28 يوليو، 2009

صَيْد الليل

1
ــ صيد الليل لا يخرج في القَمْراء.
ــ وإذا خرج يحتمي بظلال الغابة.
ــ القمر هذه الليلة يتأخّر.
ــ يبقى علينا أن نسرع في الخروج.
ــ سيكون ذلك بعد المغرب مباشرة.
قال صويلح:
ــ سأذهب معكم.
ــ لا.. الصيد يحتاج للصمت.. وأنت لا هَمّ لك سوى الثرثرة.
ــ سأصمت.
ــ لن تذهب.
ــ إذن سأنتقم منكم.
ــ أنت؟! درويش مثلك ماذا في وسعه أن يفعل؟
2
... كانوا على مشارف الغابة.. يتنكبون عصيَّهم.. تتقدمهم كلابهم.
ــ عطيّة عنده كلب مُحتَرَم!
ــ كلب مُحتَرَم؟!
ــ أَعني كلب جيد للصيد.
ــ اسكتوا.. وصلنا.
أخذت الكلاب تنثر.. تُنظِّف أنوفها.. وتتشمَّم الهواء.
بدأ الكلام همساً..
ــ ستجدون هذا اللعين حيث يكثر الرِّينش.. فهو طعامه المُفضَّل.
في المنحدر.. وسط الصخور.. تجمَّعت الكلاب.. تدسُّ أنوفَها في بعض الحُفَر.
أدخَل أحد الصيادين يده في الحُفرة.. ثم همس:
ــ التراب ساخن.
شرعت الكلاب تعدو.. أنوفها في التراب.. يجرون خلفها.. توغلت في الغابة.. صعب اللحاق بها.. حين اشتدَّ نباحها وهَريرها.. أدركوا أنَّ الفريسة قد وقعت.
في إحدى الخلوات.. وسط الغابة.. كانت الكلاب تحاصر صَيْد الليل.. يدور.. يوجِّه أشواكه ناحيتها.. حريصاً على حماية رأسه وأرجله.
وقفوا يتفرَّجون.. وهم يرفعون عصيَّهم.. تلك إحدى لذائذ الصيد.
الكلاب تهرّ.. لعابها يتساقـط.. تجرَّأ أحدها.. قفز فوق ظهر الفريسة.. ثم قفز مرّة أخرى إلى الخلف.. يتلوَّى ويعوي بذعر.. وقد انغرز الشِّيْص في صدره.
أحست الشاةُ باليأس.. وبعدم جدوى المواجهة.. فأرادت اختراق الطَّوق.. فالْتقطها الكلب من رِجلها وقلَبها على ظهرها.. تلك نقطة الضعف القاتلة في هذا الوحش المُدَرَّع.
3
... لم يطلع القمر حتى اصطادوا ثلاث شِياه.
أخذوا يتفقّدون خسائرهم.. فلَيلةٌ مظلمةٌ كهذه لا تخلو أبداً من جِراح.. كانت سيقانهم تنْزف.. بسبب الأعواد.. والصخور المُسنَّنة.. كما كان انتزاع الشِّيْص من صدر الكلب أكثر مهام الرحلة صعوبة.
4
... أخذ الدرويش يضحك..
ــ الذي أعرفه أنَّ الناس توفِّر الطعام للكلاب.. أمّا أنتم فناس تُطعمهم الكلاب! أنا لا أستسيغ حتى مجرَّد التفكير في هذا.
وقع على ظهره.. يقهقه.. يدقُّ الأرض بقدميه الحافيتين.. يضرب الأرض بقبضتيه.. مستغرقاً في ضحك هستيري.. عيناه تدمعان.. وهو يُردِّد:
ــ رجال تُطعمهم الكلاب.. رجال.. تُطعمهم.. الكلاب.. عَيب عليكم.
تلاقت نظرات الصيادين.. ثم حَوَّلوها إلى الكلاب التي تَهزُّ ذيولها وتدور حولهم.. وبدأت أيديهم تتراخى عن الفرائس...
(1999)

25 يوليو، 2009

طَرِيق تحت أَعْشَاش الطيُور

1
... أشجار العَرعَر مُلتفَّة الأغصان.. مُثقَلة بالزّنْباع الأخضر.. حُبلَى بالأعشاش.. تنهض من وسط الصخور التي تُؤطِّر طريق (وادي الكُوْف).. الأعشاش مركوزة بين الأفرع المُمتدَّة التي تُظلِّل الإسفلت.
2
... تزدحم الأعشاش بالمناقير المفتوحة.. بالأجنحة التي ينحسر عنها الزَّغَب.. العصافير تصعد فوق الأعشاش.. تتقافز بين الأغصان.. ترفع رؤوسها إلى السماء الزرقاء المُتعرِّجة بتعرُّجات الوادي.. تُجرِّب أجنحتها تحت إغراء الفراغ.. تخذلها الأجنحة.. تسقط لاهثةً فوق شريط الإسفلت الأسود الساخن.. دون اكتراثٍ للهدير الآتي من خلف انحناءة الطريق.. تُحاول الطيران مُجدَّداً.. تصطدم بالجدران الصخرية الملساء.. لا تجويف.. لا نتوء يمنحها مرحلية الصعود.. لا شِبر فُسحة بين الإسفلت وبين الجدار.. تسقط ثانيةً.. ومن خلال الضجيج القادم من بعيد.. الضجيج الصارخ لاحتكاك الإطارات بالإسفلت الخشِن.. لا يبدو سوى الطريق الأسود المَزْرُور بين حافتَيّ الصخر.
(2002)

22 يوليو، 2009

الْمَفْرَش

1
... أحضرت زينب أدوات التطريز.. عُلبة الإبَر ذوات الأحجام المختلفة.. وسَلَّة المكبّات.. والْتقطت كبَّة سلك بيضاء. ــ سأصنع مَفرشاً يُغطِّي الطاولة الكبيرة.. أو ربَّما سأُعلِّقه على الجدار.. لكن.. من أين أبدأ؟ ماذا أرسم؟
أخذت تُدير الكبَّة بين يديها.. وهي تفكِّر.
شردت أفكارها.. بدت ساهِمة وهي تُحلِّق في آفاقٍ بعيدة.. وتوقَّفت كبّة السلك عن الدوران.
أفاقت.. الْتقطَت الإبرة.
ــ سأبدأ برسم الخلفيّة.. في المنتصف سأُقيم بيتاً صغيراً بطابقين.. لا.. لا حاجة للطابقين.. بيت صغير فقط.. أمام البيت شجرة.. فوقها عصفوران.. يقفان بالقرب من عُشِّهما.
أخذت طرَف السلك.. قذفت بالكبّة بعيداً.. وبدأت الغُرزة الأولى.
بين أنامل زينب أخذت الأشياء تتشكَّل.. البيت.. الشجرة.. العصفوران.. العُشّ.. شمس ذهبية تتربَّع فوق حافَّة الأُفق.. أضواء.. ظِلال.. كانت زينب هذه المرَّة تصنع الآفاق.
2
... اكتمل المَفرَش.. أمسكتْه بأطراف أصابعها.. نشرتْه أمامها.. أخذت تتأمَّله.. تتملاَّه.
صعدت الشمس.. تحرَّكت الظِلال.. اهتزَّت الأغصان.. اقترب العصفوران من بعضهما.. انفتحت النوافذ.. تسلَّل شُعاع الشمس إلى غُرَف البيت.. دقَّت الطبول.. انطلقت الزغاريد.. دخل العصفوران عُشَّهما.. غمرهما الدفء.. أخذا يتناغيان.. وتحت الشجرة ظهر طفلٌ يَحْبو.
(1995)

20 يوليو، 2009

الأرض وما عليها

احتفاء بقصص أحمد يوسف عقيلة
(قراءة في مجموعة "غناء الصراصير")
د . محمد محمد المفتي
لست بالناقد الأدبي.. بل أعترف أنني لست حتى بالقارئ المثابر للروايات والقصص التي كثيراً ما أهجرها قبل أن أكملها.. لملل لا أعرف مصدره.. ولهذا اخترت كلمة (احتفاء) في العنوان حتى لا يظن القارئ أنني بصدد عرض نقد تفكيكي أو سيميائي .. لمجموعة (غناء الصراصير) للقاص (أحمد يوسف عقيلة).
على أية حال بعث لي المؤلف بنسخ من أعماله الأخيرة.. هدية منه.. ولم الْتقه بعد! وقرأت المجموعة إبّان رحلة على الخطوط الجوية.. التي بالمناسبة.. بدأت تضع نُسَخاً من المجلات الليبية.. ومنها مجلة المؤتمر.. في حافظات ظهر الكراسي.
لغة الصك المصدق
شدتني في هذه المجموعة لغة المؤلف الطازجة والجديدة.. أسلوب متقشف/مقتضب/رشيق.. لا أجد وصفاً دقيقاً.. لكنه أقرب إلى لغة العلم الوصفية.. وإلى أسلوب الكتابات العلمية في عصر النهضة العربية الإسلامية قبل قرون.. أسلوب خالٍ من المحسنات العتيقة.. وهو أسلوب لم يحفل به لا الأدباء المعاصرون المأسورون بتراث كتـّاب الرسائل في دواوين الدولة الإسلامية.. كما لم يحفل به واضعو مناهج النصوص المدرسية.. ولو أردت وصف أسلوب (أحمد يوسف عقيلة) بدقة أكبر لقلت إنه أسلوب على درجة لافتة للاقتصاد.. أقرب إلى تقارير المصارف.. دونما استطرادات أو حشو.. وحتى لا يزعل الأدباء.. دعني أُذَكِّرهم بأن الشاعر الإنجليزي/الأميركي.. شاعر القرن العشرين (ت.س.إليوت) كان موظفاً في مصرف!
فالعجوز رابحة: (بلباسها المعتاد.. رداء أحمر.. تُقَطِّعه خطوط صفراء متصالبة.. شال أحمر داكن.. جورب مُخَطَّط .. حذاء مطاطي أسود.. وشم غابر.. وتكليلة)(ص34). والخَرّاز (الإسكافي): (ألفت يده المطرقة..ألفت ركبتاه الانثناء.. اعتاد ظهره على الانحناء.. ولم يعد أنفه ينكر رائحة الحذاء)(ص41). صور فوتوغرافية.. موحية.. دونما تصنُّع.. ودونما لغو.
صور متموجة
لكن صور (أحمد يوسف عقيلة) لا تبقي ساكنة.. بل تكتسب حركة سينمائية.. بل وبخياليةِ ديزني: (خرجت الصرخة.. صعدت.. تلوّت.. انداحت عبر شوارع قريتنا.. تنزلق فوق الجدران المتقشرة.. من تحت زوايا السقوف.. تقتحم الأبواب والنوافذ.. تتسرب من خلال الشقوق.. صرخ الجنين الذي كان متعسر الولادة..)(ص42).
أم أنه أنطقَ ـ في هذه الفقرة ـ لوحةَ (الصرخة) الشهيرة للفنان الانطباعي (إدموند مونخ)؟ ولكنها هذه المرة رُسِمت بحروف.. في قرية (عمر المختار)!
من خلال لغته البسيطة.. وإيقاعه السهل تحفل قصص (أحمد يوسف عقيلة) بالرمزية التي تماس السريالية.. لكنه يبقي سلساً مباشراً.. أقدامه دائماً على الأرض.. ليصف لنا أرضاً يراها كل صباح ومساء.. حيث يُقيم عند ذروة الجبل الأخضر.. وحيث تنحدر السفوح والوديان شمالاً نحو الغابة.. غابات البطوم والشعرا (العرعار) والشماري والسرو.. وجنوباً إلى منطقة (الجِشّة) شبه العارية إلا من نباتات الشيح والزعتر الخفيضة اللصيقة بالتراب.. وحيث تتدفق مياه السيول في الشتاء لتكوّن بحيرات ضحلة واسعة.. تسمّى (البلَط).. على مشارف الصحراء.. مرايا صقيلة وطرية.
ولأن الأرض لا تبقي في الذاكرة إلا بما يدور فوقها من حياة.. يتحفنا الكاتب بفقرات مثل: (..الدخان يترك ذيلاً أسود يسبح في المدى.. الأصوات المختلطة تبعث على الألفة والدفء.. التحايا الصباحية.. رغاء الإبل.. ثغاء الماعز.. وضحكات الأطفال وهم يطاردون الجديان في المراح)(ص51).
الرعب المتوجس
هذه الصور الرومانسية آخذة في التلاشي.. حتى في مكان مثل الجبل الأخضر.. الذي رغم غطائه النباتي الكثيف من أشجار البطوم والشّعَرا والسرو.. استسلم لزحف الحياة العصرية.. من شبكة الطرق العنكبوتية ومباني خرسانية وصحون استقبال الأقمار الصناعية.. ناهيك عن شكاير النايلون العالقة في أشواك الشجر قرب كل قرية.. لتلمع عن بعد كما طيور بيضاء دون حراك.. لكن الأنكى هو نقص مياه الشرب وتسرب مياه المجاري.. وهى أمور لا علاقة للأدب بها.. بل تهم المخططين وخبراء البيئة.. لكنها وليدة التكاثر السكاني المنفلت الذي لم يبدأ العرب بعد حتى التفكير في ضبطه.. وإنما أذكرها لأنها المواضيع الأكثر إلحاحاً على ذهني.. وإذا استمرت فلن يجد أدباء المستقبل ما يكتبون عنه سوى الجوع والعطش والفوضى!
ولكن يا ترى.. هل مثل هذه الهواجس.. تفسر لنا إحساس (أحمد يوسف عقيلة) المتكرر بخطر غامض مداهم؟ أم أنّ عقله الباطن يُعيد صياغة مخاوف الإنسان من المداعبات المرعبة التي ترمينا بها الحياة والطبيعة بين الحين والآخر؟
القطة.. ذات العواطف البشرية.. تضطر إلى الخروج بحثاً عن طعام لتجد ما ترضع به قطيطاتها.. لكنها تجد عند عودتها أن (..لا شيء سوى نُتَفٍ من الوَبَر.. وبُقَع من الدم!) (ص29).. لكن المفاجأة المرعبة كانت من حظ الراعي الذي اجتث ترفاسة وأشعل ناراً: (.. يستمتع بطقطقة الأعواد اليابسة.. وتلذذ اللهب بالتهامها.. توهج الجمر.. أخرج الترفاسة.. وضعها فوق سرير الجمر.. وجثا بقربها.. نضح عرقها.. فاح عطرها.. تشققت.. برز رأس ناعم.. انطلق الرأس الناعم يسحب خلفه الجسد الأملس المتلوّي.. انتبه.. ينظر بذهول إلى شظايا الترفاسة.. والى الأفعى وهي تبتعد منزلقة بين صخور..) (ص50).
مَخضُ اللغة
لغة (أحمد يوسف عقيلة) لغة طازجة.. متحررة من الإنشاء.. والى حد كبير حتى من واو العطف.. فعباراته صُوَر مستقلة متلاحقة.. بل إنه لا يتحرج من مفاجأتنا بنحت جديد للكلمات.. مثل الأصباح (جمع صباح).. والأشفاق.. والقطيطات والعصيفرات.. ولِمَ لا.. فنحن بحاجة إلى توسيع معجمنا ما أمكن..
ويذهب إلى أبعد من ذلك حين يستعمل الكلمات العامية: (تِسْبت العجين/تمخض القربة أوالحليب/الجَلّة"روث الغنم الجاف الذي يستعمله البدو لإيقاد النار"/تْحِتّ "تنثر"/الصهد "الوهج"/يشخب "ينبعث بقوة للسائل كالحليب والدم"/المراح "باحة الغنم"/يفَلّي "يلتقط القمل/الشمس حجّت "غربت"/العصيدة/طيور النيسي..) وهكذا.. ولا يسعني إلا أن أهنئه على حرصه على التواصل مع قرائه.. بقدر حرصه ألا يؤذي عيونهم بتراكيب متحجرة.
مجهر العوكلي
لكن مجموعة قصص (غناء الصراصير) مهمة أيضاً لسبب آخر.. وهي مقدمة المجموعة للشاعر (سالم العوكلي) الذي أراه شاعراً وناقداً متميزاً واستثنائياً على الساحة الأدبية الليبية.. وقد التقط (العوكلي) في ست صفحات.. خصائص عطاء (أحمد يوسف عقيلة) ولغته الجديدة.. فيشير إلى إيغال الكاتب في التفاصيل.. وتشابك ذاته مع البيئة.. وهيامه اللامحدود بالحَكايا.. وذاكرته الشعبية.. واتصاله بالأرض.. وحضور الحيوانات كلازمة درامية.. وسخريته.. وأنّ علينا ألا ننتظر الموعظة في نهايات قصصه.. بل علينا أن نفتش عن أنفسنا في ثنايا ايحائياته. ويشدد (العوكلي) على الدلالة الهامة لهذه المجموعة القصصية عندما يستشهد بعبارة الروائي الأميركي وليم فولكنر الذي قال: (لقد أصبحتُ كاتباً عندما اكتشفت أنني أستطيع أن أكتب عن قريتي)!
فهل لي أن أذهب إلى أبعد من ذلك؟ لقد عثر (أحمد يوسف عقيلة) على إحدى المعادلات الصعبة.. ألا وهي كيفية التعامل مع تراثنا الشعبي دون إسفاف أوسذاجة سردية رتيبة.. ورغم بعض المآخذ.. إلا أنّ قصصه ترنو من مستوى جديد قريب مما نراه لدى قصّاصي العالم اليوم.
وأخيراً.. تبقى هذه المجموعة القصصية رائعة واختراقاً للمألوف.. وعسى أن يقرأ هذه المجموعة كل مهتم بالأدب لدينا.. ولعلها تفتح حوارات نحن بحاجة لها.. لأنها كُتِبت بعصا راعي يقلب بها الثّرى (التراب الرطب الفَوّاح برائحة المطر في أول الشتاء).. ويراقب أحداثاً تحت مستوى القدمين.. وهي نقلة هائلة في بيئة أدبية كثيراً ما تخدع نفسها بالتطلع إلى السماء والنجوم.
***

04 يوليو، 2009

الممْحاة

1
... أقَلِّب الممحاة الجديدة بين أصابعي.. أتأمّلها.. نصفها أبيض.. نصفها الآخر أحمر داكن.. أفضّ الورق الشفّاف.. ملمس ناعم.. جسد رطب بعض الشيء.. لها رائحة تحار في تحديدها.. مسحوبة من الطرفين.. أستخسرها في أخطائي!
2
... الممحاة تَجْهد.. أخطائي تتراكم.. تصرخ المحّاية:
ــ على مهلك.. لا تسحقنِي.
ــ أنتِ لستِ ممحاة جيّدة.
ــ أخطاؤك كثيرة.
ــ الأخطاء سبب وجودك.
ــ عندما أرسلوني من وراء البحار كنت أتساءل: لماذا أقطع كل هذه المسافات؟ أي نوع من الأخطاء ينتظرني؟ لماذا تخطئ أصلاً حتى تحتاج إلى ممحاة؟
3
... أحسّ بالإشفاق على مِمْحاتي.. ولكن..
... مِمحاتِي تصغر.. تتقلّص..
ــ أيّ الخُطاة ذلك الذي فكّر في اختراع الممحاة؟!
... تتنحَّف جوانبها.. تتآكل..
ــ لماذا وُجِدت فكرة الخطأ أصلاً؟
... يبهت نصفها الأحمر الداكن.. تتضاءل..
ــ إلى كم ممحاة سأحتاج؟
... تضمر.. تتفتّت.. فتاتها يعلق بالورقة...
ــ ماذا لو تركت أخطائي دون محو؟
... ... ... ... ... ... ...
***
(2009)

24 يونيو، 2009

غناوي

الرّحيل

عَجُولِي وواسِع بال حَطَّوْك يا رحيلي بَيْنهم.
"عبدالعزيز العوّامي"
ـ ـ ـ
متخاصِم رحِيل غَلاي لا طاب ع المقام ولا رحَل.
"عيسى بوالقوّالة"
ـ ـ ـ
نبْتالة رحيل غَلاي عَلَيْ مشّاورة مَيْ فاضّة.
"الناجي بوجهَيْم"
ـ ـ ـ
رحِيل الغَلا مَوْصُوف أَمْسَى احْذاي يا عَيْن ما صْبَح.
"ابوبكر الصَّعقار"
ـ ـ ـ
تجْنِيْش في رحِيل عَزيز عَلَيْ كلّ قارَة نشرفُو.
"حفيظ النَّزّال"
ـ ـ ـ
عَزّالة رحِيل غَلاي خَذَوْه لَغْب من خَوف اللحَق.
"عبدالكافي البرعصي"
ـ ـ ـ
انْظر مواخره هِن وَيْن رحيلهم اللي بان اوّله؟
"محمد البزاري"
ـ ـ ـ
تيامَن رحيل عزيز ونا نقول ماشي لْجلْوتِي.
"عبدالعزيز العوّامي"
ـ ـ ـ
قاطع لواي رحيل لْهم نقول ونقول مَو لْهم.
"عمر بوزرقون"
ـ ـ ـ
مَسيُوق مِن احْذا نِيّام الله واعَلَم لَوْلاف رَحلْهم.
"أبوبكر الصعقار"
ـ ـ ـ
تْقُول ما مشَوا عَ اللًّرْض جرّة رحِيلهم ما الْقِيتّا.
"موسى بونقاب"
ـ ـ ـ
ذَرّى ترابْها بِيدَيْه جِرّة رحِيلهم قال باعَدَوا.
"عبدالعزيز العوّامي"
ـ ـ ـ
منَيْن ذاب مَو معروف لُو رحِيلهم طار طرْت له.
"إبراهيم سعد"
ـ ـ ـ
هم شالَوا ونا عاقِب فِي حَوْزة موَاهِيْم مرْيبِة.
"عبدالكافي البرعصي"
ـ ـ ـ
لا حَضَرْت يَوْم الشَّيل ولا دلِيل جانِي بنَزلْهم.
"عبدالفتّاح العقيبي"
ـ ـ ـ
دَوّارة رحِيل غَلاي عَ الحَوْل جَوا هتايا امْطابَّة.
"حفيظ النَّزّال"
ـ ـ ـ
دَوّارة رحِيل غَلاي غَنامة إنْ جَوْا بَطْوالْهم.
"رمضان بوعازّة"
ـ ـ ـ
دَوّارة رحِيل عَزِيْز دَوّارْهم ايْجي بَيْن ما ايْجي.
"سليمان احمودة"
ـ ـ ـ
رحيل الغلا دَزَّيْت دَوّارة عَلَي دَوّارته.
"عثمان ميلاد"
***
من كتاب: غنّاوة العَلَم (قصيدة البيت الواحد)
لأحمد يوسف عقيلة

16 يونيو، 2009

غناوي

الشباب والشيب والعمر
الخاطِر شباب العمْر بَقَّى عَلَيْه بالخَيْر وهَلَب.
"زقلام العَبِيدي"
ـ ـ ـ
فَضْلة شباب يا الجديد عَقَّب قدِيْم داجِيْها اشْوَي.
"عبدالعزيز العوّامي"
ـ ـ ـ
غَلاك وشباب العمْر ضيُوف جَوْك يا عَيْن ومشَوا.
"منعم سَيْويد"
ـ ـ ـ
عَدَّيْت والغَلا يا عمْر يَومِي لَك وما بَيْت تلْتفِت.
"عبدالفتّاح العقِيبي"
ـ ـ ـ
العمر ما مشَى عَ الحال لُو كان يا غَلا جِيْت فَ اوّله.
"سليمان الشرّيمة"
ـ ـ ـ
متْواجلات شَوْر ضياع يزّابَنْ غلانا وعمْرنا.
"فتحي إدريس"
ـ ـ ـ
جَبَّيْت والغَلا مازال بَدَّرت شِي شوَي يا عمْرنا؟
"عبدالفتّاح العَقيبي"
ـ ـ ـ
قَمْراه زاهْية بربِيْع العمْر في امْبادِيْه يا عَلَم.
"حسن بومعلومة"
ـ ـ ـ
مابَن أيّام العمْر يواتَن ونا عازتِي بْهِن.
"خليفة الشلماني"
ـ ـ ـ
بكَيْت يا شباب علَيك اهْلبَك يوم نبِّيك تحضْرَه.
"عبدالعزيز العوّامي"
ـ ـ ـ
مسافِر وعَيْنِي فِيْه العمْر يا غَلا خايَل لنا.
"عبدالله اردانو"
ـ ـ ـ
يا حَسايْفي يا عمْر جَبَّيْت بِي ونا نَوْمِي لْهم.
"عبدالفتّاح العقِيبي"
ـ ـ ـ
متْباوِع شبابِي كبِر تقُول ما نظَر يَوم عَنْطزة.
"عيسى بوالقوّالة"
ـ ـ ـ
ع الشَّيْب يا شباب أَشْرَفْت في دَوْرة الغَلا نَيْن غَيْهبَك.
"عبدالعزيز العوّامي"
ـ ـ ـ
بكَّيتنِي ونا شايب حْدودَك تعَدَّيْت يا غَلا.
"عبدالكافي البرعصي"
ـ ـ ـ
جميع من تجيب الشَّيب منصح اسعَدي جَيّاباً لْها.
"فتحي إدريس"
ـ ـ ـ
كابْرِيْن نا وعَزيز تلِيْق يا غَلا ماعَدْ بْنا.
"عبدالكافي البرعصي"
ـ ـ ـ
حاسِب حْساب العمر كَنِّيْبه ايْجِي دُوْب الغَلا.
"مرعي الفاخري"
ـ ـ ـ
مِن نِيتِي نوَيْت دناه العمْر هُو اللي حال بَيْنّا.
"عبدالفتّاح العَقيبي"
ـ ـ ـ
اللي زدتّا في العمْر عَلَيْ عَزيز هو زادها غَلا.
"أبوبكر الصعقار"
ـ ـ ـ
بَيْنِي وبَيْن دناك الكبْر يا عَلَم تَوْمَج لنا.
"عبدالله اردانو"
ـ ـ ـ
طعَمة يا عَزيز العمْر اكْمَلَت في مْراجاة باسلة.
"عبدالكافي البرعصي"
***
من كتاب: غنّاوة العَلَم (قصيدة البيت الواحد)
لأحمد يوسف عقيلة

01 يونيو، 2009

أعشاش

أثناء تجوالي في الجبل الأخضر التقطت هذه الصور..
أهديها لقرّاء الخرّوبة:
السلَّيو: يعشّش في الآبار والكهوف
أفراخ السلَّيو
الحجل
القبّرة ( القنبيرة )

09 مايو، 2009

جَلْد القارئ

القصة القصيرة ليست ضيقة كما قد يوحي اسمها.. والضيق والاتساع ليس في المساحة فقط.. بل في المحتوى أيضاً.. قطعة أرض جبلية محدودة بها آلاف النباتات والكائنات الحية وتشكيلات الصخور.. هي أكثر اتساعاً وغِنىً من امتداد شاسع لا يحوي سوى الحصى أو الرمل.. قد يصلح هذا مثالاً على الفرق بين التكثيف والإسهاب.
فمن التكثيف اختيار الشخصية كنموذج عام.. يُعبِّر عن شريحة كاملة من المجتمع.. أو حتى الإنسان أينما وُجِد.. ومن هنا يبدو الإغراق في وصف هذه الشخصية نوعاً من الإسهاب الذي لا طائل من ورائه سوى إثقال النّصّ وجَلْد القارئ.
ومن هذا المنطلق فإنني أُحاول تقديم نماذج.. ومن ثَمَّ لا يهمني أن تكون الشخصية ذات ملامح محددة.. عندما أُقدِّم شخصية الإمام مثلاً.. لا تَهمّني ملامحه.. بقدر ما يهمّني كنموذج للسُّلطة الدينية.. كذلك كل النماذج الأخرى في المجتمع.. بماذا يمكن أن أُفيد القارئ إذا وصفتُ المومس بأنها جميلة؟ لتكن قبيحة.. فهذا لا أهمية له.
ثم إنَّ فَنّ القَصّ بصفة عامة ـ رواية وقصة ـ قد أَسَّس لشخصيات وأمكنة مشترَكة بين كل الشعوب تقريباً.. فمثلاً بالنسبة للمكان.. كان القصّاصون الأوائل عندما يتحدثون عن المقهى يضطرون إلى وصف تفاصيل المكان من طاولات وكراسي ونادل.. وغير ذلك من معالم المقهى.. لأنَّ هذا المكان لم يتأسس بعد في ذهن المتلقِّي.. أمّا اليوم فلسنا في حاجة إلى ذِكْر هذه التفاصيل وقد تأسست.. فيكفي أن نقول (مقهى).. دون الخوض في التفاصيل.. لأنَّ ذلك سيُعَد تكراراً زائداً.. وكذلك بالنسبة للشخصيات.. لسنا في حاجة إلى وصف الشرطي.. أو الإمام.. أو القسّ.. أو المومس.. أو حتى الفقير.. خاصة في القصة القصيرة.. لأنَّ الوصف في هذه الحالة لن يُقدِّم جديداً.. بل ربما لن يرتقي إلى الصورة المتأسِّسة الراسخة في ذهن القارئ.
وأنا لا أُحب القصص التي تُدقِّق في أوصاف الشخصية.. كالطول والقصر واللون والملابس وتشكيل الجسد.. فتبدو أشبه بتقارير الْمُخبِرين! بعض الأحداث مُجرَّد إثقال للنَّصّ.. (حيث تكون الأحداث قليلة.. تَبْقَى في الذاكرة طويلاً) كما قال تشيكوف.
والقصة القصيرة ليست كيساً منفوخاً تضع فيه أي شيء كما قيل ذات يوم عن الرواية.. في القصة القصيرة عليك أن تقاوم إغراء الكتابة.. فالمساحة لا تسمح بالتمادي.. على عكس الرواية.. فهي تُرضي إغراء الكتابة.. لكنّ هذا الإغراء يظل خطراً على أي نوع من أنواع الكتابة.
لا أُمهِّد للشخصية.. فالقصة القصيرة لا تحتمل ذلك.. لا أُحِبّ أن أُقدِّم الشخصية جاهزة.. كصورة فوتوغرافية داخل إطار.. إنني لا أقول عن بطل القصة مثلاً (كان قلقاً) بهذا الشكل الجاهز.. بل أدع القارئ يفهم ذلك من خلال سلوكيات البطل.. إيْماءة بسيطة قد تكون كافية لوصف حالة نفسيّة.. يقول الكاتب الياباني جيكاماتسو: (عندما يقول أحدهم عن شيء حزين: إنه حزين.. فإنه يُضيّع متضمنات حالة الحزن.. وسيكون حتى انطباع الحزن ضئيلاً في هذه الحالة.. من الضروري أن يجعل المرء الحزين حزيناً بذاته.. لا أن يقول عنه: إنه حزين).
كانت الروائية (ناتالي ساروت) لا تضع أسماء لشخصيات رواياتها في كثير من الأحيان.. بل تشير بالضمائر: هو.. هي.. هم.. نحن... بينما نجد بعض الكُتّاب يصلون في تسمية الشخصية إلى الاسم الثلاثي!!!
إنني أُحاول جاهداً ألاّ أعتدي على منطقة القارئ.. لكن ذلك ليس بالسهولة الْمُتصوَّرة.. إنني أحاول كذلك ألاّ أَجْلِد القارئ بحجّة الاهتمام بالتفاصيل.. و(كثرة الكلام تحجب المعنى).. فالكوبيّون كانوا يقولون (إنّ كاسترو إذا أراد أن يقول شيئاً يتحدث ست ساعات كي لا يقول شيئاً!!).. فجَلْد القارئ أو المستمع يُمثِّل نوعاً من الساديّة.
***

06 مايو، 2009

الدِّهْلِيْز

1
... يجب أن آخذ نفَساً.. إنَّنِي ألْهَث.. منذ الصباح وأنا أحفر.. أيّ صباح؟ كائن مثلي يستوي عنده الصباح والمساء.. يُسَمُّونَنِي (بُوعَمايا).. عينا الأعمى تنظران إلى الداخل.. الظُّلْمة مُجَرَّد قصورٍ في الرؤية.. لا إحساس بالزمن إلاّ من خلال دفء الشمس.. أو بَرْد الليل.. أو حركة العالَم الفوقي وهم يدوسوننا.. على الرغم من أنَّهم يَمتلكون عيوناً.. إنّهم يُثقِلون الأرض.. ثقل الكائن الذي لا يُحْتَمَل.. هل هذا هو قَدَرُنا؟ نفترش التراب ونلتحفه ونتوسَّده أيضاً.. الْحَفْر.. الْحَفْر.. ولا شيء غيْر الْحَفْر.. لو تحوَّل الْحَفْر إلى حَدَثٍ أولِمبِي لَحَصلتُ على ميدالية الْحَفّار الأَوَّل!
2
... لا أعترف بأيّة حدود.. أحفر في أيّ اتِّجاه يروق لِي.. أُكَوِّم التراب في كُدْوَة فوق الأرض.. لأُعلن عن وجودي.. لأقول بأنَّنِي أكثر الْتصاقاً بالتراب.. بالطِّينة الأولى.. في بعض الأحيان أجد جذراً فأقضم منه وأمضي.. أو تعترضنِي صخرة فأدور حولها.. أمّا قواعد الإسمنت فهي ألعن ما يعترض طريقي.. تستعصي على مخالبِي وأسنانِي.. فأحفر إلى الأسفل.. أهبط.. أنحدر.. البشر يُقيّدون بيوتَهم بالأرض.. يربطونَها.. ينسون أنَّهم سيدخلون نفَقاً مُظلِماً كنَفَقي.. دروبِي مُتعرِّجة.. أسيْر على غَيْر هُدَى.. لا أملك خارطة.. لكنَّنِي لا أخطئ رائحة الأنثى ولو كان بينِي وبينها جبل.
3
... طال هذا السرداب وتعرَّج.. في كُلّ يوم أحفر نفَقاً جديداً.. حتَّى إنَّنِي لا أستطيع العودة في هذه المتاهة إلى نقطة البداية.. يبدو الحفر في كثير من الأحيان حاجة في ذاته.. أُحِسّ بقوّة خفيّة تدفعني إلى التوغُّل.. جائع إلى شيءٍ ما.. لا أعرفه على وجه التحديد.. حياتي كُلّها مُجرَّد بحث.. لكن بَحْث عن ماذا؟ أحفر فراغاً لا ينتهي.. فراغاً يَمتدّ خلفي كُلَّما أوغلت.. كائن مثلي لا يُتقِن شيئاً سوى السير في دروب ملتوية ينحتها بأظافره.. وصفي بأنني أعمى ليس دقيقاً.. فأنا لا أمتلك عينين أصلاً.. أنا أنف وأسنان قاطعة ومخالب مُدبَّبة.. آلة مُعَدَّة للحفر.. النفَق الأهمّ لَم أحفره بَعْد.. أحياناً أتساءَل: ماذا يتوجَّب علَيَّ أن أفعل؟ يَبْرق هذا السؤال في ذهنِي إلى درجة أنَّني أتوقَّف عن الحفر.. عملي محفوف بالمخاطر.. قد أدخل فجأة جُحْرَ الأفعى.. أو تنبش ملاجئي الثعالب.. أحياناً تندلق عليّ قاذورات الإنسان.. أمرٌ مُحَيِّر أن نكتشف بعد كلّ هذا العناء أنَّ ملاذاتنا غير آمنة.
4
ماذا يفعل مخلوق لا يَمْلك سوى أظافر موحِلة؟ وحاسّة شَمّ في دهالِيْز ملوَّثة؟ ما الغاية من وجود كائن أعمى لا يملك سوى الانزواء تحت الأرض؟ ألا تكفينِي ظُلمة العَمَى؟! في بعض الأحيان أُفَكِّر في فتح كُوَّة نحو السماء.. ليتني أقدر أن أحفر نَفَقاً إلى الأعلى.. عيب السماء أنها بعيدة أكثر مما ينبغي.. لا أستطيع لَمْسها بأظافري.. حتَّى إننِي لا أتمكن من شَمِّها.. تُرَى ما رائحة السماء؟
5
بدأتُ أشمُّ رائحة الأنثى من خلال مسامّ التراب.. أين أنتِ أيَّتها الْمَوؤُدة.. نحن الأحياء الْمَقبورون.. ليحفِرْ كُلٌّ مِنّا من جهته.. لا لقاء بغير حَفْر.. احفري قبل أن يهطل المطر فيعيقنا الوحل.. ما بَيْن غَيْمَتَيْنِ وقتٌ مُستقْطَعٌ للصَّحو.
6
... ما هذا البَلَل؟ لَم يعُد ينقصنِي سوى المطر.. الآن سأغرق في الوحل.. لكن لا بأس.. من إيجابيّات المطر أنّه يُسَهِّل الْحَفْر.. إذا أقبل الشتاء.. لم يكن الربيع بعيداً.. أين أنتِ؟ أسمعكِ.. أسمعكِ.. أسمع مخالبَك.. لا تتَّجهِي يَمِيناً.. إلى اليسار قليلاً.. أمامك مباشرة.. أشمُّكِ.. الوحل يتحرَّك.. أنا أحفر أيضاً.. وأرتعش.. أنا الذَّكَر الوحيد الذي يشقّ الأرض بأظافره من أجل أُنثاه.
7
... أخيْراً! طال انتظاري لهذه اللحظة الْمَحْمومة.. أستبشِرُ بالمطر في هذه الصحراء الْمُظلِمة.. يُبَلِّل روحي.. أنتشي برائحة الثَّرَى.. تعالي نقِيْم عرسنا في الظلمة.. نَهاراتنا بغَيْر شَمْس.. زمَننا بلا فواصل.. عُزلتنا أبديّة.. نفَقنا ضيِّق.. مُتعرِّج.. مُعْتِم.. مُجرَّد ثُقْب أسود.. لكنَّ أرواحنا تُضيئه.. كنتُ على يقِيْن من وجودكِ في آخر النَّفَق.. أنتِ أيضاً مقرورة وترتعشيْن.. نحن الآن نتمرَّغ فوق سريرٍ من الوحل.. مَن قال بأنَّ الرومانسيّة قد ماتت؟ أستطيع أن أقول بأننا الآن نَلْمس السماء.
***
(2006)

05 مايو، 2009

الذاكرة والرائحة

حتى الآن ـ وبعد خمسين عاماً تقريباً ـ يُمكنني أن أتذكّر الأشياء في طفولتِي بالرائحة.. فلماذا الرائحة بالذات؟
حين أشمّ رائحة الشيح أتذكّر حادثة قبل أن أدخل المدرسة.. حيث وضع راعي أغنامنا ـ وهو من أولاد علي ـ الشيح في الشاي.. ونحن ليس من عادتنا أن نفعل ذلك.. بل نضع الزعتر والحندقوقة وأعشاباً أخرى.. حادثة بسيطة وعابرة.. لكنّ ذهنِي يستدعيها بِمجرّد أن أشمّ الشيح.
حين أشمّ رائحة الخروب أتذكر انّنِي وقعت من شجرة خروب تنمو في بئْر خربة.. ارتقيت الشجرة من أجل قرون الخروب.. انقصف غصن الخروبة فسقطت.. ثُم سقطت مرّة أخرى في البئر الخربة.. فقدتُ وعيي.. ولَم أفق إلاّ في البيت وهم يسقونني عسلاً.
حين ينزل المطر لأوّل مرّة في الخريف.. وأشمّ رائحة الثرَى.. أتذكر أنّ السيل اجتاح بيتنا ذات ليلة.. هربنا في آخر لحظة إلى مكان مرتفع.. وأخذ السيل بعض أغنامنا.
يُمكنني أن أسرد عشرات الحوادث المتعلّقة بالرائحة.. فكل شيء كانت له رائحة.. وكانت حاسة الشّم قويّة.. حيث إننا لَم نتلوّث بعد.
نقول في تعابيرنا: (يا خالتِي عليك بَنّة أمّي).. وحين نذم شخصاً نقول: (لا بَنّة لا صَنّة).. فمن لا رائحة له مشكوك في وجوده أصلاً.. وفي عالَم الحيوان تلعب الرائحة دوراً فاعلاً في تحديد الشريك أو العدو.. فالرائحة جزء من الهويّة.. إنّها (الكود).. وجواز المرور في كثير من الأحيان.
حين تنفر النعجة ولَدها.. أو يريدون منها أن تُرضع خروفاً آخر مع ولدها.. يقومون بتغيير الرائحة.. بأن يرشّوا عليهما ملحاً مذاباً في الماء حتى تتوحّد رائحتهما.. وإلاّ فمن المستحيل أن تتقبل النعجة الأم رائحةً غير رائحة ولدها.
(الشَّمّ هو حاسة الذاكرة) كما يقول مارسيل بروست.. ويعقوب ـ عليه السلام ـ قال: (إنّي لأجد ريح يوسف).. لا يزال يحتفظ برائحة ابنه بعد غياب أربعين عاماً!
***

03 مايو، 2009

هُموم الجحْشِ الأَشْهَب

1
... في ذلك المساء كان كل شيء يبعث على الكآبة.
بدأ العجاج يَعْصِف.. وفي السماء غيوم خريفية تسفعها الريح.. شمس مُحتجبة.. وبُومٌ ينعب في الخلوات.
الجحش الأشهب يُهدِّل أذنيه.. يُجرجر أرجله تحت ثقل أربعة براميل.. كان ساخطاً على كل شيء.. حتى على نفسه.. وهو مُستغرِقٌ في تفكير عميق:
ــ يحملون فوقك البراميل.. لا يكتفون بذلك.. بل يركبون هم أيضاً.. وإذا أبطأتَ.. ينخسونك في كتفيك حتى يسيل منها الدم الأسود.. أو يسوطونك على جانبيك.
انتبه على مشارف القرية.. أحسَّ بالارتياح.. فرفع عقيرته بنهيق احتفالي ممطوط.. وهو يفعل ذلك أيضاً عندما يلوح خيال الحمارة.. أو حتى يشم رائحتها عن بُعْد.. وأحياناً كثيرة ينهق بدافع الملل.
تلقَّى ضربةً بين أذنيه قبل أن يُكمل نهقته.. ترنَّح.. أحسَّ بالألم.. وبارتجاجات الضربة تسري في كل جسده.. ثُمَّ استعاد توازنه..
ــ يا للفظاعة.. إننا لا نملك حتى حقّ النهيق.. لكن لا بأس.. تقول حكمة الحمير: (اصْبِرْ.. فإمّا أن ينتهي الطريق.. أو يموت الحمار).. صبر الحمير إحدى الفضائل المُخيفة!
2
... في الخريف كانت عناقيد الخرُّوب الخضراء على موعدٍ مع السواد.. والحلاوة.. فاحت رائحتها عبر انعطافات الأودية.. ومسارب الغابة.
... كان الجحش ـ كعادته ـ مُستغرِقاً في هموم الرحلة:
ــ حَشُّ الخرُّوب على كل حال أفضل من جلب الماء.. وأهون من الحصاد وحمل الشوالات والغرائر.. فتحتَ الخرُّوبة يُمكنك أن تلوك بعض القرون الحلوة.. التي تسقط هنا وهناك.. ويبقى مذاقها في فمك إلى العام القادم.
تعثَّر بحجر.. فقال مُتألِّماً:
ــ هذه ثاني مرَّة أتعثَّر بهذا الحجر اللعين.. سيقولون تعثَّر به مرتين لأنه حمار! مع أنه من الممكن للواحد أن يتعثَّر بالحجر عشر مرات.
صمت قليلاً.. ثُمَّ استدرك:
ــ لكن.. على كل حال.. يقولون: (إنه لأمرٌ مُخجِل التعثُّر مرتين بالحجَر نفسه).
توقَّف وبال.. وعندما أبطأ تلقَّى سوطين على جنبه الأيمن..
ــ فليضربوا حتى مائة سوط.. الواحد إذا شرع في البول لا يمكنه التوقُّف حتى ينتهي.
نظر إلى أسفل بطنه وأضاف:
ــ انظر إلى عنوان ذكورتك.. لا أحد على وجه الأرض يملك مثل هذا الشيء.. يجب أن يكون في هذا نوع من العزاء.. بل يجب أن يكون مبعث فخر.. هناك دائماً نوع من التعويض.. فالواحد لا بُدَّ أن يجد شيئاً ما يزهو به في نهاية المطاف.
3
... اشتعلت جمرات الظهيرة.. لبست الأشياءُ ظِلَّها.
باعد الجحش الأشهب بين أرجله.. طأطأ قليلاً.. وبدأ يحكُّ ظهره بأسنانه.. ثُمَّ وضع أنفه في التراب وتمرَّغ.
بعد أن انتهى من طقوس القيلولة.. بدأ يحلم بأنه حمارٌ مُجنَّح!
ــ كم هو رائع أن أنتمي إلى الطبقة الطائرة.. من التراب إلى السماء.. من المَرَاغَة إلى الآفاق الرحبة.. وساعتها يُمكنني أن أعتلي أيَّة حمارة أريد.. بل أستطيع حتى اعتلاء الفرس.. يا إلهي لماذا لم تخلق الحمير بأجنحة؟! لا تقل لي بأنك لست قادراً على ذلك.. سبحانك.. لا يُعجزك شيء.. هكذا سيسمُّونني (الحمار الطائر).. أو ربَّما (الحمار المُجنَّح).. وستكون هذه (آخر نَهقة) في عالم الحمير.. كم هو مُدهش أن تمتلئ السماء بأسراب الحمير المُرفرفة.. وتتقطَّع أعناق الخيل وهي تنظر إلينا من الأسفل!
صهل الحصان.. فأفاق الجحش من حلمه.. نخر مُثيراً الغبار.. ثُمَّ قال وهو ينظر إلى الجواد:
ــ يا للإجحاف.. يغسلونه.. يُبدِّلون له مربطه.. يضعونه في الإسطبل.. بعيداً عن صهد الشمس.. ولَفْح البرد.. يُزيِّنون أرجله بالحدوة.. ويُعلِّقون في رقبته مخلاةً مُزخرفة مليئة بالشعير.. وماذا يفعل مقابل ذلك؟ لا شيء سوى الصهيل والرَّوث!
نفض أذنيه الطويلتين فأحدثتا فرقعة.. واستأنف:
ــ يقول أحد أمثال الحمير: (يموت الحمار وشَوقه في المخلاة).. هذا صحيح للأسف.. حمير كثيرة تموت وشوقها في المخالي.
4
... الجحش يُحدِّث نفسه.. وهو ينوء تحت حزمة الحطب:
ــ هذا اليوم ليس ككل الأيام.. فهو أكثرها سوءاً على الإطلاق.. فليس هناك ما هو أسوأ من جلب الحطب.. حيث تنغرز في جنبيك الأعواد الناتئة.. وتنحدر وتصعد عبر الأودية والسفوح الوعرة.. ويَحيدون بك عن الطريق.. فأنا لا أُحسِن السير في الدروب غير المطروقة.
يسير مطأطئ الرأس.. يشمُّ قَشَّ الشِّعاب.. يُثير الغبار بحوافره.. ويُسلِّي نفسه باجترار بعض الأفكار:
ــ لا أدري لماذا يعتقدون أننا بلا ماضٍ.. هذا ليس صحيحاً.. أعرف إحدى أساطير الحمير تقول بأنَّ الحمار هو آخر من ركب في سفينة نوح.. وقد كان الشيطان مُتعلِّقاً بذيله.. فرفض نوح أن يحمله في سفينته ما لم يتخلَّص من الشيطان.
نهق الحمار.. ارتفع في الهواء.. ورفس الشيطان بقائمتيه الخلفيتين.. ولكن.. هل يُمكن رفس الشيطان حقًّا؟! كان الأمر مُضحِكاً.. فالرفسات كانت تذهب سُدىً في الفراغ.. وأحسَّ الحمار بأنَّ قِواه قد خارت.. فتهالك.. وبدأت السفينة تتحرَّك.. والدنيا على وشك أن تغرق.. فصرخ نوح طالباً منه الصعود حتى بالشيطان.. يا لها من مفارقة.. ننقذ الشيطان.. ونعجز عن إنقاذ أنفسنا!
شعر بوخز الأعواد في خاصرته وهو يصعد من مجرى السيل.. وبدأت النعْرَة تلسعه في سيقانه من الداخل.. تصبَّب العرق من جانبيه وانحدر إلى أرجله.. تهدَّلت أذناه.. أخذت أنفاسه تتلاحق.. حاول التوقّف.. لكنه أدرك أنَّ هذا سيزيد الأمر سوءاً.. فتحامل على نفسه وواصل الصعود.
رفع رأسه.. حافَّة الوادي لا تزال بعيدة.. وتعرُّجات الطريق الصاعد تُضاعف المسافة.. انغرزت الأعواد في خاصرته.. انبثقت دماء لزجة.. أحسَّ بجريانها فوق ساقيه.. مما أثار النعْرَة فاشتدَّت لدغاتها.
كان يريد أن ينهق طالباً النجدة من أحدٍ ما.. حتى من الشيطان.. صحيح.. الشيطان مَدين له.. يجب أن يردَّ له الجميل.. لكنَّه لم ينهق.. فليست لديه الأنفاس الكافية لذلك.. ثُمَّ هو يُدرك أنَّ بطنه ستنتفخ.. وستخترق جلده كل الأعواد الناتئة في حزمة الحطب.. وهذه الحشرة اللعينة بدأت تقرصه في أماكن حسّاسة.
... فوق حافَّة الجُرف.. ينعطف الطريق بشكلٍ حادٍّ إلى اليمين.. بعد ثلاث خطوات على الأكثر.
نظر إلى الهاوية السحيقة.. وإلى الصخور المُسنَّنة.. والجذوع المُدبَّبة.. وتذكَّر في تلك اللحظة حلمه المُجنَّح.. فأغمض عينيه.. وأخذ يسير بشكلٍ مستقيم...
(1998)

27 أبريل، 2009

عن الذاكرة والمكان والرؤى

الشاعر سالم العوكلي
عدسة: أحمد يوسف عقيلة
حوار مع القاص: أحمد يوسف عقيلة

حاوره الشاعر: سالم العوكلي.
(هذا أول حوار مع القاص عقيلة سنة 2000)
القاص (أحمد يوسف عقيلة) برز اسمه في كتابة القصة القصيرة مع بداية التسعينات.. وكان حضوره لافتاً ومميزاً.. عبر دأبه على استكناه مكان مازال خاماً بالنسبة للحركة السردية في ليبيا.. وهو (الجبل الأخضر).. وعبر استبطان علاقات وخُرافات وحكايات شعبية شكَّلت عجينة توجهه الإبداعي حتى الآن.. هادئاً دخل عالم القصة.. وخجولاً ولج حركة النشر.. لا شيء يشغله سوى القصة.. كل اهتماماته مُنصبَّة عليها.. وكل حواراته حولها.. لا يتورَّع عن أن يسافر أكثر من ألف كيلومتر كي يقرأ إنتاجه لأيٍّ من المهتمين.. مُثابر في الكتابة.. ومتواصل في النشر مع معظم المطبوعات المحلية والعربية ذات الصلة.. ومتواصل في الوقت نفسه مع جُلّ المثقفين في ليبيا وخارجها.. عبر إرسال إنتاجه إليهم بشكل شخصي.. وتلقِّي ملاحظاتهم بشغف.
وهذه محاورة أولى معه.. نحاول من خلالها ولوج عالمه السردي.. الذي ينبع هادئاً من ذاكرة ضاجّة وصاخبة.. تُشكِّل أهم روافد كتابته.. التي هي إحدى الظواهر القليلة التي تكسر سِمة غياب المكان في الكتابة الإبداعية في ليبيا بشكلٍ عام.
التكوين والبدايات:
ــ علاقتك بالسرد كيف كانت.. ومن أين بدأت؟
ــ ولدتُ في البراري العارية.. حيث لا سقف ولاجدران.. طفولتي تميَّزت بالتماسّ المباشر مع الطبيعة.. حيث شدة البرد القارس في الجبل الأخضر كنا نقاومها بالتحلُّق حول كوانين الجمر.. والتلهِّي بسرد الحكايات.. يقولون عندنا: (في الشتاء كل شيء ينقص حتى الصخر.. ما عدا ثلاثة أشياء: البحر.. الجمل.. ورماد النار.. فهي جميعاً تزيد).
كنَّا في الليل نتحلَّق حول عمتي (أم الخير بنت عقيلة).. تقصُّ علينا خراريفها التي لا تنضب.. كانت تملك جِراباً من الأحاجي والحكايات: أم بسيسي.. نقارش.. شمس طيَاح.. احديدان.. والكثير من الحكايات عن الغول والسلاطين.
عمي (عبدالرسول) هو أيضاً له حكاياته التي تختلف.. كانت عن البطولات والفروسية والهلالية.. وفي القسم الداخلي الذي درستُ به طفلاً.. لأننا كنَّا نسكن في البوادي بعيداً عن القرية.. سمعتُ حكاياتٍ أخرى.. تختلف عن حَكَايا (أم الخير وعبدالرسول).. سمعتُ الحكايات الماجنة.. والأحاجي الداعرة.. وتعلَّمتُ رسم الأشكال الفاضحة بالفحم على الجدران.. هذا عن علاقتي الفطرية مع الحكاية.. أمَّا على مستوى الوعي بها كجنس أدبي.. فأول رواية أذكر أنني قرأتُها كانت (الزنبقة السوداء) لاسكندر دوماس.. حيث كانت من مقرَّرات المنهج الدراسي.. ومنذ ذلك الوقت انفتح أمامي باب القراءة الواسع.. فقرأتُ كل ما وقعت عليه يدي.. حتى الروايات البوليسية لأجاثا كريستي.. كما قرأتُ كَمَّاً من الأدب العالمي والشعر والميثولوجيا.. أمّا الأدب العربي فقرأتُه في مرحلة تالية.. القديم والحديث منه.. ولم أكتشف الأدب الليبي إلاَّ مُتأخِّراً.. حيث كانت البداية مع الصادق النيهوم.. الذي تعلَّمتُ منه الارتياب في كل شيء.. في المُسلَّمات والمقدَّسات التي لا قُدسية لها أصلاً.. ولكنها اكتسبت قداستها من جهل الناس.
أمَّا على مستوى الكتابة.. فأول قصة كتبتُها كانت سنة 1994.. لم أكن أُدرك أنَّ ما كتبتُه قصة.. كتبتُ نَصاً فقالوا هذه قصة قصيرة! لم تكن المسألة خياراً.. إنما جاءت هكذا.. لا أدري كيف؟ وبدايات النشر كانت في صحيفة (الأفريقي) الصادرة بدرنة.. التي كان في هَيأة تحريرها ـ لحسن الحظ ـ ثلاثة شعراء.. هم ( أحمد بللوـ سالم العوكلي ـ عبدالسلام العجيلي).. ومع أنَّ اسمي لم يكن معروفاً لديهم.. إلاَّ أنهم تعاملوا مع النصوص قبل كل شيء.. واهتموا بها كثيراً.. بل أستطيع القول بأنهم احتفوا بها.. ودعوني للمشاركة في أول أُمسية قصصية بالنسبة لي بمدينة (درنة).. كانت آراؤهم وملاحظاتهم قد جنَّبتْني الكثير من تعثُّر البدايات.
المكان والمجتمع:
ــ يتَّضح جليَّاً في قصصك علاقتك العضوية بالمكان.. واستبطانك الدائم لمجتمع القرية.. احتفاؤك بالكائنات.. وأنسنة الأشياء.. فماذا أعطاك هذا المكان جمالياً.. وهذا المجتمع الصغير من مضامين سردية؟
ــ في هذا المكان أرى الأشياء وكأنني أراها لأول مرة.. الطبيعة بالنسبة لي دهشة دائمة.. (الدهشة إزاء البديهيات) كما يقول الشاعر (مفتاح العمَّاري).. فالشروق والغروب مشهد يبدو متكرراً.. ولكن هل هو متكرر فعلاً؟ بالطبع لا.. فشروق اليوم ليس هو شروق الأمس.. إنني أُسمِّيها: (جِدَّة الأشياء المتكررة).. لذلك فأنا أستقبل المكان بكل حواسي.. أراه.. أتشممه.. ألمسه.. أتذوقه.. أتعامل مع الأشياء ـ حتى الجمادات ـ ككيانات واعية.. مُدرِكة.. أحاول تفهُّمها.. استيعابها.. والأهم هو أنني أُحبها.. وأُحس بأنها تبادلني نفس الحب. تطلَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إلى جبل (أُحُد) ثُمَّ قال: (أُحُد جبلٌ يحبنا ونحبه)! نعم.. بهذا التوافق.. والانسجام مع الطبيعة إلى حَدّ التماهي.. إننا عندما نقوم بأنسنة وروحنة الأشياء.. نستفيد من بُعدين: البُعد الأصلي للأشياء.. والبعد الإنساني المُضاف.. وهكذا نخلق أُفقاً أرحب في المكان والحركة والشكل والعلاقات.. ثم إن أنسنة الأشياء تأتي في مواجهة (تشييء) الإنسان.. أي جعله مجرد شيء.. إنه دفاع عن أرواحنا وإنسانيتنا.. فنحن في الواقع في حاجة ـ ليس إلى أنسنة الأشياء فقط ـ بل إلى أنسنة الإنسان نفسه.
هذا على مستوى العلاقة بالمكان.. أمَّا ما أعطاه هذا المجتمع الصغير.. فإنني أُحاول تقديم نماذج.. وبالتالي لا يهمني أن تكون الشخصية ذات ملامح محددة.. عندما أُقدِّم شخصية الإمام مثلاً.. لاتهمني ملامحه.. بقدر ما يهمني كنموذج للسلطة الدينية.. وهذا المجتمع مرتبط في الواقع بالمقدسات.. فالفقه مقدس مع أنه نِتاج بشري قابل للصواب وللخطأ.. وكذلك تفسير القرآن مع كونه نِتاجاً بشرياً هو الآخر.. مما جعل الفقهاء والمفسرين يشكِّلون (طبقة) تملك وحدها حق احتكار تأويل وتفسير النص الديني وفق رؤيتها الخاصة.. إضافةً إلى أننا ورثنا تقديس بعض الأشياء.. التي كان يُنظر إليها في المجتمع الريفي بنوع من القداسة.. مثل طائر (النِّيْسي) والعنكبوت الأبيض (أمّ الزَّين).. لأنها حمت الرسول في الغار.. والقُبَّرة المتوَّجة لأنها ابتنت أعشاشها في مواضع قدمي الرسول لتخفي أثره عن المُطاردين.. والثعبان الأخضر الذي يوجد في الآبار للاعتقاد بأنه جان.. ونبات (الحَرْمَل).. الذي لا نستطيع الاقتراب منه أو قطع أي فرع من فروعه قبل أن نضع على أصل النبتة قليلاً من الملح والشعير.. وأُمي كانت تتشاءم من قطع أي شيء أخضر بالقرب من البيت.. وهذه النظرة للطبيعة بنوع من التقديس تبقى من أهم الأسباب في الحفاظ على البيئة.. وقد كان الهنود الحمر في الأمريكتين أكثر الشعوب حفاظاً على البيئة بسبب نظرة التقديس.. في مجتمعنا ثَمَّة مستويات للقداسة وحدود أيضاً.. أذكر أننا عندما كنَّا نزور مقام أحد المرابطين.. ندخل خلف أُمي بعد أن نخلع أحذيتنا.. فتحفن حفنةً من تراب الضريح.. وتحكُّ بها جلودنا.. وتحذِّرنا من أن نأخذ أي شيء من حَومة الشيخ.. لكنَّ تلك الحُرمة تزعزعت ذات يوم.. عندما عثروا على (جبح) نحل داخل أحد القبور.. فشقّوا القبر.. أمام العسل تراجعت حُرمة الأموات.. بما فيهم صاحب المقام نفسه.
في هذا المجتمع الصغير كان تصادمي الأول مع تجلِّيات السُلطة.. سُلطة الأب والفقيه ورئيس الفصل ومُشرِف القسم الداخلي والمُعلِّم والناظر.. وغالباً كانت العصا هي أداة الحوار.
كما أنه في هذا المجتمع إذا فقدت المرأة عُذريتها فتلك هي أٌمُّ الفضائح.. ليس بالنسبة لها وحدها.. بل لكل القبيلة.. العار الذي يُسوِّد الوجوه.. وقد يؤدِّي إلى قتل المرأة.. أمّا إذا فقد الرجل عُذريته فإنَّ ذلك يعني فتحاً من فتوحاته.. فيتصدَّر مجالس رفاقه مُنتفِشاً كالديك.. ويُجاهر مزهوَّاً بفعلته.
أذكر أيضاً أننا كنَّا نخاف من ذكر الإنجليز.. وعندما تمر العربات بالقرب من النجع.. نترك البيوت ونُسرِع إلى الوادي لنختبئ خلف أشجار الرتم.. والمرَّة الوحيدة التي لم نبتعد عن رتل العربات الصفراء.. قذف لنا سائق شاحنة عُلبة أسطوانية زرقاء لامعة.. فحملناها مُسرِعين إلى البيت.. حذَّرتْنا أُمِّي من أنها قد تكون قنبلة.. لكنَّ العُلبة كانت مُغرية إلى درجةٍ لا تُقاوَم.. ففتحناها وكانت مليئة بالشوكولاتة.. ومنذ تلك اللحظة وحتى الآن اقترن الإنجليز في ذهني بالأشياء اللامعة والحلوة.. والأهم من ذلك هو كسر الخوف من (الآخر).
الخصوصية والهوية:
ــ الخصوصية كلمة قد تكون مُبهَمة.. لكنها كثيراً ما ترِد في أدبياتنا كهاجس من هواجس الهوية.. ماذا تعني لك الخصوصية.. وهل تعتقد أن لك خصوصيتك في كتابة القصة؟
ــ تأثرتُ بكل مَن قرأتُ لهم.. وأنا مَدين لهم بذلك.. لكنني لم أخرج من معطف أحد ولا عباءته.. بل أخذتُ لغتي من مغزل أُمِّي.. من زخارف هدمتها وحَواياها واكليمها.. ومن ألوان أروقة بيتها.. أخذتُ لغتي وإيقاعي من نسيج العنكبوت.. من حركة قوافل النمل الدائبة في النياسب المتعرجة.. من دَوران الخيل فوق أجران السنابل.. من تراصف الأرغفة في التنور.. من أغاني البدو ومزاميرهم.. من وقع المطر.. وإيقاع (القاطر) في زوايا البيت.. من قَشِّ الأعشاش.. من ضباب الصباح وهو يتسرب من فوق حوافّ الأودية.. هل هذه هي الخصوصية؟ لا أدري.. هل الخصوصية قضية جغرافيّة وتنبع من المكان؟ إنَّ النيران والجرَّافات تكاد تأتي على غابات الجبل الأخضر.. وهي تجرف ذاكرتنا كل يوم.. فنحن في سباق من أجل أن نحتفظ لهذه الذاكرة ولو بصورة باهتة.. والاهتمام بإبراز جماليات المكان ليس جغرافيا بقدر ما هو غوص في التاريخ.. فالكهف لا قيمة له إلا من حيث علاقـته بالإنسان.. فبمجرد أن يدخل الإنسان كهفاً فإنه يتحول إلى تاريخ.. وكذلك الجبل والوادي والصخرة والشجرة.. فالفصل بين الجغرافيا والتاريخ لا يخلو من تعسُّف.
أنا في كتابتي لا أُحس بالتميُّـز عن الآخرين.. لكنني أشعر بالاختلاف عنهم.. وهناك فرق لا يخفى بين التميُّـز والاختلاف.. وينطبق عليَّ ما قاله الكاتب الأرجنتيني بورخيس: (حدثت لي أشياء قليلة.. ولكنني قرأتُ كثيراً).
المشروع الجمالي:
ــ ماذا تحاول أن تقول من خلال كتابة القصة.. وكيف تتخيَّل مشروعك الجمالي.. وتوجهك الفكري أوالإبداعي من خلال هذه الأداة؟
ــ يُقال: (الأدب تعبير غير عادي عن أشياء عادية). وهذا ما أُحاول عمله من خلال كتابة القصة.. أسعى إلى تحويل الحياة اليومية بتفاصيلها إلى قصص.. كل شيء من الممكن أن يتحول إلى حكاية.. وما أُحاول القيام به هو نقل هذه الدهشة إلى الآخرين.. أو بتعبير آخر (توسيع رُقعة الدهشة).. أُحس بأنّ سر الحياة كله يكمن في الأحداث اليومية البسيطة.. بل في الواقع اليومي الساذج.. يقول دوستويفسكي: (إنّ الشوق إلى الوقائع الجارية يتملَّكني).
القصة القصيرة فن قبل كل شيء.. والفن سلوك من سلوكيات الروح.. وأنا لا أحب القصص التي تعتمد على الفكرة المباشرة والذهنية.. أكثر مما تعتمد على الإدراك الجمالي.. فتأتي جافة (إن أجمل الأشياء تلك التي لا تُفسَّر.. تلك الأشياء التي بين الحقيقة والكذب) كما يقول شاعرنا (علي صدقي عبدالقادر) وتقول الشاعرة والروائية الجزائرية (أحلام مستغانمي): (الفن هو كل ما يهزُّنا.. وليس بالضرورة كل ما نفهمه).. أمّا المباشرة الخالية من الفن.. فعيبها الأساسي هو أنها تستمد شرعيتها من خارج الفن.. كالإيمان بقضية ما.
نحاول استكناه الجمال في عالم مليء بالخراب.. بالقتل.. بالمرض.. بالجوع.. والكوارث.. حتى الخرائب التي ينعب فوقها البوم.. لا ننظر إليها على أنها خرائب.. يكفي وجود طائر البوم لينفي عنها صفة الخراب.. ذات يوم مرَّ المسيح ـ عليه السلام ـ مع حوارييه على جيفة كلب يعيث فيها الدود.. فقال الحواريون: ما أنتنَ هذه الجيفة.. فردَّ المسيح: لكنَّ أسنانه ناصعة البياض!
إننا نحتفي بالحياة.. في زمن تُهدَر فيه الحياة.. زمن الإبادة الجماعية.. المقابر الجماعية.. المجازر.. الإرهاب.. التطهير العرقي.. زمن التلوث البيئي.. إن الحياة أغلى وأكثر قيمة من أن تُهدَر.. والحياة كما يجب تقتضي ـ في حدها الأدنى ـ الحرية والعدالة.
ــ هناك فارق بين المدينة كقيمة حضارية.. والمدينة كواقع قد يكون صادماً.. أين هذا من توجهك في الكتابة السردية؟
ــ لم أكتب عن المدينة ولم أحاول حتى الاقتراب منها.. ليس رفضاً لها.. بل لأنني لا أعرفها.. وإن كنت أخشى أنَّ عدم المعرفة قد يُشكل في حد ذاته نوعاً من الرفض.. فمن الصعب عليّ أن أكتب عن شيءٍ لا أعرفه.. فأنا وُلِدتُ ونشأتُ في الريف.. لم أولد حتى في القرية.. بل في النجع.. الذي كان دائماً على أُهبة الاستعداد للرحيل.. دار للشتاء وأخرى للربيع وثالثة للصيف ورابعة للخريف.. نتطلَّع إلى الأفق بقلق ونرحل وراء غيمةٍ في السماء.. وهي العقلية الرعوية.. حيث الإقامة المؤقتة ريثما يتم الاستهلاك في عملية رعي جائرة.. وهي التي سماها ابن خلدون (العقلية المُدمِّرة).. إنها حالة صراع مشحونة بالدراما.
ولا يزال الحوار مستمراً..

13 أبريل، 2009

صَمْتُ العارِف

الشاعر الرويعي الفاخري
عدسة: أحمد يوسف عقيلة
قراءة في قصيدة (مانك غريب اصداف)
للشاعر (الرويعي الفاخري)
بقلم: أحمد يوسف عقيلة
أعترف مُسبَقاً أنني واجهت مشكلة.. جعلتني أتردد كثيراً في القيام بهذ القراءة.. وذلك بسبب الصداقة والعلاقة الحميمة التي تربطني بالشاعر (الرويعي الفاخري).. مما خشيت معه أن أقع في شيء من المحاباة.. وعدم الحيادية.. لكنني أدرك دائماً أنّ الحياد أكذوبة كبرى.. فليس بمقدور الكائن البشري أن يكون محايداً على الإطلاق.. الحياد صفة من صفات الإله سبحانه.. هل هذا نوع من التبرير؟!
في أحد المساءات الربيعية كنت ذاهباً مع الصديق الشاعر (الرويعي الفاخري) للفسحة في أودية الجبل الأخضر.. وهي إحدى عاداتنا الدائمة.. حتى في الأجواء الماطرة.. وكان (الرويعي) يسألني حين ندخل الطرق الزراعية الضيّقة عمّا إذا كان الطريق نافذاً أم منقطعاً.. فهو يكره الطرق المسدودة التي تجعله يعود من حيث أتى.. وما أكثر الطرق المسدودة عندنا! وأطلّ القمر من فوق السحُب.. فقلت للرويعي: (أنا أنظر إلى القمر دائماً على أنه شاهد على شيءٍ ما).. فابتسم وشرع في إلقاء القصيدة:
تعال يا اللي مانك غريب اصداف
اندزّك إن كان تطول في لولاف
وحرص على أن يُنبّه إلى أنّ مطلع القصيدة للشاعر سعد بوخويدم.
أحياناً يُطلَب من الشاعر (الرويعي الفاخري) أن ينشد بعض قصائده.. فيومئ بيده في لامبالاة.. كأنه يطرد أو يهشّ شيئاً ما.. وفي كثير من الأحيان لا يرغب حتى في مجرّد الحديث عن الشِّعْر.. لكن في أحيان أخرى يُشرق وجهه الأسمر بابتسامة.. يظهر في عينيه بريق.. أُحسّ أنّ جسده النحيل ينْزوي مُفسِحاً المجال للروح المتوثِّبة لتنشد الشِّعْر.. هذا ما حدث في ذلك المساء الْمُقمر.. كنت استمتع بصوته يتهدَّج وأنا أنظر إلى القمر يُطل من خلف السحُب ويحتجب.. كان القمر يُشكِّل رمزاً للقِيَم في حِسّ الشاعر (الرويعي الفاخري).. فهو المتواضع على الرغم من علوّ مكانته:
مانك اللي متعالي
حتى وانت ديمة منزلك علاّلي
وهو رمز للعدالة أيضاً.. فهو ينشر نوره على الجميع:
بضيّك اتبدّد في ظلام ليالي
علي كلّ حَد مانك لْحَد عَيّاف
ولفظة (اتبدّد) هنا لفظة مشحونة.. فهي توحي بسيلان الظلام.
والقمر رمز للعزة.. فهو بمنأى عن الخوف:
لا تندقر لانَك صنيع لْوالِي
ولايلحقك لْحداف نين تخاف
وللحرية.. فهو الطّوّاف:
عندي حجايج صارّهن في بالي
يريدن اللي كي حالتك طَوّاف
والجميل هنا هو التعبير عن الحرية دون الوقوع في المباشرة.. فمفردة (طَوّاف) تغني عن الكثير من الثرثرة.
ولأنّ القمر تجتمع فيه كل هذه القِيَم فهو أهل لتحمّل مسؤولية الرسالة للحبيب.. لأنّ الرسول (المرسال) مؤتَمَن:
يشيلهن بلا تبطاي شَور الغالي
اللي اليوم عاميني عليه ارياف
لو كان غير تسمعهن السّا ترثَى لي
ونخاف تنصدع منهن اتطيح أنصاف
ونا غير ودّي يشغلَك موّالي
الاّ ف القساوة ما عليك اخلاف
وكل يوم تسمع في شكية امثالي
م الصادق وم اللي للخبر زَيّاف
جميع من عشَق تلقاه فيك يخالي
لو كانّك بنادم راه راسك جاف
ويُلخِّص الشاعر حالة التيه بسبب غياب المحبوب:
ونا زاد ودّي لك انْمثّل حالي
نهار غاب من منّه تجيب اوصاف
بمراكبي علي ديموم موجه عالي
عطل عليه لا صاري ولا مجداف
نلاحظ هنا أن الشاعر لم يقل بأنّ محبوبه كالقمر على عادة أغلب الشعراء.. بل جعل القمر في مرتبة أقل جمالاً.. فهو (يجيب أوصاف) فقط من المحبوب.
ثم يسترسل الشاعر (الرويعي):
مانك غريب زيارة
وعندك طريق لكل حَد في داره
(عندك طريق لكل حَد في داره): تأكيد على مبدأ العدالة.
وما هناك وطن ولا اتْحدّ قراره
وعلي كل وادي ف الخلا جَوّاف
التأكيد على قيمة الحرية من خلال لفظة (جَوّاف).. والشاعر (الرويعي الفاخري) يُجيد انتقاء مفرداته.. فالمفردة الدّالة التي تُغني عن الكثير من الكلام هي مبتغاه.. وهذا يتطلّب دراية بدلالة المفردات وظِلالها وإيحاءاتها.. وهو ما جعل من فَنّ الاختزال شيئاً عصيًّا على الكثيرين في كل مناحي الإبداع.
من خَلقة الدنيا وانت ضارب دارة
عليها وواخذ ف السما مشراف
هنا تهيئة للحديث عن القمر كشاهد.. فهو (من خَلقة الدنيا).. و(واخذ في السما مشراف).. وهي أهم مواصفات الشاهد.. القِدَم (الكبر).. وزاوية الرؤية التي تمكّنه من مشاهدة كل شيء.. وغَنيّ عن الذِّكْر أن الشاهد من المشاهدة العينيّة.
وشاهد علي حال الدهر واخباره
وفيه ما جرى من ظلم واستنصاف
وكسرة سلاطينه وهَدّ عَماره
وما فيه قامن من ادوَل واحلاف
هذان البيتان يُلخِّصان كل أحداث الدنيا.. ولعل كلمتي (ظلم واستنصاف) هما الغاية في الاختزال.. إنه نوع من (تقطير) المعنى.. إن صحّ هذا التعبير.. فالأمور كلها لا تخرج عن (العدالة والظلم).
وهْلالك اللي للحرب فيه اشارة
كَمّين وغد جابه عسكره زحّاف
الهلال في موروثنا الشعبي من خلال وضعه قد يشير إلى بعض الأحداث المتوقّعة.. كالحرب.
وكَمّين حصن تحتك ناقبين اسواره
وطاح وتعلّى كم عَلَم رفراف
وكَمّين عين من طعنة خفا غدّارة
اللي بات فيك اصبيّها لَصّاف
وكَمِّين شَيّ صار وخافيات اسراره
بعد الله لا غيرك اسمع لا شاف
استخدام لفظة (كَمِّيْن) للدلالة على الكثرة.. وهي تعادل في الفصحى (كَم مِن...).
حتى ان كانّك ما قلت لا خبّارة
لو كان تنطلق مارَك الاّ خَرّاف
ومَو اسكوت شِي جاهل عديم ادبارة
سكوتك اسكوت لكل شِي عَرّاف
كم من صامت لا يخفي وراء صمته شيئاً.. وكم من ثرثار لا يقول شيئاً أيضاً.. لكن صمت القمر هنا هو صمت العارف.. الصمت الذي جعل الشاعر (الرويعي) يحاول استنطاقه.. والإصغاء إليه.. وهو يذكّرني بالقول المأثور: (كلما قلّلتَ من الكلام.. ازداد الإصغاء إليك).
ثم يشرع (الرويعي) في الحديث عن أثر القمر في الوجود.. وفي حياتنا على الرغم من بُعده وصمته:
مانك غريب الطَّلّة
بَسمَك العالم يعرفك هو كلّه
اتورّي حساب التورخة بالْهِلّة
ولْمَدّ البحور وجزرهن كَيّاف
وهي حقائق علميّة معروفة لا يقف عندها (الرويعي) كثيراً.. لأنّ الإكثار منها يُفسد طراوة القصيدة.. لكن الأهم هو نظرتنا للقمر بحسب أحوالنا واحتياجاتنا:
يريدك الساري ع الطريق اتدلّه
ويريدك الجاني تنخسف نخساف
فالقمر عند بعضهم هداية وأنس (يريدك الساري ع الطريق اتدلّه).. وعند بعضهم الآخر مصدر فضح (ويريدك الجاني تنخسف نخساف).. لكنّ القمر يعتصم بصمته كعادته.. يضيء درب السالكين.. سُراةً أو جُناة.. حتى الطبيعة في مواسمها:
وراك الصيوف انْجومهن تجّلاّ
ودونك الشتية مزنهن حَرجاف
يْجن اوقات ما تقدر ضباب اتفلّه
ويْجن اوقات لشموس الضحى كسّاف
في بعض الأحيان يحجبه الضباب.. وفي أحيان أخرى يُظلِّل الشمس ويكسفها.
ثم يعود الشاعر إلى الذات:
كلام قلت مَو زايد عليّ معلّه
الاّ من خبَر مازلت له رَدّاف
ايْمثّل أحوال الدهر وين اتْحَلّه
والناس في اتْجبّرهم عليه اضعاف
ثُمّ يختم بما يشبه الأقوال الماثورة:
والطير الهواوي كل ما يتعلّى
يقرب اسقوطه صقر والا باف
والذيب الحريص اتْجيه ساعة زَلّة
وايجي بلربعة ويطيح ف المنداف
هل يريد (الرويعي) القول إنّ القمر استثناء من كل هذا؟ فهو لا يسقط مهما ارتفع.. ولا يقع في فخّ أحد.. وهو تأكيد على مبدأ الحرية الذي جاء في أول القصيدة.. ربّما.. وربّما حمّلتُ النَّصّ قراءة متعسِّفة.. ما لفت انتباهي لهذه القصيدة النظرة المختلفة للقمر.. فقد اختار الشاعر (الرويعي) زاوية نظر تختلف ـ في رأيي ـ عن نظرة الشعراء عموماً.. حتى شعراء الفصحى.. نظرة تختلف عن نظر العابرين.. الذين اعتادوا النظر إلى الأشياء أفقيًّا.. وكأنّها لا تملك إلاّ بُعداً واحداً.
شيء آخر ينبغي أن نقف عنده.. وهو أن الشاعر يخاطب القمر في قصيدة كاملة.. دون أن يأتي على ذِكْر لفظة (قمر) ولو مرة واحدة! بل تحدّث عنه بتعداد صفاته وقرائنه.. وهو شيء يُحسب للشاعر.. لأنّ ذِكْر الأشياء مع وجود قرائنها الدالّة هو من باب الحشو. فعَدَم ذِكْر (القمر) هنا هو ما يُسَمِّيه البلاغيُّون: (الاحتراز مِن العَبَث).. والمَقصود أنَّ ما قامت عليه القَرِيْنة.. وأصبح معلوماً بالضرورة.. فذِكْره يُقَلِّل من قيمة الكلام البلاغية.. وبعض الشعَراء ـ للأسف ـ لا يتنبَّهون لمثل هذا الأمر.. فأحياناً تُذكَر ألفاظ وقرائنها موجودة.. وهذا يجعل بعض النصوص مُترَهِّلة.
الأصل في الخطاب أن يكون للعاقل.. وخطاب الجمادات يضعها في مرتبة العاقل.. إنه نوع من الأنسنة.. وقد حشد (الرويعي) لذلك الكثير من الأفعال: (اتبدّد.. تندقر.. تخاف.. تنصدع.. اتطيح.. تسمع.. اسمع.. شاف.. قلت.. تنطلق.. اتورّي.. اتدلّ.. اتفلّ).. وأسماء الفاعل: (ضارب دارة.. واخذ في السما مشراف.. شاهد).. وصيَغ المبالغة: (عَيّاف.. طَوّاف.. جَوّاف.. خَرّاف.. عَرّاف.. كَيّاف.. كسّاف).. مما خلق حالة شخصنة لهذا الكائن السابح في الفضاء.. وجعله أكثر أُلفة وقُرباً.
ولكن لماذا نُشيح بأبصارنا عن الأرض.. وننظر إلى السماء؟ الإنسان يفعل ذلك في كثير من الأوقات.. حين تشتد عتمة الأرض.. يرنو ببصره إلى فوق.. فالسماء مصدر النور والمطر والوحي.. يُحسّ بحاجته إلى الاتصال بالروح الكلي للكون.. يحنّ إلى النفخة الأولى.. ذلك الجزء الإلهي فينا.. يتطلّع إلى نور القمر الهادئ.. بعيداً عن ضجيج الأرض.. إنه تَوق إلى الجمال قبل كل شيء.
(الرويعي الفاخري) شاعر له نكهة خاصة.. مختلفة.. يدرك أنّ الشعر منذ فترة واقع في حالة اجترار.. وإعادة إنتاج.. فهو في حاجة دائمة إلى ارتياد آفاق جديدة.. أن يتنفّس خارج المألوف المكرور.. هذا ليس تخميناً.. بل رأي سمعته منه أكثر من مرّة.. لذلك يبقى فترة طويلة دون أن يقول شيئاً.. وهو القابض على رسن القوافي.. لكنه كما يود كل يوم أن يسير في طرق جديدة غير مطروقة ولا مُغلَقة.. فهو يود أن ينحت كل قصيدة من قصائده من مادة وطينة مختلفة.
فشكراً للشاعر (الرويعي الفاخري) الذي منحنا هذه الرؤية إلى الأعلى من زاوية يعتقد الكثير منّا أنها غير موجودة أصلاً.. لكن عين الشاعر الموهوب ترى ما لا يُرَى.. تقتنص ما وراء الأشياء.. وتُجيد النظر من زوايا غير مألوفة.
***
(السبت 2009.4.11)

06 أبريل، 2009

َهوا السعْد

هَوا السعْد.. يقع شمال غرب قصر ليبيا.. في نهاية طريق (ميراد رضيّة).. تجويف كبير في أرض صخرية.. أرضيته مغطاة بالأعشاب.. جدرانه الصخرية بها الكثير من أعشاش الطيور الكبيرة (سقاقيل).. به أيضاً طائر النيسي والسلّيو.. قمنا بزيارته في الأيام الماضية.. الصورة تغني عن الكلام:
الشاعر: الصادق عوض
الشاعر: الرويعي الفاخري
أحمد يوسف عقيلة بعدسة الرويعي الفاخري

الأقحوان 2009

الأقحوان.. ونسميّها (القحوان).. زهرة برتقالية مشتعلة.. يُخيّل إليك أنها تظهر فجأة.. أو أنها أثناء الشتاء تنمو خلسة.. هذه الصور التقطتها هذا الصباح 2009.4.6 أرجو أن تكون هدية لائقة بقرّاء الخروبة.
الأقحوان يتمرّد على الأسيجة

05 أبريل، 2009

موسم القعمول

قمت بالتقاط هذه الصور ضحى اليوم الأحد 2009.4.5 بين قريتي عمر المختار واسلنطة.. أهديها لكل من يعشق الزهور الشائكة!!!

04 أبريل، 2009

زيارة لبرج روماني

يقع هذا البرج الروماني خلف قرية عمر المختار فوق مرتفع في وادي الكوف.. وله مرتقَى صعب وسط الصخور والغابة.. وهو بناء جميل يوحي بالرهبة من خلال موقعه وسط الغابة في مكان منعزل.. ويوم الجمعة الموافق 2009.4.3 قمت بزيارته برفقة الشاعر الرويعي الفاخري.. وسأدع الصورة تتحدّث:
قبل أن ندخل...
الشاعر الرويعي الفاخري في محاولة تسلّق.. للبحث عن القصيدة.. ربما!
لمسة.. محاولة للاتصال.. ومصافحة من مرّوا من هنا...