فيجب أن تبقى مدّة العِدة المعروفة قبل أن تتزوّج.. لأنّه إذا تبيّن أنّها تحمل جنيناً فهو (زرع) الزوج الأول.. الذي لا يصح أن يسقيه الزوج الثاني حتى لا تختلط الأنساب.
لديّ حكاية ثالثة.. فشهيّتِي انفتحت للحكايات: (حين سمع عَدّي بن حاتِم الآية الكريمة: (فكلُوا واشربوا حتّى يتبيّنَ لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ من الفجر).. وضع إلى جانبه قبل أن ينام خيطين.. واحداً أبيض.. والآخر أسود.. وكان في كل مرّة يستيقظ ينظر إلى الخيطين في الظلمة.. وحين عَلِمَ رسول الله بذلك.. استدعاه وقال له: إنك امرؤ عريض القفا)!!
هذه أيضاً مشكلة ظاهر النَّصّ.. وعلى الرغم من أنه نَصّ قرآني.. إلاّ أنه نزل بالعربية.. ولابُدّ أن يُفهم وفق أساليبها.. ودلالة ألفاظها.. فحتّى النَّص القرآني يخضع لقراءات متعدِّدة.. نقصد من حيث التأويل.. وليس من حيث القراءات والروايات المعروفة للقرآن.. لذلك قال علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ عن القرآن بأنّه (حَمّال أَوْجه).. ومن هنا أيضاً جاء اختلاف المفسرين والفقهاء في استنباط بعض الأحكام من الآية الواحدة.. فعذراً للشاعر.. ولأيّ مبدع.. المعنى في بطن النّص.. وليس في بطن أحد.
***

03 مايو، 2010

الَخُروج من الغابة

1
... في البدء كان الكَلْب في الغابة...
... الذئب والكَلب يُقعيان فوق الحافّة الصخرية التي تظلِلها الأغصان.. يراقبان الراعي في الأسفل حيث تنحسر الغابة.. ويمتد سهل مُعشِب.. ينحني متوكئاً على عصاه.. يتلفت ناحية الأدغال.. يصفر.. يُلقي بالأحجار أمام الماعز.. ويصرخ أحياناً.
قال الذئب:
ــ أترى تلك العَنْز التي ولدت لتوِّها؟ سآخذ جَديها عند حلول المساء.
حَكَّ الكلب رقبته مُصدِراً أنيناً متقطعاً:
ــ سيكون هذا مثل المرّات السابقة.. يتفطن لك الراعي.. يُحاصرك بين الصخور.. ويُوسعك ضرباً بعصاه.
لعق الذئب أثر الجرح على ساقه.. وقال:
ــ كان ذلك في القمراء.. أمّا الليلة فالأمر يختلف.
ــ الراعي أكثر حذراً في الليالي المظلمة.
ــ مهما يكن.. سأتمدد هنا.. وأكتفي بمراقبة ذلك الجدي حتى الليل.. انظرْ إليه وهو يحاول النهوض.. لا يزال البخار يتصاعد من ظهره.
تثاءب الكلب ثم نهض:
ــ أمّا أنا فلن أستطيع الصبر على الجوع حتى المساء.. أمعائي تقرقِر.. سأنزل.
ــ في النهار؟!
ــ كفانا تشرداً.. سأعقد صفقةً مع الراعي.
أخذ الكلب ينزل بحذر.. صرّ الذئب على أسنانه:
ــ هذا جنون.. الراعي لا أمان له.
ــ أمعائي تقَرقِر.
ــ أتتخلى عن الغابة؟
ــ أمعائي تقَرقِر.
ــ أتتركني؟
ــ أمعائي تقَرقِر.
ــ غبي.. غبي!
أومأَ الكلب برأسه إلى شجرة العرعر وقال:
ــ سئمتُ أكل الزنباع.
2
... عينا الذئب خلف الصخرة..
الراعي يتناول عشاءَه.. اللهب ينعكس على مؤخرة الكلب.. ووجهه غائب في الظلمة حيث يوجِّه نباحه إلى الغابة.. يقطع النباح.. يهز ذيله.. يلتقط العظم.. يتمدَّد قرب النار فتضيء وجهه.. ينهض مرَّةً أخرى نابِحاً نحو الظلمة.
3
... وثب الكلب إلى الناحية التي جفل منها الماعز.. اشتمّ الرائحة.. أخذ دورة واسعة.. وفي لحظة كان وجهاً لوجه مع الذئب.
ــ أعرف كل مساربِك.
ــ يبدو أنّ أمعاءك لا تزال تقرقِر.. لا تكذب.. رأيتُ كل شيء.. أهذه هي الصفقة؟!
ــ لم أكن أعرف معنى الدفء قبل النار.
ــ ألم تعد تحسِن العواء؟
ــ الماعز لا يستأنس بالعواء.
ــ ولماذا تهز ذيلك كثيراً؟ هل هي عادة اكتسبتها أيضاً؟ ثم أين وَبرك الرمادي؟
ــ الراعي لا يحب الوَبر الرمادي.
ــ كلّ هذا حدث في عشيّة واحدة! هكذا إذن.. في الليل حارس.. وفي النهار ناعِس.
ــ دفء النار لا يعدله شيء.. سئمتُ الليالي الباردة المطيرة.. أَبِيتُ مقروراً وأمعائي خاوية.. بإمكانك أن تتبعني.. جرّب مرة واحدة دفء النار.
كشّر الذئب:
ــ النار مُغرية حقًّا.. ولكن ابتعد عن طريقي.
ــ ماذا ستفعل؟ هل ستأكل الزنباع؟
التفت الذئب:
ــ أتعرف ماذا سأفعل؟
صمت قليلاً.. ثم أضاف:
ــ سأعوي.. سأعوي وأُنصت إلى صدى عوائي تردده الغابة.
اتجه إلى الغابة.. وقال في الظلام:
ــ بالمناسبة.. نباحك مزعِج.
***
(2004)

30 أبريل، 2010

لماذا نَكْتُب؟

لماذا كتب الإنسان الأول؟ لماذا حفر كلماته ورموزه على جدران الكهوف؟ هل الكتابة جزء من محاولات الإنسان الدؤوبة للخلود؟ لماذا هذا التجسيد؟ هل الكتابة إيجاد شكل ملموس للمهموس؟ حين بدأ الإنسان يحفر على الجدران بأدوات حادة وبحواف صخور مدبَّبة.. هل كان نوعاً من الحفر في المعنى؟ أم كان بحثاً عن شكل أكثر ثباتاً؟ هل هو اتّهام للذاكرة التي يعتريها النسيان؟ الصخر ذاكرة مكشوفة.. وأكثر دواماً.. والسؤال هنا عن الكتابة الإبداعية تحديداً.. هل الكتابة نوع من إيصال رسالة إلى الآخر؟ (أُحاول دائماً أن أوصل شيئاً غير قابل للتوصيل) كما عَبّر كافكا.. هل للعبادة أثر في ذلك؟ كما قال كافكا أيضاً: (الكتابة شَكل من أشكال الصلاة).. هل هي نوع من التنفيس كما يقول همنجواي: (نكتب لكي نطرح عنا قلقنا).. هل طرح القلق سبب كافٍ للكتابة؟ أم هي أحد عوامل البقاء.. كغريزة الخوف التي تحفز الكائن على الهرب بعيداً عن الخطر.. يقول كافكا: (أنا أكتب بالرغم من كل شيء.. وبأيّ ثمن.. فالكتابة كفاحي من أجل البقاء).. لماذا نستبعِد المتعة؟ أليست الكتابة الإبداعية شكلاً من أشكال ممارسة المتعة؟
استوقفتني عبارة لجون رسكين: (إن الغروب الإنجليزي قد أصبح أكثر روعةً بعد أن سجّله تيرنر في لَوحاته).. اللوحة شكل من أشكال الكتابة.. فهل نكتب لتجاوز الواقع؟ لخلق عالَم أجمل؟
هل الكتابة نوع من الفَضح؟ في مجتمعنا يتحدثون شفوياً عن كل المحاذير.. خاصة الجنس والدين.. عندما تسمع حكايات الناس عن الجنس تسمع العجب.. لكن عندما نكتب عن هذه المحاذير تقوم الدنيا.. ونتهم بالفسوق والمروق.. إلى آخر قائمة التهَم.. كأنّ الاعتراض هنا على (فِعل الكتابة) لا على مجرد الكلام. هل الكتابة نوع من إثبات الذات؟ (إذا وُجِد ما يُمكنه أن يَمنعك عن الكتابة.. فأنت لستَ كاتباً) كما يقول سارويان.
هل الكتابة نوع من القتل والانتقام؟! أنا شخصيًّا حين أنتهي من كتابة القصة في شكلها النهائي يغمرني شعور بالانتصار.. ومن هنا يُمكنني أن أفهم قول وليام سارويان: (إن كتابة قصة أشبه ما تكون بهزيمة عدو).
ويظل السؤال الذي لَم تُقنعني جميع الإجابات عنه على كثرتها: لماذا نكتب؟
***

28 أبريل، 2010

الغَيث

1
... مساءً.. كن يتناولن الشاي في بيت ونِيْسة.
جعلت ونِيْسة من طرف كمِّها وقاءً.. أنزلت البرّاد من فوق الكانون.. رفعت الغطاء.. فتصاعد البخار اللذيذ.. واختلط برائحة القمح المُحمَّص.. وهي آخر حفنة من القمح المستورد.
2
... طلبن من محبوبة أن تستطلع التاقزة عن المطر.. وهل سيستمر الجدب؟ أم أنّ الغيث هذا العام سيضع حدًّا للسنين العجاف؟
أوقفت محبوبة مَلاكها العاري ـ كما كانت تسمِّي حفيدَها ـ فوق يدها اليسرى.. أسندته بيدها اليمنى.. ضغطت بأنفها وشفتيها تحت سُرّته.. أغمضت عينيها وهي تشمّه وتقبّله بصخب.. ثُم اكتسى وجهها سِمة جادّة.. وحرّكت شفتيها ببعض الكلمات المبهمة.
أراد الطفل أن يرفع قدمه اليسرى.. فقبضت عليها.. وأخذت تدغدغه وتميل يدها.. وتحاول الإيحاء إليه بأن يرفع قدمه اليمنى.. فابتسم في وجه جدته العابس.. عبوس المواسم المُجدبة.
فجأةً.. وقعت المعجِزة.. كما هو حال المعجزات دائماً.. هطل الغيث.. نبع من الأسفل.. من بين فخذي الملاك العاري.. شلاَّلاً دافِقاً فوق وجه جدته.. وسط الصرخات والضحكات.. لكن وجه محبوبة ظلّ صارماً.. وهي تحاول أن تسترجع نبوءتها الممزوجة بطعم البول!
***
(1997)

27 أبريل، 2010

في معرض تونس للكتاب 2010

أمام شوبان.. في جناح الاتحاد الأوروبي.. عدسة احمد العريبي

مع القاص التونسي سعيف علي
في مدخل المعرض مع القاصين: سالم الأوجلي وسعيف علي
في جناح ابوظبي

الموكِب

1
... في انتظار موكب جلالته.. الشارع مُسيّج بالبذلات المرقطة.. الخوذات.. البنادق.. الهراوات.. شجرة التوت على الرصيف يتسلقها الأطفال.
2
... يَمُرُّ موكب جلالته الضاجّ.. يلوّح بقبضتيه من فوق السيارة المكشوفة.. تتطاول الأعناق من خلف فوهات البنادق.. تهبّ دفقة ريح.. تمتلئ عباءته بالهواء.. وعلى الرصيف تسقط متأرجحة بعض أوراق التوت.
***
(2010)

22 أبريل، 2010

شَفافِية

1
... السيارة أمام البيت الرخامي ذي الطابقين.. السائق يمسح زوايا الزجاج الأمامي التي لا تطالها المسّاحات.
2
ارتدى بذلته الزرقاء المكوية بعناية.. قال يُحدِّث نفسه:
ــ القميص الأبيض سيكون لائقاً مع البذلة.. خاصة مع رباط العنق الأزرق.. فتبدو اللبسة بهذا التبادل: أزرق.. أبيض.. أزرق.. فإذا أضفنا الحذاء الأسود اللامع فإنني دونَ شَكّ سأسرق الأضواء هذا اليوم.. يبدو أنّ الأضواء بدورها تتطلَّب سرقة!
فرقع أصابع يديه.. وقف على مشطَي قدميه وفرقعهما.. ثم فرقع عنقه أيضاً.
ــ لا بأس لو تأخرت.. خَلِّيْهم يَرْجَوا.. فالاجتماع لن يبدأ بدوني على كل حال.. سيبقى الكرسي على رأس الطاولة شاغراً.. وهم ينظرون إلى ساعاتهم قلقين.. وعندما أفتح الباب سيلتفتون جميعاً ناحيتي.. يا لها من لحظة!
مسح على صلعته قبل أن يتقدَّم ناحية المرآة.
ــ للصلعة إيجابياتها.. فهي تُريح من عناء التمشيط.
وقف أمام مرآة المدخل.. مسح عينيه.. ضيَّقهما.. مسح المرآة بظاهر يده.. نفث البخارَ على سطحها.. لكن لا أثر لصورته.
ــ ما هذا؟ ما الذي أصاب هذه المرآة اللعينة؟ كيف تكون ساطعة إلى هذا الحَدّ.. تعكس كل شيء.. الساعة الحائطية.. المزهرية.. شجرة الرمّان التي تهتز خارج إطار النافذة.. بل وحتى هذه الذبابة الحقيرة التي حامت حول صلعتي وحطَّت لتوِّها خلفي على الجدار.. والتي يُفترَض أن أحجبها بكتفَيّ.. لا شك أنها الشفافية التي يتحدثون عنها! ها أنا قد حقَّقتُها دون عناء.
جاء صوت السائق من الشارع:
ــ السيارة جاهزة.
نظر في المرآة نظرة أخيرة.. جثا.. نهض مرَّة أخرى.. لكن لا جدوى.
كوَّر قبضته وسدَّدها إلى المرآة.. انحنى لينظر في الشظايا المبعثرة.. تملَّكه الغضب.. فأخذ يدهس الشظايا التي لم تكن تعكس سوى الثريّا المتدلية من السقف.
(2001)

20 أبريل، 2010

الغَدِيْر

بِرْكة في الجبل الأخضر.. عدسة عقيلة
1
... سماء مُثقلة بسحبٍ تسفعها الريح.. وبروق لامعة.. تهبط الغيمة.. تسيل في السفوح والمنحدرات.. تُسَرسِق.. تلثم الحصى.. تُوسوِس.. تتقافز فوق الصخور.. تصنع شلالاتٍ صغيرةً تنتهي برغوة ناصعة.. تتجمّع في الجُرْف.. تنحدر نحو قاع الوادي.. تجرف الضفاف الطينية.. ثم تتمدّد غديراً داكناً كَدِراً.
أول ضفدعٍ دخل مَنقع السيل أطلق البشارة.. تخلّت الغيمة عن بروقها اللامعة.. استبدلتها بالضفادع المُزغردة.. زغرودة الضفدع لا تقلّ بهجةً عن وميض البرق.. الزغرودة بَرق رنّان.
2
انحدر الكدَر نحو القاع.. بدأ الغدير يصفو.. حفنة من الطهارة في صدر الوادي.. تحت الأرض تتجه الجذور ناحية النداوة.. القبّرات تغطس.. تنغمس في الماء.. وتُفلّي ريشها.. العناكب تنسج بيوتها في الفجوات القريبة.. الهداهد تبني أعشاشها في تجاويف الصخور المُطلّة على الحواف المُعشِبة.
في النهار يعكس الغدير ألوان السحب العابرة.. وفي الليل ينْزرع بالنجوم.. ويتحوّل إلى قطعة من السماء في قلب الوادي.
تعطّرت المنحنيات.. انتشرت الخُضرة الداكنة على الضفاف.. وامتدّت الأغصان المُورِقة تُظلّل جوانب الوادي.
3
... وقف على حافّة الغدير.. تطلّع إلى صورته يعكسها السطح اللامع.. الْتقط حَجَراً.. رماه في الوسط.. تغضّن السطح المصقول.. تلاحقت الدوائر.. تموجت صورته.
... انتظَرَ حتى عاد السطح إلى صفائه.. ثم.. أخذ يبول...
ارتجّ الغدير.. ناثِراً الرذاذ البارد.. ارتجف.. فاض.. تَقلّع.. أحدث لَقلقة وهو يصعد إلى السماء.. عاد غيمةً بيضاءَ تسبح في الأفق الرحب.. مُخلّفاً وراءه أوحالاً لزِجة.. امتزجت بسائل كريه الرائحة.
***
(1998)