01 فبراير، 2011

ليست هناك مشكلة في ليبيا..

الرسم الساخر للفنان الليبي محمد الزواوي

1

كان المسؤولون في ليبيا.. صغاراً وكباراً.. حين تطلب خدمة يقولون لك مع تكشيرة: تعال بكرة.. تعال بعد بكرة.. والاّ نقول لك: تعال الأسبوع الجاي.. أو بعد رمضان.. الدنيا صايمة.. وموش وقت شغل.. ولك زمان تنتظر.. أو يقول لك المسؤول وقت الاحتفالات القومية وهو يغضّن وجهه: (خلّي نين ها الزعزاعة تهلب)..!! وتتلفت حولك فترى شمس بلادنا ساطعة والجو رائقاً.. ولا أثر لعجاج أو زعزاعة.

2

كان هذا في وقت ما.. أما اليوم فقد طوّر المسؤولون ـ صغاراً وكباراً ـ أساليبهم.. مسحوا التكشيرة.. وضعوا مكانها ابتسامة عريضة.. وسبحة مزخرفة.. أصبحوا أكثر أناقة.. وتهذيباً.. أو هكذا يبدو.. أحياناً يقف أحدهم من فوق كرسيه الدّوار ويأخذك بالحضن.. ويصرخ: (قهوة للأستاذ).. وحين تطلب حاجتك يقول لك على الفور: ما عندكش مشكلة.. قدّم طلب.. وعطيني رقم نقّالك.. وترشف قهوتك باستمتاع فقد فُرجت الدنيا في وجهك.. وحين تراجع بعد أيام تجد إجابات من هذا القبيل: الأستاذ في إجازة.. في اجتماع في طرابلس ..أمّه ميتة.. وتقول باستغراب: أمّه ماتت العام الفايت.. فتقول لك السكرتيرة المصبوغة بابتسامتها العريضة التي تركها لها المدير: هذي رفيقة بوه!! تعال بعد أربعين المرحومة.. ما عندكش مشكلة.. وتودّعك وهي تضمك مع كتفيك قائلة: نَجّيه يا ربي..!! ويغربلك الدلال الذي لم تألفه.. إلى درجة أنك تتعثر في الدرج.

3

يقولون لك في أمانة التعليم: الأستاذ أمين التعليم ماشي يجيب في شوية مناهج من سنغافورة.. والحساب من اليابان.. والمطالعة من كوريا الجنوبية.. والنحو من ماليزيا..!! كلها كم شهر ويرجع.. ما عندكش مشكلة..!!

4

في مؤسسة السلع التموينية يقولون لك: أبشر.. الأستاذ مدير المؤسسة طالع للخارج مع لجنة.. يجيبوا في القمح من أوكرانيا.. والرز من الصين.. والموز من كولومبيا.. وبطاطا شويبس المقرمشة من ماكدونالدز.. أنت جهّز روحك للقرمشة بَسّ.. وما عندكش مشكلة.

5

تدخل على أمين الإسكان وأنت تمسك بوصل الشقة.. فيفرد ذراعيه على اتساعهما مرحّباً: وينك يا راجل.. زعلان منّك.. تأخرت.. عموماً فيه ولد حرام زقب في شقتك.. تاخذ سوّك.. ما عندكش مشكلة.. فيه حل جذري لمشكلة الإسكان في البلاد كلها.. أمانة الإسكان استوردت زينقو.. دقّوا براريك.. في يوم واحد تكون عندك برّاكة بدل انتظار سنوات.. يا سلاااااااااام على صوت المطر وهو يطقطق فوق الزينقو.. تحس أنك قريب من السماء.. بدل سقف الإسمنت المسلّح الذي يحول بينكم وبين الرب.. الحكومة تريد أن تقرّبكم من الله..!!

6

في أمانة الصحة يقولون لك: والله الأستاذ أمين الصحة طالع يعالج في تونس وواخذ معاه الختم.. ولمّا صارت الثورة في تونس.. طار لمصر.. ولمّا صارت الثورة في مصر.. طار ما نزل..!! خلّيه ينزل بَسّ وتعال.. وما عندكش مشكلة..!!

فمن قال إن في ليبيا مشكلة؟! وإذا لم يعجب مقالي هذا المسؤولين.. ما عندهمش مشكلة.. فليس هناك أسهل من كتابة مقال آخر..

***

الاثنين 2011.1.31

18 يناير، 2011

ما وَراء الْخَبَر ..

1

... في إحدى الليالِي.. الأميْر ببذلته السوداء الأنيقة.. وصراحته الجارحة أحياناً.. يختم حديثه قائلاً:

ـ ... واللي ما يعجبه يشرب من البحر.. من أطول ساحل على البحر المتوسط!

على الرغم من ظاهر العبارة إلاّ أن الأمير قد قالها دون غضب.. حتى إن ابتسامته ملأت وجهه.

... قبل استيقاظ الغربان في وادينا.. كان أَهل القُرى التي تقع في مجملها على الساحل يتجهون ناحية البحر.

2

... عند ارتفاع الضحى كانت الحركة باتجاه البحر ظاهرة.. على الأرجل.. في السيارات.. تزدهر تجارة البراميل والجالونات البلاستيكية.. من ذوات سعة اللتر الواحد.. إلى القلالين الكبيرة التي لا يمكن حملها إلاّ في السيارة.. تظهر إعلانات من قبيل: (تخفيضات هائلة في ثمن القلالين).. (إذا كنت غير قادر على الذهاب إلى البحر.. فسنجلب لك البحر إلى بيتك).. تغزو الأسواق زجاجات شراب البحر بأحجام عائلية.

3

... على الطرق الإسفلتية المؤدية إلى البحر تنبت البوابات والحواجز الأمنية.. يظهر المهرِبون.. وتجّار الأزمات.. يبرز الحمار كأفضل وسيلة للسير في الطرقات الجبلية الوعرة التي تمر عبر الغابة.. تظهر مقولة: (حيث تقف السيارة يبدأ الحمار).. تصدر صُحف يومية وبعض المطوِيّات لمواكبة الحدث.. يغلب على أغلفتها اللون الأزرق.. تبرز مؤسسات خيرية لجلب شراب البحر إلى ذوي الاحتياجات الخاصة!

4

... يحدث سوء تفاهم متوقّع على الحدود البحرية بين قبيلتين تقع أراضيهما على الساحل.. حين تكتشف القبيلة أن فرداً من القبيلة الأخرى كان يملأ برميله من مياهها الإقليمية.. يتطور سوء التفاهم إلى اشتباك بالأيدي والحجارة والعصي.. لم تقع ضحايا.. لكنّ تلك الموقعة سُمّيت: (يوم البرميل)!

5

... الحركة ناحية البحر تنشط بشكل ملحوظ.. الإبل تترك صحراءها في طوابير طويلة متعرجة ناحية الشمال.. الذئاب والضباع والكلاب والقطط تلغ من البحر.. النمل خطوط سوداء طويلة.. حتى الحلازين تختط دروبها اللامعة منحدرة إلى الشاطئ.. الحركة ترصدها الأقمار الصناعية.. يبدي الاتحاد الأوروبي تخوّفه من أن تكون تلك الحركة هجرة غير مشروعة.. فيعرض تقديم زوارق سريعة لخفر السواحل.. حسب ما تنص عليه اتفاقية الشراكة.

6

... العدوى تصيب العاصمة.. تريد الحكومة إصدار فتَوى تحرّم شرب ماء البحر.. لم يكن فضيلة المفتي العام في مبنى الأَوقاف.. يشاهدون فضيلته جالساً على رمال الشاطئ.. يغترف من ماء البحر ويتمضمض متحجّجاً بالحديث الشريف (الطهور ماؤه).

7

الروحانيون والسحرة يرصدون جِنّ الكهوف والمغارات يمشون فوق الزبَد.. الأخبار تتحدث عن أن مياه البحر أخذت تنحسر.. البحر ينزح!

8

... المنظمات الدولية المهتمة باستطلاعات الرأي والإحصاءات تُصدر: (على الرغم من أن سكان الصحراء والمدن الساحلية في بلادنا لا يتجاوزون الستة ملايين نسمة إلاّ أن عدد الشاربين من البحر قد بلغ سبعة ملايين!).

... في قراءة لما وراء الخبر: (إن بعض الوافدين والمقيمين من العرب والأجانب والسّياح قد شربوا من البحر أيضاً.. لم يتسنّ تأكيد الخبر من مصدر مستقلّ.. أو ربما يكون بعض السكان المحليين قد شربوا من البحر أكثر من مرّة!).

9

... قُبيل المغرب.. خَطّ البحر يشطر الشمس.. الأمير يقف وحيداً.. حافياً على حافة الموج.. يُحسّ بخدر المياه تلمس ساقيه.. الرذاذ ينقّط بذلته السوداء الأنيقة.. يبلّل وجهه.. يُخرج لسانه مستشعراً طعم الملح.

***

(2007)

09 يناير، 2011

ضباب..

ــ يا له من ضباب!!

ــ من أنت؟

ــ ضباب.

ــ مراد؟

ــ ضباب.. ضباااااااب!!

ــ سمعتك.. لماذا تنهق؟!

ــ على ذِكْر النهيق.. أنا أبحث عن حمار أشهب ضائع منذ البارحة.

ــ تبحث عن حمار أشهب في الضباب؟!

ــ حماري لونه مميّز.

ــ ليس هناك مميّز في الحمير.. كلها حمير!

ــ احترم نفسك!

ــ يوم مضبِّب.. كلامك مبلول!

ــ ألم تشرق الشمس بعد؟

ــ نحن في الضحى.

ــ الحمد لله أن الأولاد وصلوا المدرسة قبل الضباب.

ــ هل أنت هذا الخيال الذي يتحرك عن يميني؟

ــ كيف أعرف أنني عن يمينك؟!

ــ واااااو.. شيء ما لمسني.

ــ لعله حماري.

ــ لا.. هذا الشيء ملمسه وَبَري!

ــ قبل أن يعم الضباب رأيت ذئباً في الجوار.

ــ أسمعُ وقع حوافر بعيد.

ــ أنا أمدّ يديَّ أمامي.

ــ هذا أفضل.. حتى لا يصطدم بك أي حمار!

ــ خفق أجنحة فوق رأسي مباشرة.. كاد أن يصطدم بي هذا الغراب.

ــ عليك أن تمد يديك فوق رأسك.

ــ على المرء أن يكون أخطبوطاً ليمد أذرعه في كل الاتجاهات.

ــ ربما عليه أن يكون قنفذاً متكوراً.

ــ انتبه.. سيارة قادمة.. ابتعد عن وسط الطريق.

ــ أي طريق؟!

ــ ابحث عن الخط الأصفر في طرف الطريق.

ــ الطريق ليست مخططة.

ــ السيارة تقترب.. ابتعد.

ــ من أي اتجاه؟

ــ ابتعد فقط.. ألا تسمع صرير العجلات؟

ــ اسمعه من الجهتين!

ــ اهرب.. اجفل.

ــ في أي اتجاه؟

ــ اهرب وخلاص.

ــ يا راااااااااااب!!

ــ ... ... ...

... سكون.. وقع حوافر.. وعواء ذئب تحت الضباب.

***

(2010)

حساب..

... الطفل في مجثم الدجاجة.. يُحصي البيض في أصابعه.. يحكّ أنفه.. ثم يكسر بيضة ليستقيم الحساب..!!

***

(2010)

ترقُّب..

... المرأة في سريرها ذي الملاءات البيضاء الباردة.. تنظر إلى القمر من خلال النافذة المقضّبة.. تميل رأسها لتضع القمر داخل مربع القضبان.. تمسِّد شعر طفلتها النائمة.. ترهف السمع مترقّبةً وقع خطوات زوجها.. وطرَقاته.. على الرغم من شهادة الوفاة المجعَّدة على طاولة الزينة..!!

***

(2010)

الملح..

1

... الزوجة ـ في غير ليلتها ـ تسمع قهقهات ضرّتها.. وهمسات زوجها.. تغربلها رائحة البخور.. تكزّ على أسنانها: (الضرّة مضرّة)..!!

2

... تتسلل حافية إلى مطبخ الضرّة.. ترفع غطاء الحلة.. يجتاحها بخار الطعام الشهي.. ترش الكثير من الملح.. الكثير من الملح.. تعود على مشطي قدميها.. وهي تبتسم.. وترهف السمع.

***

(2010)

الفزّاعة..

... قُبيل الفجر.. الذئب يلعق بقايا الدم المتخثر في زاوية فمه.. يتشمم الفَزّاعة.. يبول على أسفلها.

***

(2010)

24 ديسمبر، 2010

البرتقالة..

... ضحى مشرق.. على الكرسي الهزاز في شرفة قصره.. ينظر إلى الآفاق المعشبة.. وسياج المزرعة الذي يختفي خلف الأفق.. أمامه صحن فاكهة.. يتناول برتقالة.. يتأملها.. يتحسسها بين كفّيه.. يقشّرها.. يتحلب فمه في انتظار الحموضة اللاذعة.. يشطرها.. يتناول فصاً.. يغمض عينيه.. يتغضن وجهه.. يصرخ.. يبصق.. يقذف بقايا البرتقالة.. يركل الكرسي.. يلعن حظه العاثر.. فقد اتضح أن البرتقالة حلوة..!!
***
(2010)

07 ديسمبر، 2010

مذياعنا القديم...

1
... في طفولتي سمعت المذيع قبل خطاب السلطان يقول: (حين يتحدث السلطان تتدفق الينابيع.. تخضرّ الأرض.. يثمر النخيل).. فدعوت للسلطان بطول العمر.
2
... شرع السلطان في الخطاب من مذياعنا القديم.. صعدت فوق السطح أتطلّع إلى الحقول.. والنخيل.. أميّ حملت برميلها بحثاً عن النبع.
3
... أنهى السلطان خطابه الطويل.. وظلت الحقول مجدبة.. تجوبها زوابع العجاج.. عاد برميل أمّي فارغاً.. لكنّ مذياعنا القديم ظل يردد: (حين يتحدث السلطان تخضرّ الأرض...).
***
(2010)

14 نوفمبر، 2010

ملح الدنيا..!!

(إلى الصديق علي الساعدي)

1

... الصباح الباكر.. رنة على الهاتف النقال.. طرقات على الباب مصحوبة بصيحات.

ــ ثقّلت عليك؟

ــ ... ... ...

ــ كليمتين.. مع فنيجين قهيوة..!!

ــ ... ... ...

2

... يرشف قهوته باستمتاع..

ــ عندك طفّاية.

ــ ... ... ...

ــ أعرف أنه من غير اللائق التدخين بجانب الكتب.. لكن القهوة ضروري معها سبسي.

ــ ... ... ...

ــ اللصوص ملح الدنيا.

ــ ... ... ...؟!

ــ واللهِ.. لولا اللصوص لم تكن هناك شرطة.. والشرطة ناس لديهم أُسَر يطعمونها.

ــ ... ... ...

ــ لولا اللصوص لما وُجدت الأقفال.. وصانعو الأقفال لديهم أطفال يعيلونهم.

ــ ... ... ...

ــ لولا اللصوص لما كانت هناك حاجة للأبواب والنوافذ وأجهزة الإنذار.. تخيّل الكَمّ الهائل من البشر الذين يعيشون من وراء ذلك.

ــ ... ... ...

ــ لولا اللصوص... ... ...

3

يرتفع أذان الظهر...

ــ أعرف أن وقتك ثمين.. سأتركك الآن.

ــ ... ... ...

ــ فهمت الفلسفة من وجود اللصوص؟

ــ ... ... ...

ــ احتفظ لي بحقوقي الحصرية في مقولة (اللصوص ملح الدنيا).

ــ ... ... ...

ــ للحديث بقيّة.

ــ ... ... ...

***

(2010)

30 أكتوبر، 2010

حبّة رمل...

1
... عجاج.. عجاج.. عجاااااااج!!
2
... متى يكف القبلي عن الهبوب؟ ثلاثة أيام لم نفتح باباً ولا نافذة.. الستائر مسدلة.. لا صوت بعلو على صراخ أسلاك الكهرباء.. عجاج أصفر.. يتسرب من تحت الأبواب.. والنوافذ.. صور التلفزيون تتوقف أحياناً بسبب اهتزاز الصحون اللاقطة.. يبدو أن الصحراء غاضبة.. أو أنها سئمت بقاءها في الجنوب.
3
... صباح مشرق.. سكت صراخ الأسلاك.. أفتح الباب بحذر.. سد رملي ظل واقفاً في المدخل.. ألمسه باصابعي.. ناعم.. بارد.. رمال تتكوم أسفل الجدران.. إطار اصفر على امتداد الشارع.. حتى الصحراء تهاجر إلى الشمال!
4
... نساء قريتنا يشرعن في كنس الرمال.. تظهر الأكوام أمام كل بيت.. تغري الأطفال باللعب.. وبناء القصور.. حركة المكانس دائبة.. تختلط يلغط النساء:
ــ غرقنا في الرمل!
5
... بث مباشر.. صوت الزعيم بتهدج.. يرفع سبّابته في الهواء: (لن نفرّط في حبة رمل واحدة من تراب الوطن...).
في تلك اللحظة تقف أمي بالباب مستندة إلى مكنستها:
ــ شوف لنا حل في أكوام الرمل المكدسة!
***
(2010)

16 سبتمبر، 2010

مهرجان الحكاية المغاربية 2010

بتاريخ 2010.8.31 انتظم مهرجان الحكاية الشعبية المغاربية في مدينة تمارة المغاربية.. بمشاركة الدول المغاربية الخمس.. حيث كانت الحكاية الشعبية هي المتن.. مع هامش واسع لبعض النشاطات الأخرى.
عقيلة مع جمهور الحكايات
في ساحة ضريح محمد الخامس بالدرّاعة الموريتانية مع الصديق محمد علي مع الصديق المبدع القاص أنيس الرافعي
مائدة مستديرة عن الحكاية بالرباط
المشاركون في المائدة المستديرة

22 أغسطس، 2010

الرُّوْحُ السابِعة

( أ )
... عيناه تبرقان في الظلام.. تتوهَّجان كجمرتين في أعلى الخَرُّوبة.. يُراقب بلهفةٍ القطَّة اللاهية.. عندما أدركَ أنَّ اللحظة مناسبة.. قفز في الفراغ الدامس.. كانت حساباته دقيقة.. أنشبَ مخالبَه وأسنانَه في عنقها.. فأطلقت زعيقاً حادًّا مُحاولةً التملُّص.. فازداد اشتعالاً.
( ل )
... اقتحم الصراخ كلَّ البيوت.. فاضِحاً تلك اللحظة المحمومة.
المرأة التي تستلقي بجوار زوجها.. رفعت رأسها.. أحسَّت بارتعاشٍ لذيذ وهي تُنصت إلى صرخات الأنثى.. الْتفتت إلى زوجها الذي يُدير لها ظهرَه ويشخر.. تنهَّدت تنهُّدةً طويلة.. وسحبت الغطاء على وجهها بعصبية.
في تلك اللحظة.. انطلقت رصاصةٌ أوقفت الصراخ.
( م )
... يستلقي.. يلعق الدم المُتخثِّر على صدره.
ـ لو لم تصرخ تلك العاهرة لما تنبَّهوا لوجودي.. ها قد فقدتُ الروح السادسة! هذه المرَّة بسبب الأنثى.
أخذ يسترجع في ذهنه كيف فقدَ أرواحه الخمسة...
ـ سيكون انتقامي هذه المرَّة أشدّ.. لن أدعهم يذوقون طعم الراحة أبداً.
رفع بصره.. راقَب بوبرَيص يتحرَّك ببطءٍ صاعِداً إلى سقف المغارة.
واصلَ لعق الدم..
ـ هاهم ـ مع مرور الزمن ـ يجدون الجُرأة الكافية لملاحقتي.. ولَّى ذلك الزمن الذي كانوا يُغلقون فيه أبوابهم ونوافذهم ويبيتون قبل المغرب كالدجاج.. لستُ أدري مَن الملعون الذي كشف السِّر؟ هل هو شيطان آخر؟ كانوا يعتقدون بأنَّ الكلب الأسود هو الشيطان.. هذا ما أَخبرَهم به الفقيه.. لهذا اخترتُ جسد القِطّ لأكون في مأمن.. ولأدخل كل بيت.. وفي أي وقت.. كنتُ أملك رصيداً من الأرواح.. لا بأس.. لازلتُ أملك الروح السابعة.. عليَّ أن أكون أكثر حذَراً.
( س )
... تشتَّتَ ضباب الصباح.. اكتشفوا أنَّ بعض الكهوف قد اختفت.. ظهرت مغارات جديدة.. استبدلت الأشجار أماكنها.. بعضها رحل إلى السفوح المقابِلة.. حتى الوادي غيَّر مَجراه.. فانحدر من الشمال إلى الجنوب.. أشياء كثيرة ذهبت مع الضباب.. يد خفيَّة أعادت ترتيب الأشياء!
وصفوا تلك التبدُّلات بأنّها لعنة جلَبَها الشيطان الأسود.
وسط الذهول جاءت الأخبار بأنَّه شوهِد هذا الصباح في أعلى الوادي.
( ك )
... يستمتع بأشعة الشمس المائلة.. والريح الخفيفة التي تبعث الحياة في الغابة.. يخطو بِهدوء.. بلا اكتراث.. يتوقَّف أحياناً.. يرفع رأسه.. يتشمَّم الهواء المُحيط.. ثم يواصل نزوله إلى أسفل الوادي.
عند اقترابه من أضيق نقطة في المُنحنَى.. كانت فوهات البنادق تُحاصره من الضفَّتين.. لم يكن الوقت يتَّسع لقفزةٍ واحدة.. بعد أن كَفَّ جسده عن الاختلاج.. فُصِل الرأس.. رُفِع فوق إحدى الحِراب.
( و )
ـ كم يبدو الموت أعمى.. ومجّانيًّا في كثيرٍ من الأحيان.. يا له من قطٍّ سَيِّئ الطالع.. قُتِل.. مُثِّل به.. فقط لأنه يُشبهني.. كم هو نافع أن يكون لك شَبِيْه!
( ن )
... وهو يسمع صيحات الانتصار.. والبنادق المُصوَّبة إلى السماء.. كان يتلصَّص بحذَر مَن لم يعد يملك سوى روحٍ واحدة.
(1999)

17 أغسطس، 2010

سيادة المعنى

قراءة في مجموعة درب الحلازين لأحمد يوسف عقيلة
الطيب جمَازي/تونس
مدخل:
قبل أن أقرأ له وقبل أن أقرأ ما كتب حول أدبه وقصصه سمعت شهادات شفوية من بعض أدباء ليبيا و تونس هذه الشهادات تقول أن هذا القاص يعجب القارئ ويكتب قصة متميزة والكل يحاول التخلص من أن تحسب شهادته إطراء فينهي شهادته بكون هذا الكاتب يعجبه شخصيا.. نعم هذا الكاتب أعجبني شخصيا وقرأت قصصه بلذة كأني لم أقرأ قصص قصيرة من قبل.. يعجبني إلى درجة أنني أحفظ قصصه وأحفظ أفكاره ومقولاته التي نخرج بها من قراءتنا له وكأنها حكمة الأولين,مثل هذا القاص يعجب الشعراء لأنه يسرق ما يمكن أن يكتبوه أو يفكرون فيه... هذا القاص شاعر ضل الطريق إلى القصة وبضلاله أصاب الهدفين الشعر والقصة.
قصصه تعجب الشعراء وبالتالي يحملون أخباره أينما ولَوا وكثيرة هي جهات الشعراء ودروبهم وشهاداتهم وتعجب القارئ لأنه انصرف عن القراءة دون قصد( القارئ العربي)وإن قرأ يتفاخر بما قرأ وخاصة عندما يقرأ نصوص مثل نصوص أحمد يوسف عقيلة.
عندما انتهيت من قراءة الحرباء ودرب الحلازين تبادر إلى ذهني سؤالا نادرا ما يتبادر إلى ذهن القارئ أو الناقد وهو من أسئلتنا الحضارية المحرجة التي أرجأناها إلى أزمنة أخرى.
أين دعاة الحوار مع الآخر ؟
أين دعاة التبادل الثقافي وضرورة الانفتاح؟
أين مؤسسات الترجمة العربية التي ترصد لها ميزانيات كبرى لتعمل على إيصال أدبنا و فكرنا للآخر الذي غزا عقولنا حد الملكية فأصبحت عقوله؟
نقرأ الأعمال الفائزة بالجوائز العالمية الكبرى و منها جائزة نوبل والكثير منها أعمال لا تضاهي أعمال كتابنا خاصة في القصة القصيرة والرواية ولكن العرب لا يحصلون على هذه الجوائز و لو في خضم عنصريتها وتبعيتها.
كلما قرأت نصا جيدا لا أسأل هل هذا النص أخذ حظه من القراءة والنقد بل تحضر مشكلة الترجمة فكثيرين هم الكتاب الغربيين الذين لم تقرأ أعمالهم في بلدانهم و لم يذاع صيتهم إلا بعد أن قرأتهم شعوبا أخرى و بألسنة مختلفة.
مثل كتابات أحمد يوسف عقيلة جديرة بالترجمة الفعلية وليست تلك الترجمات الحكومية التي تترجم الأدب بغاية قراءته محليا بلغة أخرى ولا يوزع في العالم أو الترجمات الشخصية التي تتم بالتعاون بين المؤلف و المترجم و توزع أيضا في العالم ,الترجمة الحقيقية هي الترجمة التي تمكن الآخر من الإطلاع على آدابنا و فكرنا وبالتالي نمحو تلك الصورة التي رسمت لنا منذ قرون أن العرب بدو رحل لا علاقة لهم بتاريخ الإنسان الحضاري.
أمثال أحمد يوسف عقيلة من كتاب القصة في مغربنا العربي يعانون الغبن الإعلامي والنقدي الفعال في جعل أعمالهم تترجم رغم نجوميتهم في صحفنا ومآدبنا الأدبية.
كنت عزمت الكتابة حول المجموعة القصصية الحرباء ولكن قبل ذلك أردت قراءة المجموعة القصصية درب الحلازين فغيرت رأيي وذلك لأن درب الحلازين واضحة الحكمة التي يعمل المؤلف على تبليغها للقارئ أي واضحة المقاصد رغم الشعرية التي تعلو اللغة.
درب الحلازين صور حقيقية من الحياة التي نتعثر في رؤيتها رغم ووضوحها بسبب تأويلنا لفعل النظر أي بسبب عدم الثقة في عيوننا.
وهذا لا يعني أن الحرباء مجموعة مختلفة بل إن كل كتابات أحمد يوسف عقيلة شبيهة بالمشروع الواحد وخاصة على مستوى اللغة والمضامين فكأنه بالبحث الممنهج الذي وجب أن تكون عناصره مترابطة منظمة مؤدية لغاية و أهداف البحث.
الطيور والزواحف و الحشرات والحيوانات البرية والأهلية.
الطبيعة بكل عناصرها المتحركة والجامدة استنطقها المؤلف واستخرج منها الرمز أي الحكمة بهدف الحديث عن الإنسان و تأمل جوانب الحياة الخفية والسحرية التي نغفل عن إدراكها رغم أهميتها تقول فاطمة الزياني :"أحمد يوسف عقيلة لم يتعامل مع الكائنات والأشياء بقفازات وإنما تقرى بيده مواقع النبض وأقترب فرأى ما لم يره العابرون لقد تشرب بتفاصيل اليومي حتى امتلأ إبداعا آسرا ,إنه يحول أكل الخبز إلى فعل فني و هذا هو الجعل و القنفذ و صيد الليل و السحالي و الغراب و الصرصار والكلب و البوم و النمل –أنصت لها الكاتب بأذن سليمان و نقل لنا دفائن ما تخفي و أيقظ الرمز فيها"
هكذا هو أحمد يوسف عقيلة مع إضافة أنه أيقظ الرمز فيها بغاية إيقاظ الرمز فينا.
المعنى سيد اللغة:
اللغة خادمة المعنى و المعنى هو إرادة الكاتب في سعيه نحو تحقيق معادلة صعبة: اللغة السلسة الواضحة والمعنى العميق أي المعنى الذي يجنيه القارئ دون عناء و يحقق العبرة وينير سبل الفهم.
لغة أحمد يوسف عقيلة لغة ترابية تمشي على الأرض ولا تعلو على من يعترضها من الكائنات بل تصافحها و إن لزم الأمر تقيم هناك بينها تتعلم سر الوجود.
تزحف مع الزواحف و تطير مع الطيور تقدم على أي مخاطرة في سبيل فهم الكائنات وقراءة الحياة عبرها لكن حضور الحيوانات والطبيعة ليس إلا الأسلوب الذي إختاره الكاتب للبحث بالمقابل في البشري على حقيقته ليقف القارئ على الإنساني.
كأن المؤلف بدأ من الأول في تأمل حكمة الوجود ومحاولة فهم الإنسان دون الرجوع إلى البحث في الفلسفات القديمة والأساطير وذلك بتأمل الكائن الحي و سعيه في الطبيعة.
في درب الحلازين امتزجت التأملات بالواقعية و تحولت الأفكار إلى أفعال.
نحس بالكاتب يفعل ,يحضر بل هو من العناصر الرئيسية للمشاهد والحكايات لم يركب الخيال ويؤمن بحواسه عن بعد بل باشر الحياة في أدق تفاصيلها وغمرها بحواسه عله يكون أقرب للحقيقة للطبيعة التي كانت عند أغلب الأدباء مجازات واستعارات متخفية في تعالي اللغة على الكائن الحي.
الكائن الحي في درب الحلازين جدير بالحياة وكل هذه الطبيعة وديان وأنهار وجبال قد تكون خلقت من أجل نملة أو بالأحرى للنملة دورها ونصيبها ومثل هذه التأملات لابد من أن تجعل المؤلف صاحب لغة صافية فالتأمل يتطلب الصفاء الذهني والنفسي وللغوي.
لكن سيادة المعنى لا تعني أن لغة أحمد يوسف عقيلة تغرَبت عن الأدبية والشعرية العالية بل العكس كانت لغة صائبة في مقاصدها بعيدة عن الميوعة والإثارة التى تجتاح قصصنا الحديثة و رواياتنا الحديثة بتعلَة الواقعية والحقيقة ففقدت المواضيع واتكأت على التجريد لكن التجريد في القصة له ميزة خاصة عن التجريد في باقي الأجناس الأدبية والفنية.
في درب الحلازين كل المعاني تحاور الإنسان تنبهه إلى أنه يشترك مع الحلزون في الهشاشة وذلك عبر تناول الواقع الاجتماعي ونقل قصص من الواقع لا نصدق الكاتب أنها من وحي الخيال بسبب ملامسته للتفاصيل بصور ومشاهد نشاهدها كل يوم بل هي حياتنا اليومية يقول الدكتور محمد لطفي اليوسفي حول مثل هذه التجارب "إنه يمتلك مقدرة فائقة على الاتصال و الانفصال تمكنه من المحافظة على النظرة الأولى فتبدو الأشياء كما لو أنها تأتيه لتمنح ذاتها ذلك أن النظرة الأولى متميزة تلتقط ما لا تراه العين المثقلة بالمعتاد و يتجلى تفردها ذاك في شكل مقدرة فائقة على الإحاطة بالمدركات و النفاذ إلى دواخلها في عملية تركيز سريعة كالومضة تماماً".
قصصه علم أحياء لم يتسلح فيه بالمعادلات والفرضيات بل تسلح بالأمانة في نقل دروب الكائنات وتسلح بالهدف من وراء هذه التأملات فكانت هادفة وإذا كانت هادفة فهي بالضرورة هادمة بغاية البناء لكن ماذا يريد الكاتب أن يبني بعد الهدم؟
الوعي بالحياة صار أضعف عند الإنسان الحديث والإيمان بالفردية دمر الذات الإنسانية التي لا تتحقق إلا في الجماعة والإنسان الحديث تنازل عن سيادته في هذه الأرض وذلك بتدمير نفسه عبر الصراعات والحروب لذلك انطلق الكاتب من الطبيعة والحيوان ليتثبت من كيان الإنسان ويحاول النفاذ إلى مواضع العطب ...شيء لا يطاق أن تحمل فوق كتفيك رأسا فارغا..فمنذ ثلاثة أيام ونحن نعيش برؤوس فارغة..المفارقة أننا أحسسنا بثقلها أكثر من قبل.(درب الحلازين ص 56).
يمكن القول أن مجموعة درب الحلازين وجل المجموعات القصصية كانت متوغلة في المعنى ولم تكن إستعراضية جامحة لا معنى للمطلق فيها بل تنطلق أحيانا من تحت الأقدام لا تخلو قصة من القرية ومن نباح الكلاب ومن مشاهد الحياة اليومية.
قصص... فرص:
القصَاص البارع هو القناص وأحمد يوسف عقيلة يشعرك و أنت تقرأ قصصه أن يقتنص الفرص من الواقع ويخطف شخصياته وحيواناته وأشجاره و وديانه ..يخطف القرى و الأصوات والنبضات ويصنع من كل هذا صورة تتساءل كيف صورها ؟كيف استغل الفرصة ورسمها؟
إذن فرصة للقارئ كي يقرأ الحياة فهو يمزج الاجتماعي بالسياسي بالتاريخي بالنفسي بالطبيعي, المشاهد مكتملة يصور ما بين السماء والأرض وهو يتحدث عن الخفاش أو عجوز عاش ويلات الحرب ويعيش ويلات الحياة...فرصة للقارئ كي يحب نفسه ويحب الكائنات الحية ويدرك أن وحدة الوجود هي وحدة الكائن الحي, أما الحقيقة والصدق في القصص فمن الصعب جدا كما ذكرت أن نصدق أنها من محض الخيال.
***
تونس أوت 2010

05 أغسطس، 2010

مَن يُوقِفُ المطر؟!

1
... (امرأة تستذري من المطر.. تُلصق ظهرها بساق الصنوبرة التي تظلل الطريق).
أنفاسه تتلاحق.. أصابعه ترتعش.. يواصل الكتابة:
(بُومة تحط على الصخرة المجاورة بعد طيران صامت وسط المطر).
يضع يده على صدره.. يتغضّن وجهه.. ثُم.. يموت…
2
... كان ذلك منذ زمن بعيد.. لكن المرأة لا تزال هناك.. إذا مررتم مع ذلك الطريق يمكنكم رؤيتها تستذري من المطر.. تحت الصنوبرة المنتصبة على حافة الطريق.. يمكنكم أيضاً رؤية البُومة المبلّلة فوق الصخرة.. لا يزال البلل يقطر من أطراف ريشها.. فالمطر لم يتوقف بعد.. مَن يوقف المطر إذا كان القاصّ قد مات قبل أن تكتمل القصة؟!
***
(2010)

01 أغسطس، 2010

جاذبية

1
... تزيل الوشم الأخضر عن وجهها.. ثعبان الحنّاء يتثنَّى صاعداً مع ربلة الساق.. كما في خرائط الكنوز.. فستان ضيّق قصير مشقوق.. سَبّاط يطرقع مع كل خطوة.
2
... في الضحى تظهر مرشوشة بالمساحيق.. نظرة عابرة من لاعبِي الورق أمام الدكّان.. يواصلون اللعب.. تُكمل الشارع.. تعود.. تتثنّى فوق طقطقة السبّاط.
3
... مدمنو الجلوس على الأرصفة ـ الذين لا يغيب عنهم ظلّ امرأة ـ لا يلتفتون.
4
... في المساء تظهر مرة أخرى.. تجمع إلى طقطقة السبّاط طرقعة العلكة.. مع إضافة مزيد من الشقوق للفستان.
5
... يتطوع أحدهم باقتراح وهو يقهقه:
ــ عندي الحلّ.. حل جذري.
ــ هل ستشتري لها حذاءً طبيًّا؟! أم سترصف لها الشارع؟!
ــ بل سأخبرها أنّ إسحاق نيوتن قد اتّصل منذ الصباح الباكر ليُخبرنا أنّها لا تَملك أيّة جاذبية على الإطلاق؟!
6
... القطّ ــ الذي يُنظِّف نفسه فوق إطار النافذة البارز ــ يُلقى عليها نظرة عابرة من زاوية عينه دون أن يلتفت.. يتثاءب.. ثُم يواصل لعق وَبَره.
***
(2008)

24 يوليو، 2010

انتظار

1
... جائع أنا.. ومقرور.. قابع تحت ورقة جافة..ساقطة على أرض الغابة.. يُنقّط فوقها المطر.. منذ زمن لم يمر أحد لأعلق به.. لا أحد بجانبي لأبادله الحديث.. لذلك سأتحدث إلى الربّ.. فالربّ موجود دائماً.. حتى حين تعتقد أنك وحدك تحت ورقة جافة.. ساقطة على أرض الغابة.. يُنقّط فوقها المطر.
لست في حاجة إلى الخروج من تحت ورقتي لأنظر إلى السماء.. فالربّ على الأرض أيضاً.. رغم محاولة بعضهم إقصاءه إلى السماء.. لتكون الأرض لهم وحدهم.. لكن قبل كل شيء كيف سأخاطب الرب؟
أرجلي الست تتحرّك.. مما يجعل الورقة الجافة تخشخش.. يبدو أن ذلك لن يكون مُجدياً في إيجاد الكلمات التي تليق بجلال الربّ.
2
... البارحة حلمت أنني في الجنة.. فأنا أؤمن بأنّه لا بد أن تكون هناك حياة أخرى في مكانٍ ما أفضل من هذه الحياة.. إذ لا يُعقَل أن تكون حياتنا القصيرة التي نهدرها في انتظار مرور أحدهم لنصعد مع أرجله هي كل شيء.. ثم ماذا عن العدالة؟ إذا كان من المستحيل أن توجد عدالة وسط هذا اليباس.. فلا شك أنها ستوجد في مكان أكثر أخضراراً.. لكنني حين تحركت خشخشت الورقة.. فأدركت أن هذه ليست هي الجنة.. إذ من غير المعقول أن توجد في الجنة أوراق يابسة!
3
... حين أجوع أفقد إيماني.. لكنني أسترجعه مرة أخرى حين تنتفخ بطني بالدم.. ها هي أرجلي الست تتحرّك دون إرادتي.. عادة سيئة ورثتها عن القُراد الأول.. كعادته حين يشرع في التفكير.. أو ربّما لأنه لا يملك شيئاً آخر يمكن تحريكه سوى أرجله.. سأرفع أذرعي لمخاطبة الربّ:
ــ ينهشني سؤال.. سؤال واحد فقط يا ربّ.. فبعض الأسئلة لها مخالب: لماذا اقتضت مشيئتك إيجاد مخلوق بشع مقزّز مثلي.. حياته متوقفة على الالتصاق بالآخرين؟ يعيش على دمائهم.. مصّاص دماء.. واخز.. مُكّدِّر صفو.. مُنغِّص عيش.. نعم.. هذه هي الكلمات المناسبة.. فمي عبارة عن مشرط يخترق أكثر الأجساد سماكة.. لقد جعلني ذلك منبوذاً.. أحس بأنني زائد عن هذا العالم.. ألا ينبغي أن يشكّل وجودنا إضافة؟ بالطبع مخلوق وضيع مثلي يعجز عن إدراك مشيئتك.. لكن لا يمكنني أن أكفّ عن طرح الأسئلة.. فالأسئلة تخشخش هي الأخرى.
4
... أعلم أنني لن أتلقّى إجابة فوريّة.. ها أنا أصمت.. أصغي.. أتكوّر على نفسي.. أنتظر أن تقرمش الأوراق تحت أقدام أحدهم لأتشبث به.. فأنا لا أملك جناحين.. لا أستطيع حتى القفز.. سفري يكون بأقدام الآخرين.. أو أجنحتهم.. مرة علقت بالخفاش.. يااااه!! حلّقت عالياً وسط الظلمة.. لكن الخفاش على كل حال كائن مقزِّز هو الآخر.. بالطبع لا علاقة لهذا بسبب منافسته لي في امتصاص الدم.. هو يلعق دماء الآخرين.. وأنا ألعق دمه.. يا لها من حياة قائمة على اللعق!
قررتُ أن أقوم بعمل صالح قبل أن أموت.. أرجلي الست لا تكفّ عن الحركة.. ولكن.. ما هو العمل الصالح الذي يمكن أن يقوم به قُراد يرتجف تحت ورقة جافة ساقطة على أرض الغابة.. يُنقّط فوقها المطر؟!
***
(2010)

03 يوليو، 2010

وداعاً صديقي

انتقل إلى جوار ربه صباح الجمعة 2010.7.2 صديقي ورفيق العمر: (سالم ماضي عبدالونيس).. طيّار عمودي.. 48 عاماً.. لماذا يرحل الأصدقاء فجأة.. دون حتى كلمة وداع؟

21 يونيو، 2010

القِدْر

(إلى الصديق الشاعر: زهران القاسمي)
1
... منتصف أغسطس.. جازية التي ترمّلت منذ صغرها.. تستلقي في ظل الخرّوبة.. تراقب القرون التي اسودّت بعد الضباب الأخير.. تهزّ رأسها.. تنهض على أربع.. تُجهِّز قِدْرها وموقدها.
2
... في الضحى تحتّ قرون الخرّوب بعصا المكنسة.. تستمتع بالتساقط والخشخشة.. وتقافز القرون عند قدميها.. تكوّمها فوق الحصيرة.. تبدأ في دقّها فوق العتبة الإسمنتية.. تحفن الخرّوب المجروش داخل القِدْر.. تغرقه بالماء.
3
... تصفّي الخروب.. بعد ترطيبه ليلة كاملة.. تلقي بالنثل أمام بقرتها.. تضع القِدْر فوق موقد الغاز.. ترفع اللهب حتى تنبثق ألسنته من تحت الطنجرة.. تغفو.. تنهض على فترات لتطمئن على العصارة.
4
... في الضحى التالي تفوح رائحة الرُّبّ.. جازية ـ التي لا تكف عن صنع الأشياء الحلوة ـ تلقي رغيفاً من خبز التنور وسط فوران السائل الداكن.. فوح الرُّب ينتشر.. يتعدّى سياج بيتها.
5
... تكثر الطرقات على باب جازية...
جارتها القريبة تحضر كوباً من الشاي.. تدس أصابعها الثلاث الوسطى في القِدْر الذي يغلي.. تلحس.. تتمطّق.
الممرضة تطمئن على صحتها.. تأخذ لحسة.. تغمض عينيها.. تمتص لسانها.
قارئ عَدّادات الكهرباء يتحسس جبينها.. يأخذ لحسة.. يُمرّر لسانه على شفتيه مستقصياً أثر الرُّبّ.
حرس الغابات يأخذ لحسة طويلة.. من باب الاطمئنان على صحة الخرّوبة!
عابر سبيل يغمس إصبعين طويلتين.. يلعقهما.. معتذراً عن الوهم في الباب.
الكُرَة تسقط في حاجر البيت.. يلحقها فريق من اللاحسين الصغار.
ضابط القرية يرفع صوته من خلف الباب:
ـ أنا يا عمّتي جازية لا أتحايل.. بصراحة سآخذ لحسة.. وقضمة من رغيف الرُّبّ.
6
... آخر النهار.. جازية تنظر إلى الرُبّ القليل المتبقِّي في قاع القِدْر.. تتنهّد:
ــ لحسوني!
تصبّ السائل الأسود الدبق الطري في زجاجة صغيرة حتى آخر قَطرة.. تُحكِم إغلاقها.. تمسحها بعناية.. تتأملها.. تُقرّبها من أنفها بيدين مرتجفتين.. تُغمض عينيها.. تأخذ نفَساً طويلاً...
تجفلها طرقات متلاحقة على الباب...
***
(2010)

03 يونيو، 2010

ارتياب

(إلى الشاعر مُحي الدِّين الْمَحجوب)
1
... الشمس تعجز عن اختراق الضباب الكثيف الزاحف على وجه الأرض.. الأفعى تتكوّر في تجويف الصخرة الكبيرة التي تشكّل ركن السياج.. مُبلَّلة بلا حَراك.. مُجرَّد حبل بارد.
2
... عند ارتفاع الضحى تخرج الأفعى من تحت السياج.. تدخل الحديقة.. تنثنِي إلى اليسار.. ترى ثعباناً أرقطَ متمدّداً وسط العشب.. تقترب.. تدور حوله.. منقوش بكل الألوان.. تغربلها رعشة من رأسها إلى ذيلها الذي لا يزال قرب السياج.. لا يُعيْرها الثعبان اهتماماً.. يُغربلها الغيظ هذه المرّة.. تطوي جسدها في شبه دائرة.. تدنو.. تَمَسّ جسده.. تفاجئها صلابته.. تَحتكّ به.. تفِحّ:
ــ خرطوم مياه! يا مزوَّق من بَرَّة! انتابنِي إحساس بأنّ هذا الجمال مُزيَّف.
3
... تخرج الأفعى إلى الغابة المجاورة.. تتَمهَّل.. تستدير.. ترفع رأسها.. ترى طرَف خرطوم المياه مُمدَّداً في آخر الحديقة.. تُخرج لسانها.. تفَحّ:
ــ الغريب أنّ بعضهم تنبع أهَمّيته من كونه أجوف!
4
... تتوغل في الغابة مواصلة فحيحها.. تتوقف فجأة.. تنظر إلى الهدهد الجاثِم على الصخرة المجاورة بكثيْرٍ من الارتياب.
***
(2007)