24 يناير، 2010

البَدْر

1
... قمر الحصيدة يبدو مختلفاً هذه الليلة.. وهو يصعد فوق حافة الوادي.
داخل بؤرة الضوء.. شيء مُعتِم.. مُعلَّق.. كجسدٍ مصلوب.. الكلاب ـ بحسّها الغريزي ـ شعرت بوجود أجواء عدائية.. فأخذت تهرّ.. وهي تدسّ ذيولها بين أرجلها.
أنزل المصلوب يديه.. ضمّهما إلى صدره.. هبط.. انحنى.. تَمَطّى.. ثم شرع يمشي خلال الغابة.. نبحت الكلاب بوحشية.. وهي تحفر الأرض بأرجلها وتتراجع.. جنادب الحقول كفّت عن الإنشاد.
2
... تجمّعوا في طرف القرية.. يترقبون بفضول.. وخوف.. بعضهم اعتلى سطوح المنازل.
ــ إنها تقترب.
ــ أراها بوضوح.
ــ يا للفظاعة.. إنها عارية تماماً.
ــ وشعرها منفوش.
ــ هي هكذا دائماً.
3
... أفسَحوا لها.. الْتصَقوا بالجدران.. تمشي ببطء.. تتلفّت.. تتصفح الوجوه.
ــ لماذا تنظرون إليَّ هكذا؟ لا تقولوا لي بأنكم لم تروا امرأة عارية من قبل.. ملائكة! أنتم هكذا.. لا هَمّ لكم سوى هذا الشيء.. إذا كنتم لا تتضاجعون فأنتم تتحدثون عن المضاجعة.. وحتى في أعراسكم تتجمّعون بدافع الغريزة.. كما يحدث في مجتمع الكلاب.. واحد فقط هو الذي يَعْلَق بالكلبة.. بينما يكتفي الآخرون بالفُرجة وهم مستنفَرون.. تفو.
صالبت ذراعيها فوق نهديها..
ــ جئتُ قبل كل شيء لأتفقّد ممتلكاتي.. الواحد لا يفقد حقه في ممتلكاته لمجرد أنه اقترف خطيئة.. وأية خطيئة؟ علَّقتموني من ثديَيّ من أجل ماذا؟ لأنني مسحتُ عورة طفلي بالخبز؟ أمِن أجل خطيئة صغيرة كهذه أُشنَق في القمر إلى الأبد؟ ولماذا في القمر بالذات؟ ثُمّ إن الأطفال لا عورات لهم.
اقتربتْ من شيخ القبيلة.
ــ أنت يا ذكَر الجران.. أنت كفيل بتضليل الشيطان نفسه! أقسم أنك أنت مَن استولى على بيتي.. وسرق دجاجاتي وأرانبي.. لقد رأيت كل شيء من هناك.. من فوق.. كان الأجدر بهم أن يشنقوك أنت الآخر.. أنا لم أُشنَق لأكفّر عن خطايا الجميع.
قال ساخراً:
ــ أنا ليس لدي ثديان يُعلّقونني بهما.
ــ ليس من الضروري أن يُعلَّق المرء من ثدييه.. لن يعوزهم المكان الذي يُعلّقونك منه!
تعالت قهقهات في الخلف.. تسلل البعض مُبتعدين.
ــ إنكم تُشعِرون المرء بالرغبة في التقيؤ.. تلهثون ليل نهار.. كما يجري قمر المزن.. تجمعون القرش الأبيض لليوم الأسود.. كأن اليوم الأسود لا مفرّ منه.. حتى عُشّاقكم لصوص.. يختلسون النظرات.. يتهامسون.. يرتدون السواد.. يتسللون في أنصاف الليالي.. ويتسوّرون الجدران.
أخذت تمشي دون أن تلتفت إليهم.
ــ أعرفُ أنّ الشآبيب تتحول إلى حقول متموجة من السنابل.. لكنّ غيومكم عندما تهبط تُسرِع إلى البحر.. كأنها تهرب من شيءٍ ما.. لا شيء عندكم يتمّ كما يجب.. خبزكم إمّا أن يكون نيئاً أو محروقاً.. لكنه لا ينضج أبداً.
توقفت.. حكّت شعرها المنفوش.
ــ بالمناسبة.. لازلتم تحتفظون بإحدى عاداتكم القبيحة.. إذا جُرِح أحدكم.. بال له الآخر على جُرحه.. يا لها من حياة.. بَول على جُرح!
بصقت.. أشاحت.. أخذت تخطو مُبتعدة صوب الغابة.. عائدة إلى البدر.. الذي لايزال يتكئ منتظراً فوق حافة الوادي.
... عوى ذئب ثلاث مرات متباعدة.. وخشخشت الأشجار الراجفة في الريح.
(1999)

23 يناير، 2010

النَّمْل

1
... إنه السباق مع الصيف.. حيث الزمن اللاهِث.
الحركة دائبة على طول الدروب وتعرُّجاتها.. كل درب يغصُّ بالأجسام السوداء الصاعدة النازلة.. لا أحد يقف.. لا أحد يَحيد عن الطريق.. حتى أولئك الذين يبدون للوهلة الأولى عاطلين عن العمل.. ولا هَمَّ لهم سوى الرواح والمجيء خاليي الوفاض.. فهم ليسوا كذلك في الواقع.. إنهم حُرّاس النَّيَاسِب.. يتوزَّعون على مسافات محسوبة.. لا يسمحون بأيّ اختراق أَمني!
2
... من بعيد.. عند انحناءة السماء خلف الجبل.. يبرز رتلٌ من السيارات.. يسير ببطء عبر تعرُّجات الطريق الترابي.. أبواق.. زغاريد.. ضوضاء.
3
... يبدو الآيبون مُحمَّلين بمختلف البضائع.. قَشّ.. خافور.. قمح.. شعير.. بل بعضهم يحمل الطرائد.. فهذه عشر نِمال تجرُّ عنكبوتاً.. تلتصق بأرجله.. وقرنَيّ استشعاره.. يبدو ثقيلاً.. لكن الفرائس الدسمة تستحق العناء.
السماء لاهِبة.. الأرض تَلْذَع.. لكنَّ حكمة النمل تقول: (مَن غَلَى دماغُه في الصيف.. غَلَى قِدْرُه في الشتاء).
4
... يقترب موكب العرس.. القوافل في دبيبها الدؤوب.. عجلات السيارات تدوس مسارب النمل.. تقطعها.. تلتئم.. تقطعها.. تلتئم...
ويَمضي العرس عبر ضوضاء الأبواق والزغاريد.. يدهس.. يسحل.. يقطع الطريق.
... يتلاشى الضجيج.. وتلتئم دروب النمل خطوطاً سوداء.. تغصُّ من جديد بالأجسام النحيلة.. الصاعدة النازلة...
***
(2000)

19 يناير، 2010

الصَّرْخة

الصرخة.. إدوارد ميونخ
... جلس على النطع جلسته اليومية المعتادة.. أخذ يطرق على سندانه.
إلى جانبه.. على دفء النطع.. قِطَّة جاثمة.. تفتح عينيها مع كل طَرْقة.
(كم من المسامير دقَّ في أحذية الآخرين!؟).. سؤال يطرحه على نفسه مِراراً.
ألِفتْ يدُه المطرقة.. ألِفتْ ركبتُه الانثناء.. اعتاد ظهره على الانحناء.. ولم يَعُد أنفه يُنكِر رائحة الأحذية.
بدأ ـ كعادته اليومية أيضاً ـ يترنَّم بالأغنية الشعبية المأثورة عند الخرَّازين:
مازلت نشْكي بمشْكاي ... وعنِّي الدباير غابَــــت.
ومازلت نخْرِز بمشْفَاي ... عَلَيْ ركبتي نَيْن عابَت.
ومازلت نَمْسَح بيَمْناي ... عَلَيْ لحيتي نَيْن شابَت.
ثُمَّ توقف فجأة.. عن الغناء.. وعن الطَّرْق.. رفع رأسه.. ملأ صدره بالهواء.. برزت عروق رقبته.. اتسعت عيناه.. و.. صرخ.. صرخ بأقصى ما يستطيع الصوت البشري أن يفعل.
خرجت الصرخة.. صعدت.. تلوَّت.. انداحت عبر شوارع قريتنا.. تنْزلق فوق الجدران المُتقشِّرة.. من تحت زوايا السقوف.. تقتحم الأبواب والنوافذ.. تتسرَّب من خلال الشقوق..
توقفت الملاعق قبل أن تصل إلى الأفواه..
صرخ الجنين الذي كان مُتعسِّر الولادة..
نضجت الأرغفة في التنانير..
في الغُرَف الخلفية تكوَّرت النهود .. انشدَّ اللحم المُترهِّل..
تمزَّقت شِباك العناكب المنصوبة في الزوايا العُليا..
هَرَّت الكلاب.. دسَّت ذيولها بين أرجلها..
شيخ قبيلتنا ـ الذي كان يُعاني من عُسْر الحاجة ـ اندلق كل ما في بطنه فجأة..
في مسجدنا توقفت حَبّات المسابح عن التتابع.
فاضت الصرخة خارج قريتنا...
أطْلع الموتى رؤوسهم.. استندوا على الشواهد..
توقفت قوافل النمل.. اكتظَّت النياسب بالقَشّ..
تفتَّحت البراعم..
تشقَّق البَيض.. برزت مناقير العُصَيفيرات..
تحرَّكت سطوح البِرَك الراكدة.. ارتسمت فوقها الدوائر المتلاحقة.. لقلقت أطرافها المُوحِلة..
ثُمَّ.. سكن كل شيء...
... تابع الطَّرْق على سندانه برتابة.. والقِطَّة الجاثمة على دفء النطع.. تفتح عينيها مع كل طَرْقة.
(1997)

18 يناير، 2010

قَيْلُولة

(إلى عمر الككلي)
1
... نهار قائظ.. قريتنا تلبس ظِلَّها.. الجدران تُصدر وَهجاً.. البوزنِّيْن يئزّ تحت حوافّ السقوف.. الكلاب تغمس أجسادها في الماء الْمُتسرِّب من الْخَزّان الكبير.. تنفض آذانها بفرقعة لتطرد الشّعْران.
2
... الحاج (الصاوي) يبخّ الماء أمام دكّانه.. يُغَطِّي الخضروات بشوال مَبْلول.. يجلس على فراش الإسفنج حريصاً على لَمْس الزُّلَّيْج بقدميه الحافيتين.. يطقطق سبحته.. يتثاءب.. بجانبه قطّة بيضاء تتمدَّد في ظل الباب بالقرب من بلَل الشّوال.
3
... البَقّال يفتح كرتونة الحليب.. يلتقط الورق الْمُقوَّى الفاصل بين العُلَب.. يستخدمه مروحة.
الجزّار يرشّ الملح على القرْمة.. ينشّ الذباب.. يَلْعَن سنسفيل الصيف:
ــ قال لك الصيف ضيف!
الصَّبي الذي يبيع السجائر في زاوية الشارع يحكّ باطِن قدمه.. يفحّ مُغَضِّناً وجهه.
4
... في مَوات القَيلولة تظهر (سعْدَى).. شال أسود مُخَطَّط بالأحمر.. جلباب زَيْتِي.. سبّاط أَحمر.. يُطرقِع حين يرتفع عقبه ليصفع قدمها.
5
... نغم السبّاط يفتَضّ القيلولة.. تَمدّ يدها لتُسَوِّي الشال.. تَبْرق الْحِنّاءُ في كَفّها.. ترفع الكلاب أُنوفَها.. تُدير القِطّة رأسها.. تتوقف حَبّات السبْحة.. باب المجزرة يُحدث صريراً.. في البِقالة تنكسر زُجاجة زيتون.
6
الجَزّار يرفع السّبْسي بين إصبعيه مُخاطباً صبي السجائر من بعيد:
ــ وَلعة.. نار.. نار!
يُلَعِّب الصبي حاجبَيْه.. ويقَهْقه.
يقف الحاج (الصاوي).. ينْهَر الجَزّار:
ـ عَيْب.. الحياء زِينة.
يلْتفت إلى الصبي.. يَهزّ سَبّابته في وجهه:
ـ تحَشَّمْ يا فرْخ.
7
... تتجاوزهم (سعْدَى).. تُدير لهم ظهرها الذي تتأرجح فوقه ضفائر سوداء مع احمرارٍ في أطرافها مندلِقةً من تحت طَيّة الشال.. تغيب في زاوية الشارع.
... الجزّار والبَقّال يتغامزان.. فقد كان الحاج الصاوي يُطقطق سبحته على إيقاع السبّاط الذي لا يزال عالقاً في سراب القيلولة.
***
(2007)

17 يناير، 2010

الْمستجِدّ

ا
... هذا هو اليوم الأوّل لنا في التدريب كأفراد شرطة.. يَحلقون رؤوسنا.. يُصلّعونها.. الشَعْر المدنِي الذي ينمو كما يحلو له يجب أن ننساه إلى الأبد كما قال الحلاق.. يُوقفوننا صفاً في الساحة المفروشة بالحصى الأبيض المدبب.. فاصل من التوبيخ.. قاموس من الشتائم.. يأمروننا بوضع أيدينا متشابكة فوق رؤوسنا.. والمشي على رُكبنا التي تنحسر عنها السراويل.
أرمق اللافتة المنصوبة في طرف الساحة: (الأمن مسؤوليّة كلّ مواطن).. أتساءل: (هل مسؤوليّة المواطن الأمنيّة تقتضي أن يَمشي على رُكبتيه الحاسرتين فوق الحصى المدبب؟).
ل
... رُكبتاي يُغطيهما الدم الأسود المتخثر.. أَنظرُ بإعجابٍ شديد إلى صفوف أفراد الشرطة الأقدم منا.. لباس أزرق موحَّد.. مكوي بعناية.. أحذية سوداء لَمّاعة.. نفس الخطوة.. نفس حركة اليدين.. بالمسطرة.. وبطريقةٍ ما ذكّرني ذلك المشهد بالاستنساخ.
ك
... يُحضرون كلباً أسود من نوع (وولف).. يقودونه بطَوق سميك في رقبته.. يرفع أنفه باتجاهنا.. يُكشّر عن أنيابٍ صقيلة حادة.. يتساقط اللعاب من زوايا فمه.
يصرخ الضابط:
ــ ثابِت.. استعدّ.
يبدو أنّ استعدادنا لَم يكن كافياً.. لَم يُعجب حتى الكلب الذي أصدر هريراً وهو ينظر إلينا بغضب.. يزعق الضابط مرّةً أخرى:
ــ عادةً سِرّ.. أطلق طولك.. وافتح الخطوة.. وارفع راسك.. واعتزّ بنفسك يا حيوان!
ل
... يبدأ الضابط في الشرح:
ــ ينقسم درس اليوم إلى قسمان.
ــ إلى قسمين يا سَيّدي.
ــ الله الله.. من الحيوان الذي صَحّح لي؟
ــ أنا يا سَيّدي.
ــ أنت؟ مستجدّ تصحّح لضابط؟ والله عال.. العسكرية أصبحت مهزلة.. بعد انتهاء التدريب لفّ على الساحة ألف لَفّة.. وأي غلطة في العدد تبدأ من جديد.. مفهوم يا حيوان؟ إن شاء الله تلفّ إلى الأبد.. وعندكم عقوبة جماعيّة بعد الدّرس.. هذه هي العسكريّة.. الحسنة تخصّ.. والسيّئة تعُمّ.. هذا سبب تخلفنا من دون الأمم.. حتى المستجدّ يناقش الضابط!
ب
يتنحنح.. يستعرِض مزايا الكلب اللاهث إلى جانبه:
ــ هذا الكلب من فصيلة ممتازة.. سريع.. وثاب.. لا يتردد.. حاد النظر.. يتمتع بحاسة سمع قوية.. إلى درجة أنه يسمع ما خلف الجدران السميكة.. شديد التركيز.. غَير مُشوَّش.. يشمّ أقلّ الروائح على بُعد أميال.
... يُربّت على عنق الكلب بِحنان.. يُصدر إليه إيعازاً فيُقعي.. ثمّ يصرخ فينا:
ــ انتباه.
يشرع هذه المرّة في استعراض المواصفات التي ينبغي توافرها في الشرطي:
ــ سريع.. وثاب.. لا يتردّد.. حادّ النظر.. يتمتع بحاسّة سمع قويّة.. إلى درجة أنه يسمع ما خلف الجدران السميكة.. شديد التركيز.. غَير مشوَّش.. لديه حِسّ أمنِي.. يشمّ أقلّ خلل أمنِي على بُعد أميال.
***
(2008)

16 يناير، 2010

العِقْد

(إلى عاشور الطويبي)
1
... الغروب يُضفي على سكينة المقبرة رهبة.. تجثو.. تحتوي شاهد قبر الزوج بيديها.
2
... تنهض.. ينفرط عِقدُها.. تتناثر الحبّات في ثنايا العشب الذابل.. تلفّ الخيط المقطوع.. تَجمع الحبّات على عَجَل.
3
... عند السياج.. تُلقي نظرة من فوق كتفها على شاهد القبر المنتصب في العتمة.. باب المقبرة الصدئ يصرخ وهو يدور على مفصله.
4
... في سريرها الواسع.. المزدوج.. وعلى ضوء الشمعة.. تُحصي الأرملة حبّات عِقدها المنفرط.. وتبحث عن خيطٍ جديد.
***
(2008)

15 يناير، 2010

دَهْشة مَبْتورة

1
... الطفل يزحف نحو التلفزيون.. تجذبه أصوات الرسوم المتحرِّكة.. فم مفتوح.. لُعاب يقطر.
2
... تتوقف الرسوم المتحرِّكة فجأة.. تُظلِم الشاشة.. يظهر جنرال.. نظرة صارمة.. شفتان مزمومتان.
3
... الطفل يزوي ما بين حاجبيه.. يُطبق فمه.. يُعطي قفاه للجنرال.. ويَمضي زاحفاً نحو ضوء الباب المفتوح.
***
(2008)

12 يناير، 2010

منطقة نفوذ!!

1
... الجرو الأبقع يُقرّر هذا الصباح ألاّ يتورّط في أيّ نباح مجّانِي كما تفعل الكلاب الكبيرة التي تنبح حتى على الريح.. لكن قبل ذلك عليه أن يبدأ طقوس الصباح: يتمطَّى.. يتثاءب مادًّا رجليه الأماميتين حتى يتقوّس ظهره إلى الأسفل.. ينفض أذنيه بفرقعة.. يدسّ أنفه بين فخذيه ليطْمَئِنّ على فحولته.. يرفع رجله.. يبول.. يحرث الأرض بأظافره.. يكرّر ذلك في عِدّة أماكن ليؤكّد منطقة نفوذه!
2
... يتلفّت حوله.. يراقب الدجاجات.. تلتقط أشياء هنا وهناك.. يرفع وجهه.. ثلاثة عصافير تقف على حافة الجدار تُسوّي ريشها.. أسفل الجدار قطة تتشمّس.. منطقة نفوذه آمنة.. لا شيء يستحق النباح.
3
... يقترب من حافّة الوادي.. يتذكّر أنّه كان يسمع عواءً طيلة الليل.. الوادي يغص بالضباب.. يُقعي.. يُفكِّر ما إذا كان ينبغي أن ينبح على الضباب؟ لكنّه يَعْدل عن الفكرة بسبب خيوط الشمس التي أخذت تخترق الضباب.. يتساءل: (إذا فَكَّر في ضمّ الوادي إلى منطقة نفوذه.. فكم سيحتاج من البول لتأكيد ذلك؟!).
4
... يشفّ الضباب.. يكتشف الجرو أنّه يقف فوق الحافة الصخرية التي تؤطِّر الوادي.. يتطاول.. يظهر القاع السحيق.. تبدو الصخور الصقيلة وسط تعرّجات مجرى السيل.. يتراجع.. يَهِرّ.. يكتنفه ظل مفاجئ.. يرفع رأسه.. يرى سحابة صغيرة داكنة.. تنتهك منطقة النفوذ.. ها هو شيء يليق بالنباح.
5
... السحابة مسرعة.. الجرو يطارد الظلّ.. الظل يختفي وسط خضرة الغابة الغامقة.. يرفع رأسه.. ينبح.. يجري فوق الحافة دون أن يحيد عينيه عن السحابة.. يواصل النباح.. تنعطف السحابة لتعبر الوادي.. يشتد النباح.. ينعطف.. و... يسقط من فوق الحافة.. يتقلّب عدة مرّات.. يتقلَّب المشهد: غابة.. سماء.. غابة.. سماء.. صخور.. سماء.. يستقرّ على ظهره فوق الصخور الناتئة في مجرى السيل.
6
... خيط أحمر يسيل من زاوية فمه.. يتعرّج فوق الصخرة.. يتخثَّر فوق التراب.. يفتح الجرو عينيه.. يرى طرف السحابة يختفى من فوق حافة الوادي.. ينبح نبحة واهنة باتّجاه السماء.. ثُمّ يموت مفتوح العينين.
***
(2009)

08 يناير، 2010

فأر المكتبة

إلى الشاعر: مفتاح العمّاري
1
... ما أعبقَ رائحة الكتب.. خاصةً حين تخرج من المطابع لتوّها.. رائحة الورق تُدوِّخ.. الحبر.. الأغلفة الملونة.. حتّى إنّك تقول ـ على الرغم من الجوع ـ حرام أن تُقضَم هذه الكُتُب.. لكن للأسف الأشياء الجميلة هي التي تُغري بالقَضْم.. ما هذه الرائحة الأخرى؟ دعونا نستكشف الأمر.. غريب! قطعة جبن مالحة.. رائحتها تكاد تطغى على رائحة الكُتُب.. مُزيّنة بِحُبيبات سوداء.. يبدو أنّه نوع من البهار.. هل وصل الكرم بالبشر إلى هذا الحد؟ على مدار التاريخ كانت الولائم المبالَغ فيها تبعث على الشكّ.. يعتقدون أنّ الفئران غبيّة إلى هذا الحد.. فيضعون السُّمّ هكذا بكل وضوح فوق الجبنة.. ويضعون جميع الاتفاقيّات وراء ظهورهم.. السُّمّ من أسلحة الدمار الشامل.. هذا هو الإقصاء وإلغاء الآخر.. بل محوه من الوجود.. لن أمسّ هذه القطعة مهما بدت مُغرية.
2
... أنا لا أستطيع مقاومة الكُتُب.. بينما المكتبة بالنسبة للقِطَط السِّمان هي مُجرَّد ديكور.. فلم أسمع في حياتي عن قطِّ واحد يقضم الكُتُب.. علاقته بالكُتُب لا تتعدّى تشمُّمها.. أو الاستلقاء فوقها والتثاؤب بكسل.. على كُل حال.. الليل لا يزال في أوّله.. أنا أموت في كُتُب الأدب.. سأبدأ بالمُقبِّلات.. هناك دواوين شِعْر في أعلى المكتبة.. لا أدري لماذا يضعون الشِّعْر في الأعلى؟ سأبدأ بالشِّعْر الحديث.. فهو أخفّ.. وسهل الهضم.. الشِّعْر العمودي يتطلَّب أن أشرب بعده الكثير من السوائل.. حتّى تتحوَّل بطني إلى برميل يلقلق.. الشكل الهندسي للشِّعر العمودي يستفزّني أحياناً.. فهو منضود ومُرَتَّب أكثر مما ينبغي.. بالمسطرة.. قليل من الفوضى لا يضرّ.. بعض الدواوين خالية من الشِّعْر.. صدِّقوني إذا كان هذا شَعراً ـ حتى إنّه يُطبع في دواوين ـ فبإمكاني بكل سهولة أن أقضم الشِّعر.. أقصد أن أقرض الشِّعر.. عجيب.. أحياناً يكون الواحد شاعراً دون أن يدري! يقولون بأنّ الاختصار شقيق الموهبة.. أَمّا بالنسبة للقصائد الطويلة.. فنعرف أَنَّها وسيلة أولئك الذين لا يستطيعون نظم قصائد قصيرة.. هذا صحيح تماماً.. يقولون أيضاً بأنّ النثر كلام يمشي.. بينما الشِّعر كلام يرقص.. أنا شخصيًّا أقول إنّ بإمكان النثر أن يرقص أيضاً.. هذا يتوقَّف على براعة العازف.
3
... هذه مجموعة قصصية.. غلافها برّاق.. مُزَيَّن بلوحة تشكيليّة.. لنأخذ منها قَضْمة.. تفو.. لا طعم لها.. عبارة عن قصقصة وتقييد أحوال.. اسمه ثلاثياً.. طويل.. أسمر.. نحيف.. أحول.. أعرج.. رقبته معوجّة.. يسكن في الدور الثالث.. هذه تقارير مُخبرين وليست قصصاً.
4
... انتهينا من المقبّلات.. لندخل على الثقيل.. تلك الرواية الضخمة في الأسفل ستكفيني ربّما لعدة أسابيع أو شهور.. يا إلهي ألف صفحة! من خبرتي في القَضْم أُدرك سلفاً أنّ الروايات الضخمة لا تخلو أبداً من عشرات الصفحات الخالية من الطَّعْم.. من الصعب قول هذا.. لكن صدّقوني أو جرِّبوا بأنفسكم.. حتى الكُتّاب العمالقة العِظام يتورّطون في هذا.. كلّما قَضَمْتُ رواية ضخمة يتولَّد لدي سؤال: ما يُمكن أن يُقال في مائة صفحة لماذا يُقال في خمسمائة؟
5
ــ هل انتهيت؟
ــ مَنْ.. القِطّ؟!
ــ في الواقع دخلتُ المكتبة قبلَك.. كنتُ مُستلقياً في الأعلى أستمع إلى خربشتك من أوّل الليل.. أنت في الواقع تحاور نفسك.. هذا ما يُسمّونه الحوار في غياب الآخر.
ــ الآخر! هذا الآخر الذي تتحدّث عنه لا يُمكن حواره إلاّ في غيابه.. الحوار يقتضي الأمان أولاً.
ــ سمعتُ كل الهراء الذي تفوّهت به عن القِطط السِّمان.
ــ لَم يكن ذلك هُراءً.. هل تستطيع أن تقول لي كم كتاباً قضمتَ من هذه المكتبة؟
ــ قضْم الكُتُب لا يعنيني.. مهمتي قَضْم الفئران.
ــ طبعاً.. تعترف أنّك شرِّير.
ــ وهذا أيضاً هُراء.. أنا لستُ شرّيراً.. أنا أؤدّي دوري فقط.
ــ طبعاً.. من السهل قول ذلك.
ــ دعنا من هذه (الطبعاً).. أستطيع أن أقول لك إنّ الفأر هو الذي أوجد القِطّ.. أو لنقل خَلَقَه.. كما خَلَقَ الخروفُ الذئب.. وخَلَقَ الضفدعُ الثعبان.. الثعبان جائع.. والضفدع مسكين.. فما هو الحل في رأيك؟ ستُحدّثني عن القسوة والوحشيّة وإلغاء الآخر وكل هذه الترهات التي تعلمتَها من قَضْم الكُتُب.
ــ هل يعني هذا انّك ستلتهمني هذه الليلة؟
ــ رُبّما الآن.. هل يُساورك الشكّ في ذلك؟
ــ لديّ أُمنية أخيرة.
ــ كل أمانيك مُجابة.. هل ستتلو صلاتك؟
ــ كنتُ أنوي أن أختم وجبتي الليلة بقطعة جبن.. كنوع من التحلية.
ــ لا بأس.. سأنتظر.. لا تعتقد أنني لا أملك قِيَماً.
ــ لكنك مثل الجميع.. لا تتصرّف وفق قِيَمك.. أوووه.. طعم الجبن حرِّيف بعض الشيء.. انتقل الحرقان إلى رقبتي وإلى بطني.
ــ لماذا تستعجل؟ تلذَّذ بأكلها كما يحلو لك.
ــ أوووه.. انتهيت.. انتهيت.. أنا مستعد الآن.. حتى دون أن أربط عينَيّ.. أسرع.. أسرع.
ــ في الواقع لستُ جائعاً!
ــ ماذا؟! إن لَم تنْزل لالتهامي بسرعة فسأصعد إليك.
ــ غريب! كنتَ منذ لحظة تتحدث عن الشِّرّ والقسوة.. هل تغيّرت قناعاتك بعد قطعة الجبن؟
ــ أرجوك.. الرحمة.. انزل.. التهمْني!
ــ الفأر يتوسَّل القطَّ ليأكله.. يبدو أنّ مسار التاريخ يشهد في هذه اللحظة انعطافة حادّة.
ــ أتوسَّل إليك.. لَم أعد أحتمل.
ــ ألَم تقضم شيئاً من الواقعيّة في هذه المكتبة؟ الواقعية السحرية؟ أو حتى الواقعية القذرة؟ لأنّك ترزح تحت شعور بالاضطهاد فأنت تُفكِّر وتتصرَّف بعقليّة انتقاميّة.. لستُ في حاجة لقَضْم الكُتُب لأعرف هذا.. قد أبدو مغفّلاً في نظرك.. لكن ليس إلى درجة أن آكل الفئران المسمومة!
***
(2008)

02 يناير، 2010

الحافِر المشقوق

إلى الشاعر عبدالباسط أبوبكر محمد
1
... يرتوي الثور حتى ينتفخ.. لكنّ ذلك لا يُخفّف من حِدّة غضبه.. فهو غاضب منذ الصباح.. من قبل أن ينقشع الضباب.. بل من قبل حتى أن تطلع الشمس.. لا يَعرِف سبباً مُحدَّداً لغضبه.. إنّه غاضب وكفى.. من ذلك النوع من الغضب الذي يفقس المرارة.. يَحكّ جبهته بطرف الحوض الصخري.. ينطح عِجلاً مُرقَّطاً.. يخور مُبتعداً عن القطيع.
2
... كان يدّخر تلك النطحة للعجل منذ شهور.. لكنّه في أوقات هدوئه القليلة يؤجِّل ذلك.. وقد تهيّأت الظروف الآن.. ذلك العجل بالذات كان يُغيظه على نحوٍ ما.. وهو يعرف سبب ذلك بوضوح.. فهو ثور محلِّي.. وطني.. أحمر يميل إلى الاصفرار.. له قرنان حادّان.. مُقيم في هذا المرعى منذ الولادة.. وعلى الرغم من أنّه متأكد من كونه والد ذلك العجل .. إلاّ أنّه مُستاء لأنّ العجل جاء مُرقَّطاً كأمه الأجنبية.. كان يَعُدّ ذلك نوعاً من العقوق.. فلماذا لا يُشبه الأبناء آباءهم في هذا الزمان؟ على كل حال لَم يكن ذلك هو سبب غضبه في ذلك الصباح.. يبتعد كثيراً عن القطيع وهو لا يزال يخور.. على طريقة الثيران في التفكير بصوتٍ مرتفع.
3
... هناك إبل في أسفل الوادي.. ترعى الأشواك النامية على حافة مجرى السيل.. يُحَدّد الثور موقع الجمل.. يُدرك أنّه على مسافةٍ آمنة.. يقترب من ناقةٍ في طرف الإبل تقضم البَيْروف باستمتاعٍ ظاهر.. يحاول لَفْتَ انتباهها.. ينفخ الهواء من منخريه.. يحفر الأرض بحافره.. تُلقي عليه نظرة فَوقيّة لا مُبالية.. وتواصل قضم الشَّوك.
يدور حولها مُتأمِّلاً.. تسحره العينان الواسعتان والأهداب الغزيرة.. يتساءل ماذا تفعل بكل هذه الأرجل الطويلة؟ لكنّه يُدرك أنّ الرقبة طويلة بسبب طول الأرجل.. يغمره شيء من السرور لتوصله لهذا الاستنتاج.. يُحسّ بأنّ غضبه بدأ يخفّ.. لا يستطيع إخفاء إعجابه بهيأة الناقة المهيبة.. يقول متودِّداً:
ــ هل تؤمنين بالعلاقات المتفاوتة؟
تحرّك شفتها العُليا المشقوقة.. لا يعرف هل غضبت.. أم أنّ هذا هو شكل ابتسامة الإبل؟ يقول:
ــ أعني لو أنّ ثوراً أحبّ ناقة مثلاً.. ألا يُمكن للواحد أن يحبّ من طائفة أخرى؟ ألا يُمكن أن تنشأ علاقة بين ذوات الحافر وذوات الخفّ؟
تلتفت إليه وهي لا تزال تلوك المرّير.. تزدرد اللقمة.. يتتبّعها وهي تنْزل مسرعة داخل الرقبة الطويلة المعوجّة.. يستنتج أنّ لقمة الإبل تقطع رحلة طويلة.. يتمنَّى أنّ ذلك لن يكون له أثر سلبي على العلاقة التي يُخطّط لها.
قبل أن تلتقط شوكة أخرى تقول:
ــ هل تستطيع السير في الصحراء بهذه الحوافر المشقوقة الحادة؟
يفاجئه السؤال.. يشتمّ فيه رائحة السخرية.. فيَردّ:
ــ إذا كان الحصان يستطيع فأنا أستطيع أيضاً.. لكنّ هذا ليس ما يشغلني.
ــ أعرف ما يشغلك منذ اللحظة التي درت فيها حولي دورةً كاملة.. لا تقلق من هذه الناحية.. هذا أمر مقدور عليه.. يُمكننا أن نستغل التضاريس.. من أجل ماذا وُجِدت التضاريس؟!
يُحسّ الثور بأنّها قد وفّرت عليه الكثير من الكلام.. وقطعت شوطاً هائلاً لَم يكن يتصوّره.. يبدأ التفكير في الخطوة التالية.. تفاجئه بسؤال آخر:
ــ هل تقدر على تحمّل العطش لعشرة أيّام؟
ــ سأحاول.. في الواقع أنا أشرب يوميًّا.. لكن يُمكنني التحمل ليومٍ كاملٍ دون شرب.
ــ يوم كامل!
ــ أعني أنكِ تدّخرين الكثير من الماء.. ويُمكننا أن نتقاسمه!
تردّد بتمهُّل:
ــ يوم.. كامل.. دون.. شرب!
ينظر إليها متسائلاً (هل يعني هذا أنّها وافقت؟).
4
... في اللحظة التي يَهمّ فيها الثور بسؤال الناقة.. يُفاجأ بالجمل يهدر وراءه.. فيتنحَّى عن طريقه.. ينظر إليه من بعيد وهو يسوق الناقة في أثر الإبل.
5
... يصعد الثور مع سفح الوادي وهو يفكّر: (إذا أنجبتُ مخلوقاً من هذه الناقة هل سيشبهني أم يشبهها؟ اللعنة.. هذا العالَم مليئ بالظلم.. عالَم يحول فيه حافر مشقوق دون الحبّ.. يا للتفاهة.. لو أملك القدرة لأعدتُ صياغة هذا العالَم على أُسسٍ أخرى).
يبتعد وهو يشعر برغبة جارفة في أن ينطح العجل المرقَّط مرةً أخرى.
***
(2008)

27 ديسمبر، 2009

عَصَافِيْر

1
... في السفح غابة.. في الغابة شجرة بلوط.. في البلوطة عُش.. في العش طائر.. تحت الطائر بيض.. في البيض عصافير.
في البلوطة أيضاً ثعبان يتسلق.
2
... ينتفض الطائر.. يصيح بهلع.. يقفز من غصنٍ إلى غصن.. ينفش ريشه مستخدماً كل أسلحة العاجز.. فيما الثعبان يلتقم البيض.
3
... في السفح غابة.. في الغابة شجرة بلوط.. تحت البلوطة ثعبان يزحف.. في بطن الثعبان بيض.. في البيض عصافير. في سماء الغابة أيضاً حدأة تبسط جناحيها بلا حَراك.
4
...لم يكن في الوقت متسع للاختباء.. ينتفض الثعبان.. يفِحُّ بهلع.. يتلوَّى بين المخالب مستخدماً كل أسلحة العاجز.. فيما الحدأة تصعد إلى السماء.
5
... في السماء حدأة.. بين مخالب الحدأة ثعبان.. في بطن الثعبان بيض.. في البيض عُصيفيرات تُحَلِّق...
***
(1999)

22 ديسمبر، 2009

الْمَتاهَة...

1
... ضباب الصباح يستلقي في الأودية.. وبعض السُحُب الشاردة تجوب السماء.
الْتقطت رَجْعَة عصا رقيقة.. فتحت باب المَرَاح.. فتدافع القطيع.. غَصَّ المدخل.. ثم تدفَّقت الشِياه خلال مسارب الغابة.
صاحت أُمَّها:
ــ لا تسرحي بعيداً.
لكنَّ رَجْعَة لم تسمع.. كانت تُحاول أن تسبق الأغنام.. فلا شكَّ أنه هناك.. ينتظر.. تُرَى هل بدأ العزف على مزماره؟
2
... تجمَّع القطيع تحت الخَرُّوبة.. بدأت الجديان تمُدُّ أعناقها.. وتُحاول التسلُّق وهي تتقافز فوق بعضها.
مَدَّت رَجْعَة عصاها إلى أعلى.. خشخشت قرون الخَرُّوب.. تساقطت.. بدأت الجديان تصيح صيحاتٍ مكتومةً وهي تملأ أفواهها وتتناطح.
جلست فوق صخرة.. تتأمَّل القطيع.. أحسَّت بنشوة وهي تشمُّ فَوْح الخَرُّوب المُختلِط برائحة الفحول.
تلفَّتت وهي تُصيخ..
ــ تأخر اليوم.. ليس من عادته أن يفعل هذا.
خُيِّل إليها أنها تسمع صوت المزمار.. ابتسمت.. نهضت مُتجِهةً ناحية الصوت.
ــ ليس في مكانه المعهود.. يبدو أنه بالقرب من الكهف.
صعدت.. بدأ المزمار يصدح بوضوح.
ــ إنه في الكهف.. لم يفعل ذلك من قبل.
أخذت تًفكِّر..
ــ رجل.. امرأة.. كهف..
أحسَّت بارتعاشٍ لذيذ.. دخلت.. نادت:
ــ سعد.. سعد.
مشت في ضوء المدخل.. أحدثت خطواتها خشخشة.. انبعثت رائحة الزبل الجاف وذَرَق الطيور.. كلما توغَّلت أصبحت النغمة أكثر وضوحاً وحِدَّة.
توقَّفت.. الْتفتت إلى الوراء.. لم تَعُد ترى مدخل الكهف.. اكتشفت أنها في قلب الظلام.
ــ لماذا يفعل ذلك؟
تجاوب الكهف بأصوات المزامير.. ارتعشت..
ــ لماذا لم أنتبِه إلى أنَّ النغمة مُختلِفة؟
سكتت المزامير.. تلاشى الصدى.. ساد صمتٌ مخيف.
ــ سعد.. سعد.. إنك تُخيفني.
استدارت مسرعة.. اصطدمت بشيءٍ ما.. صرخت.
ــ مَن أنت؟ اتركني.. اتركني.
انتزعت الشالَ يد خشِنة.. أحكمت قبضتها على الشَّعر المُنسدِل.. مزَّقت اليد الأخرى فَتحة القميص.. الْتفَّ الساعِدان القويان حول الخصر.. حَمَلَها.. طرَحها أرضاً.. بدأت الأصابع تحفِر في الظهر.. غاص الوجه بين النهدين.. تعالت الأنفاس.. الصراخ.. التمزيق.. التشنُّج.. اللعاب.. العرَق.
... وبقي الشال المُتكوِّم في الركن يبرق في الظلمة.
3
... أفاقت.. شعرت بالبرد.. تحسَّست الجدران الرطبة.. تلمَّست جسدها العاري.. واكتشفت كل شيء..
دفنت وجهها داخل كفَّيها.. اختضَّ جسدها.. وبكت:
ــ الوحش.. تُرَى مَن هو؟ مَن الذي.. الذي فعلها؟ لم أتمكَّن حتى من رؤية وجهه.
نهضت.. أخذت تتحسَّس الجدران.. فوجدت أنَّ هناك عدة ممرّات.. أحسَّت برُعب المَتاهة.. سارت في أحد الممرّات.. ثم عادت تتلمَّس.. وسارت في الاتجاه الآخر.. رجعت مرّةً أخرى.. توقَّفت.. أسندت ظهرها.. لسعها البرد.. اعتدلت.. أنصتت..
ــ ما هذا الصوت؟ يبدو أنها قطرات ماء.
كلَّما تقدمت.. ازدادت القطرات وضوحاً.. تذكَّرت كيف كانت تتبع صوت المزمار.. هزَّت رأسها لتطرد الخوف.. مدَّت يدها في الظلام.. حرَّكتْها يميناً ويساراً.
ــ لا أثر للماء هنا.. هذا ممرّ آخر على اليمين.. يبدو أنَّ القطرات في هذا الاتجاه.. لا.. إنها على اليسار.. إنه سرداب آخر.. كل سردابٍ يُفضي إلى عدَّة سراديب.
وقفت حائرة.. ثم تحسَّست الأرض.. جَثَت.. ألْصقت ذراعيها على فخذيها.. وأخذت تسترجع كلَّ شيء..
ــ ذلك الوحش.. له رائحة كرائحة الفحل.
فكَّرت في سعد.. وفي المزمار.. وأُمِّها.. والقطيع.. الخَرُّوب.. الضباب.. الشمس..
ــ هل هبط الليل؟ لكن ما جدوَى ذلك؟ هذه المَتاهة يستوي فيها الليل والنهار.
... نهضت.. أخذت تنتقل بين السراديب.. تتلمَّس طريقها بيدين ممدودتين.. وتتسمَّع القطرات..
... منذ ذلك اليوم.. وأطفال قريتنا لا ينامون.. حتى يسمعوا من جَدّاتهم حكاية العذراء التي ابتلعها الكهف.
***
(1996)

17 ديسمبر، 2009

بَياض

1
... تَموت العذراءُ يوم عرسها! تَموت مُستلقية على ظهرها في فستانِها الأبيض فوق السرير.. على شفتيها ابتسامة.. الحِنّاء تُشرق في يديها وقدميها.
2
... بعض النساء لازلن يزغردن في الغُرفة المجاورة.. سيّارات العرس المزيّنة بالبالونات تُطلِق أبواقَها أمام بيت العروس.
3
... يصرخ أحدهم.. يُخْرس الزغاريد.. يقطع خيط البالونات.
4
... تخرج العروس مَحمولة على الأكتاف.. مُستلقية على ظهرها فوق الحَمّالة الخشبيّة.. على شفتيها ابتسامة.. حِناؤها تُشرِق خلف بياض الكفن.. وفي سماء الجنازة تسبح البالونات الملونة...
***
(2008)

14 ديسمبر، 2009

غناوي..

من كتاب غنّاوة العَلَم لأحمد يوسف عقيلة

فضَّيْت للعزيز مكان ... إن جاه جاه ما جاه مَولْحد
ـ ـ ـ
عَلَيك غَيْر مَو شَكّاك ... العقل فيه زَيْناتَك اشْوِي
ـ ـ ـ
ملَيْت مِن عزيز انْظري ... تْمُوْت يا غَلا ما تْهمّنِي
"عبدالكافي البرعصي"
ـ ـ ـ
يضيقن الاّ بعزيز ... أقطَع عقولنا ويش ياسعَن
"عيسى بوالقوّالة"
ـ ـ ـ
غَلاه جا اصْداف اَيّام ... بلْهُون ما عزيز يلُوْمنِي
"سليمان الشرِّيمة"
ـ ـ

ما عرفت بَيش العين ... اللي وشوشوها فارحة
"عبدالعزيز العوّامي"
ـ ـ ـ
عزيز في وطاة العقل ... نزَل يريد يستاسَع ملَك
"عبدالحميد يحيى"
ـ ـ ـ
امغَيْر ما اغْلِيْت عليه ... عزيز ما اغْلي غَيْره علَي
"عبدالرازق بوالدعبسيّة"
ـ ـ ـ
عَلَيك يا سريب عَزيز ... اكْبِرت غَيْر عَقلي ما اكْبِر
"عبدالعاطي خنفر"
ـ ـ ـ
عَلَيْما مشَيْت وراك ... ابْطلْت ما غَواياك حَوددَن
"خليفة غيث"
ـ ـ ـ
طَرّاي كنْت عَ اللَّوْلاف ... وانْقَصَوا غَيْهَبَونِي ف الغَلا
"عيسى بوالقَوّالة"
ـ ـ ـ
عَلَى اِيْدنا بذَرْنا صَوْب ... وحْصاده عَلَيْ دَيْن غَيْرنا
"منعم سَيْويد"
ـ ـ ـ
وصَّونِي عَلَيْه اعْزاز ... النَّقْص غَيْر دارَوْه هم اللي
"فضل الله إدريس"
ـ ـ ـ
سريت له ونا مَمطور ... شكيع برق في دار القْدم
ـ ـ ـ
اعْزاز حادفَوه العَقل ... بِمْواجِع وهو ناطُورهم
"حميد السعيطي"
ـ ـ ـ
ابْطلت كلّ يوم انْطِيْح ... مِن قَول حِمّدَيْن وساهلة
"الناجي بوجهَيم"
ـ ـ ـ
امْغَيْر هو عَذاب النار ... كَوّاي داي ما جا ع الوجَع
ـ ـ ـ
السّا انْدَوّرَك وانْجِيك ... خَلِّيك يا شقا في مَطْرحَك
"موسى بونقاب"
ـ ـ ـ
مشَن أيّام لملاقاة ... واليوم يا غوالِي عَ الْخَبَر
ـ ـ ـ
قطَعْت يا عَزيز لْواي ... حتَّى في منامي نلْتفِت
"إبراهيم سعد"
ـ ـ ـ
اوْحلْت في عَزيز غَشِيْم ... غَلاه جار والصَّوب ما عَرَف
ـ ـ ـ
من خَوف الْملاقا فيه ... مَسْرَب اعزاز مابَيْت نلقْطه
"شمس الدين عمر"
ـ ـ ـ
انْمَيْعِد معَ لَوْلاف ... سماحة الغَلا مَو مْراسلة
"إبراهيم بوعزيزة"
ـ ـ ـ
العَيْن مِن رغَبْها فِيك ... رمِيْش هدبْها مَيْ حاملة
"عبدالكافي البرعصي"
ـ ـ ـ
اللي اليَوم بالتّمْوِيْح ... شرْبَن غَلاه ياما بلَوحِّن
ـ ـ ـ
اللوْعَة طويلة عمْر .. لُو كان الغَلا عاش كَيفّا
"موسى بونقاب"
ـ ـ ـ
ظلامَك يْحُوْز عَزيز ... هَذا عَلَيْش يا لَيل كارْهَك
"عبدالكافي البرعصي"
ـ ـ ـ
باهي اللي مازال ... يمْشِيْ العَقل ويْجي وما اذْهِب
"خليفة الشلماني"
ـ ـ ـ
الناس عِيْدها عَ الْحَوْل ... ونا يَوْم عِيْدي تَوقْته
ـ ـ ـ
نظَر العَيْن تَرْجَى فِيْه ... قَصَّر اخْطاه جَيّاب النّبا
"عاشور بوجازية"
ـ ـ ـ
تقُول كَسَب مَوْش حَلال ... مَنْزُوْع شخْب عَيْنِي للخَلا
"إبراهيم سعد"
ـ ـ ـ

12 ديسمبر، 2009

أيام سبها الثقافية بالصور

من الثامن إلى الحادي عشر من شهر ديسمبر الحالي 2009 انتظمت في مدينة سبها عاصمة الجنوب الليبي (أيام سبها الثقافية).. شعر.. قصة.. مسرح.. فنون شعبية.. استقبلتنا سبها بالدفء.. دفء الطقس.. ودفء الضيافة.. لاحاجة للكلام.. الصور تغني.. وهي بعدسة أحمد يوسف عقيلة والصدّيق أبودوّارة:
عقيلة.. الحجازي.. الحربي.. الرويعي.. عذاب الركابي

الشاعران: عبدالباسط أبوبكر والرويعي الفاخري
الشاعر عبدالسلام العجيلي في السوق الشعبي
الشاعر الرويعي الفاخري
الشاعر عبدالسلام العجيلي
الناجي الحربي وأحمد يوسف عقيلة
الشاعران: عبدالباسط أبوبكر وعبدالسلام العجيلي الشاعر عبدالسلام الحجازي.. والشاعر عبدالقادر العرابي.. والأستاذ اعبيد أحمد الشاعر عبدالعظيم باقيقة.. والشاعر عبدالقادر العرابي.. والأستاذ اعبيد أحمد
القاص حسن بوسيف..
والقاص والروائي الصدّيق بودوّارة..
والقاص إبراهيم بشير
فرقة سبها للموشّحات
الفنان سيف النصر

08 ديسمبر، 2009

السِّجّادة

1
... أَسراب البَط المهاجر تَعبُر سماء قريتنا.. خطوط داكنة.. سِهام مستقيمة تنطلق نحو الجنوب.. أَعناق مَشدودة.. حركة واحدة للأجنحة.. لا تغريد خارج السرب.. يبدو السرب كطائر واحد ضخم معقوف الجناحين إلى الوراء.
... ينخفض السرب خلال الأودية.. أتأمّل البَطة التي تُشَكّل رأس السهم.. جناحان أسودان.. رقبة مُطَوّقة بالأخضر الداكن.. منذ طفولتي وأنا شاهِد على هذا العبور السنوي.
2
... عندما لمحتُ السجّادة الكبيرة في المَحَلّ.. أدركت أنني سأشتريها مهما كان ثمنها.. كانت من الإتقان بحيث خشيت إن اقتربتُ أكثر أن يطيرَ سِربُ البَط الجاثم على ضفاف البِركة.
3
... أَزَحتُ كل الأثاث.. أَخلَيتُ الجدار.. عَلّقتها قُبالة السرير.. بحيث تتسنّى لي رؤيتها أثناء الاستلقاء.
4
... ضَحىً مُشرِق.. النافذة مفتوحة.. الشمس تغمر الفراش.. استسلمت لخَدَر الدفء.. وأنا أحلم بالبط.
... أَيقظني رفيف الأجنحة.. البط يَملأ سماء غُرفتي.. الأجنحة الداكنة اللامعة.. الرِقاب المُطَوّقة بالأخضر.. المناقير والأرجل العريضة.. مددت يَدَيَّ.. وفي لحظة خاطفة اكتظّت النافذة المُشرعة على السماء باصطفاق الأجنحة.
هذه أول مَرّة يحط فيها السربُ العابر.. ربما بسبب الطيور الجارحة.
أخذ وضعه الاعتيادي.. سهم أسود يُوغِل في الجنوب.
الْتفتّ إلى السجّادة.. كان سطح البِركة يتموّج.. دون أيّ أَثرٍ لسِرب البط..!
***
(2003)

02 ديسمبر، 2009

شَيْطان التفاصيل

( إلى محسن الرملي )
1
... هي ترعَى بقراتها في السفح الشرقي..
هو يرعَى ماعزه في السفح الغربي..
والوادي بينهما.
2
يجلس فوق صخرة.. مزماره يَصْدح..
تتكيء على جذع شجرة.. يُغربلها النغم.
3
الماعز والأبقار يُغريْها عُشب السيل..
تهبط خلف بقراتِها..
ينحدر وراء ماعزه.
4
يخرج من الدغل إلى فُسحة الوادي..
تنبثق من بين الأغصان..
تتلاقَى أعينهما.
5
الثور يتشمّم البقرة..
فَحل الماعز يُخرج لسانه.. يبول على أنفه.
6
يتطلّع إلى جرح السيل الغائر..
تتطاول على مشطي قدميها.
7
القُمْري يُطارد الحمامة من غصن إلى غصن..
الكلبة تتمرّغ أمام الكلاب.
8
يجلس على حافّة مَجرى السيل..
تجلس على الحافّة المقابلة.
9
العَنْز تستدير.. تَجذبُها رائحة الفحل..
بين الحافّتين تتلامس أقدامهما عَرَضاً.
10
زوج من الغربان يتشاكسان على ارتفاع منخفض.. يتلامسان بالأجنحة.
11
ينتقل إلى حافّتها..
توسِّع له قليلاً..
يلمس يدها بأطراف أصابعه..
تلذعها الأصابع.
12
... تنحدر الشمس خلف الغابة.. تُلوّن أطراف السُحب الطافية فوق الوادي.. تتبدّد العتمة في الحنايا.. وبعيداً في أسفل المنحدَر يعوي ذئب.
***
(2009)