1
... قمر الحصيدة يبدو مختلفاً هذه الليلة.. وهو يصعد فوق حافة الوادي.
داخل بؤرة الضوء.. شيء مُعتِم.. مُعلَّق.. كجسدٍ مصلوب.. الكلاب ـ بحسّها الغريزي ـ شعرت بوجود أجواء عدائية.. فأخذت تهرّ.. وهي تدسّ ذيولها بين أرجلها.
أنزل المصلوب يديه.. ضمّهما إلى صدره.. هبط.. انحنى.. تَمَطّى.. ثم شرع يمشي خلال الغابة.. نبحت الكلاب بوحشية.. وهي تحفر الأرض بأرجلها وتتراجع.. جنادب الحقول كفّت عن الإنشاد.
2
... تجمّعوا في طرف القرية.. يترقبون بفضول.. وخوف.. بعضهم اعتلى سطوح المنازل.
ــ إنها تقترب.
ــ أراها بوضوح.
ــ يا للفظاعة.. إنها عارية تماماً.
ــ وشعرها منفوش.
ــ هي هكذا دائماً.
3
... أفسَحوا لها.. الْتصَقوا بالجدران.. تمشي ببطء.. تتلفّت.. تتصفح الوجوه.
ــ لماذا تنظرون إليَّ هكذا؟ لا تقولوا لي بأنكم لم تروا امرأة عارية من قبل.. ملائكة! أنتم هكذا.. لا هَمّ لكم سوى هذا الشيء.. إذا كنتم لا تتضاجعون فأنتم تتحدثون عن المضاجعة.. وحتى في أعراسكم تتجمّعون بدافع الغريزة.. كما يحدث في مجتمع الكلاب.. واحد فقط هو الذي يَعْلَق بالكلبة.. بينما يكتفي الآخرون بالفُرجة وهم مستنفَرون.. تفو.
صالبت ذراعيها فوق نهديها..
ــ جئتُ قبل كل شيء لأتفقّد ممتلكاتي.. الواحد لا يفقد حقه في ممتلكاته لمجرد أنه اقترف خطيئة.. وأية خطيئة؟ علَّقتموني من ثديَيّ من أجل ماذا؟ لأنني مسحتُ عورة طفلي بالخبز؟ أمِن أجل خطيئة صغيرة كهذه أُشنَق في القمر إلى الأبد؟ ولماذا في القمر بالذات؟ ثُمّ إن الأطفال لا عورات لهم.
اقتربتْ من شيخ القبيلة.
ــ أنت يا ذكَر الجران.. أنت كفيل بتضليل الشيطان نفسه! أقسم أنك أنت مَن استولى على بيتي.. وسرق دجاجاتي وأرانبي.. لقد رأيت كل شيء من هناك.. من فوق.. كان الأجدر بهم أن يشنقوك أنت الآخر.. أنا لم أُشنَق لأكفّر عن خطايا الجميع.
قال ساخراً:
ــ أنا ليس لدي ثديان يُعلّقونني بهما.
ــ ليس من الضروري أن يُعلَّق المرء من ثدييه.. لن يعوزهم المكان الذي يُعلّقونك منه!
تعالت قهقهات في الخلف.. تسلل البعض مُبتعدين.
ــ إنكم تُشعِرون المرء بالرغبة في التقيؤ.. تلهثون ليل نهار.. كما يجري قمر المزن.. تجمعون القرش الأبيض لليوم الأسود.. كأن اليوم الأسود لا مفرّ منه.. حتى عُشّاقكم لصوص.. يختلسون النظرات.. يتهامسون.. يرتدون السواد.. يتسللون في أنصاف الليالي.. ويتسوّرون الجدران.
أخذت تمشي دون أن تلتفت إليهم.
ــ أعرفُ أنّ الشآبيب تتحول إلى حقول متموجة من السنابل.. لكنّ غيومكم عندما تهبط تُسرِع إلى البحر.. كأنها تهرب من شيءٍ ما.. لا شيء عندكم يتمّ كما يجب.. خبزكم إمّا أن يكون نيئاً أو محروقاً.. لكنه لا ينضج أبداً.
توقفت.. حكّت شعرها المنفوش.
ــ بالمناسبة.. لازلتم تحتفظون بإحدى عاداتكم القبيحة.. إذا جُرِح أحدكم.. بال له الآخر على جُرحه.. يا لها من حياة.. بَول على جُرح!
بصقت.. أشاحت.. أخذت تخطو مُبتعدة صوب الغابة.. عائدة إلى البدر.. الذي لايزال يتكئ منتظراً فوق حافة الوادي.
... عوى ذئب ثلاث مرات متباعدة.. وخشخشت الأشجار الراجفة في الريح.
(1999)

























