28 فبراير، 2010

استرداد لَحظة

1
... كان يتَّكئ مُفترِشاً النَّطْع.. واضِعاً المخدَّة تحت إبطه.. يَرْقُب البَرّاد وهو يُحشرِج في طرَف الكانون.
قالت زوجته:
ــ يا لَه من مطرٍ أبدي.. لم ينقطع منذ أكثر من شهر.
ــ هل يُضجركِ ذلك؟
ــ كل شيء لا بُدَّ له من نهاية.. مهما كان مُحَبَّباً.
ــ هذا يتوقف على النهايات.. خُذي مثلاً حياتنا.. كُنّا قبل الزواج..
قاطعتْه بحِدَّة:
ــ ها أنت تعود إلى هذا الموضوع مرةً أخرى.
تثاءب:
ــ إذا لم يكن هناك جديد.. فلا مناص من اجترار الماضي.
حَكَّ أنفه براحته:
ــ العشق مرحلة اكتشاف.. ذلك ما يجعله رائعاً لا يتسرَّب إليه الملل.
ــ وهل كان من الممكن أن نظلَّ عاشقين إلى الأبد؟ لا بُدَّ للعشق أيضاً من نهاية.
اعتدل.. بسط راحتيه فوق الكانون:
ــ إذا كنتِ تقصدين الزواج.. فهو نهاية سيئة للعشق.. نهاية لمرحلة الاكتشاف.. ويؤسفني أن أقول إنَّ أعظم قصص الحُبّ وأكثرها خلوداً في التاريخ هي تلك التي لم تنتهِ بالزواج.. صدِّقيني.. الزواج عبارة عن تعليب للحُبّ.
ــ هذا ليس أمراً سيئاً.. حتى لو سَلَّمنا بذلك.. فالتعليب حِفْظ للأشياء من الفساد.
قهقه:
ــ لكنَّكِ نسيتِ ـ أو تناسيتِ ـ أنَّ المُعلبات لها مُدَّة صلاحية معيّنة.
ضحكتْ وهي ترفع البَرّاد من فوق الجمر:
ــ أنتَ تُسمِّي الأشياء دائماً بغير أسمائها.. تعتبر الاستقرار نهاية سيئة.
ــ استقرار! ها أنتِ قُلْتِها.. الاستقرار أُلفة.. والأُلفة عادة.. والعادة نوع من العبودية.
ــ لكنَّها عبودية باختيارنا.
ــ ذلك ما يجعلها أسوأ أنواع العبودية.
عاد إلى الاتّكاء.. وغرق في لحظة وجُوم.
نظرتْ إلى الفحمة العالقة بالبَرّاد.. وقالت مُحاولةً انتشاله من وجُومه:
ــ انظرْ.. سيأتينا ضيف.
ــ مَن سيأتينا في ليلةٍ كهذه؟!
أعادت المحاولة مرةً أخرى:
ــ أتذكر عندما كنتَ تتسلل إليَّ في أواخر الليالي.. مُلتصِقاً بجذوع الأشجار؟
ــ وهل ذلك شيءٌ يُنسَى؟
ابتسمت:
ــ مَن يراك على تلك الحال يعتقد أنَّك لِصّ.
ــ اللصوصية في العشق هي التي تمنحه طَعماً خاصًّا.. تماماً كلَذَّة الصيّادين.. في المُطاردة.
ــ كنتَ دائماً ترتدي ملابس داكنة.. أتذكر تلك الليلة التي أتيتَني مُلطَّخاً بالوحل.. ومَقروراً حتى العَظم؟
ــ تلك الليلة بالذات لا أنساها.. فقد خضتُ السيل.. وسبحتُ وسط التيار.. وكنتِ أنتِ تتجلَّلين بلِحافٍ أسود.. تحت وابل المطر.. تستندين إلى جِذْع البَلُّوطة.. وتَرقُبين الطريق.
ــ يئستُ من مجيئك تحت ذلك المطر.
ــ لكنَّكِ بقيتِ تنتظرين! كان ذلك في نفس هذه الأيام.. وفي مطرٍ كهذا.. كنتُ أسمع وجِيبَ قلبكِ وأنتِ تقفين بالقرب منِّي.
ــ وكنتُ أُحسُّ بحرارة جسدكَ تحت البَلل.
ابتسم.. لمع في عينيه بريق:
ــ ما رأيكِ لو نستعيد تلك الليلة.. لو نستردّ تلك اللحظة؟
ــ بعد هذه السنين؟
ــ تقصدين أنني ضعفت.. ولم أعد أستطيع اجتياز السيل.. سترين.
وانتصب واقفاً..
تعلَّقت بيده..
ــ أرجوك.. دع المطر حتى يخِفّ.. ويهدأ السيل.
ــ لا.. ذلك مُخالف لأصول اللعبة.
الْتفتَ قبل أن يخرج:
ــ لا تقلقي.. من هنا سأعبر من خلال القَنطرة.. لكنني سأعود من الأسفل.. حيث التيار على أَشدِّه.. هل تخشين ألاّ أسمع دقات قلبكِ؟ أنا أيضاً لست واثقاً من أنكِ ستشعرين بدفء جسدي تحت الملابس المُبتلَّة.. لكن لماذا نستبق الأحداث؟
هَزَّت رأسها باسمة.. وهي تُنصت إلى وقع خطواته..
ــ مجنون!
2
... هدير السيل يطغَى على كل شيء.. وفي لحظات خاطفة يلمع الزَّبَد تحت بُهرة البَرْق.
اقترب مُتعلِّقاً بالأغصان.. أَحسَّ بقوة التيار.. بحث في القاع بقدميه عن شيءٍ صلب.. انزلق.. قذفه التيار.. تمسَّك بالغصن.
ــ يا لها من ظُلمة.. سأنتظر حتى يومِض البرق.. صدقت زوجتي.. لم أعد قوياً كما كنت.. الزوجة أول من يعرف ذلك! هذا الغصن لن يصمد كثيراً.. سأقفز قبل أن ينقَصِف.
حاول القفز.. انهار شيء تحت قدميه.. ترنَّح مُلوِّحاً بيديه في الظلمة.. سقط على ظهره.. اصطدم رأسه بصخرة.. فَقَدَ الوعي.. و.. ذهب مع السيل.
3
... وسط الدَّغْل الكثيف.. كانت لا تزال تستند إلى جِذْع البَلُّوطة.. وهي تتجلَّل باللحاف الأسود.. بدأ القلق يُساورها.
زغردت ضفدعة.. فامتلأ قلبها بالفرح.
... من خلال ومضات البرق.. ظلَّت تَرْقُب الطريق الشاحب.. الْمُقْفِر.. تحت وابل المطر.
***
(1996)

25 فبراير، 2010

وُجُوْه

1
... يستيقظ.. ينظر إلى الساعة الحائطية المقابلة لسريره.. لايزال هناك متسع من الوقت على موعد المقابلة.. ينقلب على الجانب الآخر.. يسمع فرقعة الصحون آتية من المطبخ.. يعرف أنّها علامة على غضب زوجته.. يمشي حافياً إلى الحمام ليغتسل.. لكنه لا يجد وجهه!
2
... تطعنه زوجته بسبّابتها في صدره:
ــ والله ما فيك وجه.. عدت البارحة قبيل الفجر تترنح.. أنا أعرف جيّداً أين تترك وجهك بعد أنصاف الليالي.
يُقلِّب في الأدراج.. يكتشف أنه قد استنفد كل وجوهه.
3
... يطرق باب جاره..
ــ صباح الخير.. عندك وجه سلف؟
ــ لا والله.. حتى أنا عندي مقابلة.. لم أعد أملك سوى وجه واحد.. سهرت الليل بطوله لترميمه.. لكن اليوم سيوزِّعون وجوهاً في السوق الكبير.
4
... أمام السوق.. الطابور طويل.. متعرِّج.. لغط.. قهقهة:
ــ الدنيا بالوجُوه.. والآخرة بالعمل.
ــ اللي تَكْرَه وجهه.. يزرّك الزّمان على قفاه.
ــ قالوا للقرد: تبَرقَعْ.. قال: وجهي واخِذ على الفضيحة!
يصرخ أحدهم:
ــ اسمعوا.. لا تعطوا الواحد أكثر من وجه حتى يكتفي الجميع.
5
... يتآكل الطابور.. مدير السوق يوزِّع الوجوه كيفما اتفق:
ــ هاك.. وجه مكشِّر.. وَجْه عابس.. وجه كالِح.. وجه طويل يصلح للمدراء.. وجه بليط يناسب الكثير من المسؤولين الكبار.. آخِر وجه بارد عندنا.. وَجه مصَقِّع.. وجه مش للضَّيّ.. من يريده؟ وجه قوِي.. وجه صاح.. وجه مقلوب.. وجه ملْوِي.. وجه ممدود.. وجه متزلِّط.. وهذا كتيّب.. كتالوج يعني.. (كيف تلمِّع وجهك في خمس دقائق بدون مُعلِّم).. ههههه.. وهناك محاضرة في العشية عن كيفية استبدال الوجوه وتلوينها.. يُلقيها الدكتور (بو وجهَين) في المدرَّج المكشوف.. ههههه.. خذْ وجهك...
6
... يصل أخيراً.. مدير السوق يُميل رأسه.. يئن مغمضاً عينيه نصف إغماضة وهو يُحرِّك أذنه بالقلم:
ــ للأسف.. تأخرت.
ــ فتِّشْ.. أرجوك.. أي وجه.. موعد المقابلة بعد نصف ساعة.. مقابلة مهمّة.. أكيد عندكم وجوه مدسوسة تحت الدُرج للأصحاب.
يغطس مدير السوق تحت الدُرج.. يتوارى.. يزحف.. يرفع رأسه.. يَمسح جبينه بظاهر يده:
ــ صدّقني.. لم تعد لدينا وجوه.
***
(2010)

24 فبراير، 2010

البتول

(إلى جيلاني طريبشان)
1
... هل سمعتم بصمت الآبار العامرة بالمياه؟ الصمت المُغلَّف بالعتمة؟ العتمة التي لم تفتضّها الدِّلاء منذ أَمَد؟
2
... أنا بئر سبيل في ملتقى الدروب.. دروب المِيراد.. وطرق القوافل.. حيث يُصافحونني بدِلائهم التي تلثم جدراني.. كنت قِبلةً لكل الأحياء.. حتى لطائر الرَّخم الأبيض اللمّاع.. الرخم العابر الذي لا يُعشِّش عندنا.
لا أدَّعي أنني أفعل الكثير.. أنا فقط أستقبل الغيمة التي تجوب السماء.. أَحْضُنها.. أُذيبُها.. أدَّخرها لكم في أعماقي.. حفنة من الطهارة.. تلامس أجسادكم التي هَدَّها السفر.. وأرواحكم الأكثر ظَمَأً.. فأين أنتم؟ سئمتُ صفير الرياح في البراري.. أفتقدُ أصواتكم.. وَقْعَ خطواتكم.. وجوهَكم التي تُشرق في عتمتي.. رجفةَ الماء حين ملامسة الدِّلاء.. أَهَبُ عمري كلَّه من أجل (سِلَّيْوَة) تغمس ريشها في صدري.
3
... هل مِن واردٍ يُحرِّك كل هذا الركود؟ يُجدِّد الدروب الدارسة.. الباهتة.. يبدو أنه زمن الآبار التي تستجدي العطشَى.. الآبار التي حادت عنها الطُرُق.. هل كنتُ مجرَّد مَعبَر؟ كيف لي أن أستقبل المطر القادم؟ هل سأغدو مجرد كهفٍ مظلمٍ تُعشِّش في سقفه العناكب؟ يهجرني (السّلَّيُو).. ويقطنني البوم والخفافيش.. وكل عُشّاق الظلمة؟ لا أُطيق التحول إلى بركة آسنة.. أنا الحَلَمة الثَرَّة في هذا القَفر.. لِمَن أحمل كلَّ هذه الطهارة.. هذه القداسة المُرعِبة.. كَرُعب (العذراء) حين حملت النبي.
4
... الطريق الدارس يلوح كوشمٍ غابر.
حين بدأت المياه تخضرّ.. كانت نداءات البئر قد خفتتْ.. فتشقّق.. وشَرِب نفسه!
***
(2001)

23 فبراير، 2010

اختِيَار

1
... فضيلة في ربيعها السادس عشر.. تختلس النظر ـ على استحياء ـ من خلف ألواح النافذة:
ــ هذا ولد الجَزّار.. الغارق دائماً في الدماء.. لا يُجيد شيئاً سوى الذبح السلخ.. أُفّ.. يا لَرائحة الجلود!
ــ مَن هذا المُتأَنِّق؟ آه.. هذا المُعلِّم الجديد.. يعني! لا بأس به.. لكنَّه لم يتمكَّن حتى من قَبْض أول راتب.. لا يملك سيارة.. ويسكن مع أهله.. ماذا يُمكن أن يوفِّر الراتب غير العيش على الكفاف.
ــ مَن هذا المُتعثِّر في مشيته؟ درويش القرية؟ الأعرج.. الأحول.. لم يَعُد ينقص إلاّ هذا.
2
... كبُرت الخَرُّوبة التي أمام البيت حتى تعدَّت السياج.
فضيلة تجلس في النافذة المفتوحة على مصراعيها.. يَد على الخَدّ.. في الأُذن صهيل.. ويتبدَّى القمر أحياناً جواداً أبيضَ راكِضاً فوق السُّحُب.
... من طرَف القرية انطلقت زغرودة.. تغربل جسدها.. اهتزّ.. تزلزل.
ــ هنيئاً لها.. تزوَّجت ابن الجَزّار.. ليس هناك ما يدعو إلى الحسد.. هنيئاً لها برائحة الجلود.
تنهَّدت:
ــ لكن.. هذا ليس أمراً سيئاً من كل الوجوه.. لقد وجدت رجلاً يسترها على كل حال.
3
... استطالت الخَرُّوبة حتى حجبت ضوء القمر عن واجهة البيت.
فضيلة تجلس على عتبة الباب.. تُمرِّر أصابعها ببطء فوق حَبّات العِقْد.
ــ مساء الخير يا فضيلة.
ــ مساء الخير.. مَن؟
ــ ومَن يكون غيري.. الدرويش.. الأحول الأعرج.
ــ الرجل رجل على كل حال.. ولا تعيبه هذه الأشياء.
قهقه الدرويش.
ــ لا تضحك.. أنتَ دائماً لا تُعطي نفسك قَدْرَها.. صدِّقني.. ما العيب في أن يكون الرجل أعرج؟
تعالت قهقهات الدرويش:
ــ وأحول!
ــ وحتى أعمَى.. وأبكم.. وأطرش.. الرجل لا يعيبه شيء.
اختنق صوتها.. أخفت وجهها داخل كفَّيها.. ردَّدت:
ــ الرجل لا يعيبه شيء أبداً.
... توارَى الدرويش في الظُلمة.. وظلَّ صدَى ضحكاته يَمْلأُ ليلَ فضيلة.
(1996)

22 فبراير، 2010

الْخفّاش

أحد كهوف (وادي الكوف) بعدستي.
(إلى روح إبراهيم جمعة عبدالعليم.. ملح البيت.. رفض التخلِّي عن طفولته.. فآثر الرحيل مُبَكِّراً)
1
... أنا من كائنات الليل.. بعضُهم يَحْلو له أن ينعتنِي بـ(الكائن الظَّلامي).. لِيَكُنْ.. الظَّلام هو الوجه الآخر للضِّياء.. والمسائل نسبيّة.. آخرون يعتبِروننِي مَصّاصاً للدماء.. الكلُّ يَلَغ في الدماء.. الفارق هو أن بعضَنا يلعقها مباشرة.. على فِكْرة.. أنا الخَفّاش الوحيد.. أَعنِي الكائن الوحيد الذي يستطيع الطيران في الظلام داخل الكهوف.. أو وسط الغابة بسرعة خارقة دون أن يصطدم بشيء.. أليس هذا شيئاً يبعث على الزَّهْو؟ عليّ أن أمتدح نفسي إن لم يفعل الآخرون ذلك.
2
لا أعرف شيئاً اسمه أزمة سكَن.. فـ(وادي الكُوف) سُمِّي بذلك لكثرة الكهوف.. مئات الكهوف تفغر أفواهها السوداء على ضفَّتِي الوادي وسط أدغال البَلُّوط والصنوبر والسَّرو والخرُّوب والشّماري والبَطُّوم.. هناك الكثير من الأَوشاز أيضاً.. كهوف مُعَلَّقة.. مُحَصَّنة.. تُؤطِّر مداخلَها نباتاتُ الزَّيتا والرِّينش.. وعلى فوهاتها وجُدرانها الخارجية يتدلَّى نبات القَبّار.. إنَّها فردوس الخفافيش.
طال هذا النهار.. أشعر بالخَدَر في ساقَيّ.. فمنذ الفجر وأنا مُعَلَّق في وضعٍ مَنكوس في هذا السَّقْف الحجري.
3
... تعالوا يا أولادي.. طالت أجنحتُكم.. آن الأوان لتذوقوا طعم الدم.. يُمكنكم هذه الليلة أن تذهبوا معي في أوّل رحلة صيد.. لكن قبل ذلك سأُحدِّثكم عن أَسْلافنا.. فلا بأس بشيءٍ من التاريخ.. المعرفة حَصانة.. إليكم الدَّرْس الأَوّل:
كان جَدُّنا الأَوَّل فأراً هزيلاً.. يرتعش دائماً من الخوف.. يحفر أنفاقاً عميقة فراراً من القِطَط والأفاعي.. من أجل لُقمة عَيْشِهِ يخرج من مَكمنه خِلْسة.. كان يُحاول حماية نَسْله من الانقراض.. في إحدى لحظات عجزه يصرخ في وجه الإله: (لماذا خلقْتَنِي عاجِزاً هكذا أمام الأفاعي والقِطَط السِّمان؟ ألَسَتَ قادراً على أن تَمنحنِي القوّة؟).. ثُمّ يُحسّ بالندم.. فيقول من خلال الدموع: (اغفر لي يا إلهي هذا التجديف.. إن كنتَ تريد أن أخرج لتلتهمنِي الأفاعي والقِطَط.. فسأفعل ذلك إرضاءً لَك).. وينام متوسِّداً التراب.. دون أن يَمْسَح دموعه.
في آخر الليل يَمسح الإلهُ بيده الْمُقدَّسة على ظهر جَدِّنا.. فيستيقظ.. يُحسّ بالدفء.. لم يجد ذيله.. بل وجد فوق ظهره جناحين من قُماشٍ ناعِم.. منذ تلك اللحظة ترَكَ الوَحْل والأنفاقَ الضيّقة.. تعالَى على القطاطيس والثعابيْن.. لَمْسة الإله جعلتْ منه فأراً طائراً.. سَكَنَ الكهوف والمغارات.. فالْمَجْدُ للإله.
4
ــ ما هي الأفاعي يا أبي؟
ــ مخلوقات باردة الْمَلْمَس.. طويلة.. تَمْشي على بطونها.. تتسلَّل في صمت.. تبتلع فرائسها.. تتسلق الأشجار.. تعيش في تجاويف الصخور.. وفي الكهوف أيضاً.. يقولون (الأفعى ترقد حيث تنمو الأزهار).
ــ وما هي القِطَط؟
ــ مخلوقات تسمن بين يومٍ وليلة.. سريعة.. تستطيع الوصول إلى رؤوس الأشجار بلا جناحين! الشمس على وشْك المغيب.. لحظة غياب الشمس أُحسّ بالجوع.
5
... لا تستسلموا لإغراء الأجنحة.. ابقوا قريباً منِّي يا وطاويطي.
ــ ماذا تعني كلمة وطاويط؟
ــ اسم يُطلقه علينا البشر.. هكذا أصرخُ مُحذِّراً.. أو أُغنِّي أحياناً: (واط.. واط.. واط).. فسمّونِي الوطواط.. البشر لديهم طرائق غريبة في إطلاق الأسماء.. يُسمّوننِي أيضاً في هذا الوادي بالذّات (طوَيْر الليل).. هكذا (طوَيْر)! سأُريهم ماذا يُمكن أن يفعل طوَيْر الليل.
ــ هل سُمِّي الفأر فأراً لأنّه يفِرُّ دائماً من القِطط والأفاعي؟!
ــ رُبَّما.. تعليل معقول يا بُنَيّ.. على طريقة البشر.
6
... انتبهوا.. هناك حِصان في أسفل الوادي.. يجب أن نُعاين الفريسة أَوَّلاً: حصان أَصيل.. يكاد يتفصَّد دماً حارًّا.. ماذا تفعل يا مولانا بكلّ هذا الدم الفائر؟! بدأ فمي يتحلَّب.. فأنا لا أستطيع مقاومة الدماء الأصيلة.. اقتربوا بهدوء.. لا تُحدِثوا رفيفاً.. سأُريكم مواضع العروق.. تحسَّسوا برِفْق.. إيّاكم ووخْز الحصان أو الوَطْوطَة.. سأتولَّى الحراسة.. هناك عيون تلمع تحت البَلُّوطة المجاورة.. سأستطلع الأمر.
واط.. واط.. واط.. احذروا.. خمسة قِطَط سِمان تتربَّص.. خمسة أفواه.. عَشْر عيون.. عشرون مخلباً.. واط.. واط.. واط..
7
... في طريق العودة سأل الخفّاش الصغير أباه:
ــ لماذا تبدو الأشجار مَقْلُوبة؟!
***
(2006)

21 فبراير، 2010

نزهة في الأرض الحرام

أو سلطة الميثولوجيا في (الخيول البِيض)

بقلم الشاعر والناقد العراقي: وديع العبيدي.
ثَمة اتجاهان رئيسان.. يمكن بهما تبرير سبق الإصرار والتعمد.. الذي يسوق الكاتب الليبي "أحمد يوسف عقيلة" لاتخاذ القرية إطاراً لعالمه القصصي: التمرُّد على الحضارة الإسمنتية.. والحياة المُقنَّنة على مدار الساعة.. والتي يتحول في ظلها الإنسان إلى مجرد "روبوت" صغير.. يتحرك وفق برنامج مرسوم.. أو الخضوع لمراحل التصنيف الاجتماعي على خلفية التطور الاقتصادي للمجتمع.. باعتبار القرية رديف المجتمع الرعوي/الزراعي.. بينما تكون المدينة/الحضرية رديفاً للمجتمع الحرفي/الصناعي.. ناهيك عن قناعة الكاتب الخاصة ـ ربما ـ بأن الوقت لم يحن بعد لكتابة قصة حضرية أو مدينية في ليبيا.. وهو موضوع واسع وقابل للتشعب.. هذه هي الملاحظة الأولية التي يخرج بها القارئ لمجموعته القصصية "الخيول البِيض" الصادرة عن الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان ـ 1999.
إن اختيار الكاتب للقرية أرضيةً لأعماله لا يعود لكونه سليل قرية.. أو أن أكثر من "50 %" من المجتمع الليبي أو العربي عامةً يقطنون القُرى.. وإنما لأن كُلاًّ منّا ـ نحن أبناء المدن التي تنتشر فيها دُور النشر والمكتبات والصحف ـ ماتزال الترسبات القروية تُهيمن على الكثير من جوانب تفكيرنا وشعورنا وتوجهاتنا.. ومن ثَم فإن "أحمد يوسف عقيلة" لا يكتب عن سكان قريته ولهم فقط.. وإنما يكتب عنّا ولنا بذكاء وحِدَّة بصر وبلاغة مُبَسَّطة إلى حدّ الإمتاع.. إنه يُمتِع القارئ بنصوصه.. ويُحيل نظره إلى جوانب أخرى.. دون مُكاشفته بأنه هو.. "القارئ" أحد أفراد تلك القرية.. وربما أحد أبطال القصة التي يضحك من نوادرها.. وإذا كانت وظيفة الأدب هي إعادة صياغة الواقع لتسهيل اكتشافه أو تحليله.. فالكاتب هنا يبني قريته الأدبية بحذق وإمعان.. بعد طول تفكير ومجالدة .
أولاً: بنية النص:
1 ـ التفكيك والتركيب:
يتأسس عالم الكاتب القصصي من مجموعة عناصر بنائية.. سوف تطبع المكان بأثرها دون أن تترك له فكاكاً.. فلا يكاد يمر سطر من سطور المجموعة دون أن تتناثرها.. وقد آثرنا ـ لغرض الدراسة ـ تصنيف هذه العناصر حسب خصائصها ووظائفها إلى ما يلي:
أ ـ الجمادات المتعلقة بالمكان:
(البرّاكة ـ وادي الكوف ـ الوادي ـ المقبرة ـ القبور ـ الشواهد ـ السُّوْر ـ حافة القبر ـ الأودية تصب في أودية ـ أوكارها ـ الأودية والحنايا والسفوح ـ شهقات الأرض الخافتة ـ لوح المنبر ـ الكفن ـ الأكفان ـ درج المسجد ـ الشارع ـ البِرَك ـ المصباح المضيء في طرف الشارع ـ الجدار ـ بيت صغير ـ الأبواب ـ على الجدار ـ المخدَّة ـ الكانون ـ قارعة الطريق ـ باب المراح ـ الخروبة ـ فوق صخرة ـ الكهف ـ مكانه المعهود ـ إنه سرداب آخر ـ كل سرداب يُفضي إلى عدة سراديب ـ الكوخ ـ انزوى في برّاكته ـ سُور المستوصف ـ قصر أبيض ضخم ـ برّاكة معيزيق المحترقة ـ العراء ـ الخلاء ـ الحصيدة ـ البرزخ ـ برج شاهق..).
ب ـ أسماء النباتات ومتعلقاتها:
(الغابات ـ الأدغال ـ الزعتر ـ نبات الحَرْمَل ـ الشجرة المجاورة ـ أغمار السنابل ـ أغصان البطوم ـ حقول الشعير ـ التمر ـ وشق ـ جاوي ـ بوكبير ـ شَبّة..).
ج ـ أسماء الحيوانات ومتعلقاتها:
(حركة ثعبانية ـ أسراب الذباب الأخضر ـ الثعالب ـ طائر النِّيْسي ـ صراديك الحَجَل ـ أعشاش القُبَّرات ـ البَيض ـ البياض ـ الصفار ـ لدغ ـ غرنوق ـ عقرب شمس ـ نملة نصارَى ـ الهدهد ـ الأفراخ ـ ظهْر القط ـ الخيول البِيض ـ الخيول ـ خيول كثيرة ـ القطيع ـ الكلاب ـ عواء الكلاب ـ النباح ـ التمسُّح والبصبصة بالذيول ـ تُمذرِح ـ ثلاث عنزات ـ غربان المساء ـ صهيل ـ وقْع حوافر ـ حصان قد نخر ـ وادي العقارب ـ وادي الحيّات ـ الثعبان الأقرع ـ الخنفساء ـ الشِياه ـ التيوس ـ عين بومة ـ الأغنام ـ الجديان ـ رائحة الفحول ـ رائحة الزبل الجاف وذرق الطيور ـ جُبة ثعبان ـ دجاجة سوداء ـ بول نملة ـ الضفادع ـ صدفات الحلازين ـ الفراشة نسيت أنها دودة ـ الديوك ـ نهيق الحمار ـ جحشاً ـ رأس غراب ـ ذيل ثعلب ـ بوسمَّى "الطُحال" ـ حدوة حصان ـ سوط ـ قمّة النخلة..).
د ـ ظواهر الطبيعة:
(النار ـ الشُهُب ـ الهواء ـ المطر ـ الرعد ـ البرق ـ الريح ـ الموت ـ المساء ـ نواح الريح ـ الهلال ـ الظلمة ـ الليلة ـ ليلة البارحة ـ السنوات الأخيرة ـ ضوء القمر ـ الفجر..).
هـ ـ الإنسان ودلالاته:
(الرُّعاة ـ حارس المقبرة ـ الحارس ـ الحاج آدم ـ ميّت الأمس ـ الشيخ ـ الحضور ـ ثالث ميّت ـ سيدي الشيخ ـ العجائز ـ امرأة جميلة ـ ابنتي ـ مُضيفته ـ العجوز ـ الناس ـ السَّفَلة ـ أنا امرأة ـ الإنسان ـ عذراء ـ الأب ـ لم أعد امرأة ـ لا أحد يريدني ابنة ـ مسح الشيخ على لحيته ـ الراعي مسعود ـ المسعود ـ السائس ـ النساء ـ إحداهن ـ إمام قريتنا يمتلك مفاتيح الجنة ـ الحاج محيميد ـ خطّاب الراعي ـ الحاجة مسعودة ـ فضيلة ـ ابن الجزّار ـ زينب ـ أبي ـ جدّه ـ الأعمى ـ حليمة ـ المسؤولين ـ الحاج الداهش ـ العجوز تكاميل ـ السيدة العجوز ـ بوجواري ـ الوزير ـ ابنين لكل بيت ـ عوض ـ غرَيْبيل ـ المختار ـ الفقيه ـ معَيْزيق ـ بنت الجيران ـ إبراهيم ـ أولاد ـ العرّاف ـ يُعالج بالبصقات ـ الزبائن ـ أيام القوافل ـ جَيْطول ـ الزبون العاشر ـ الطابور ـ المريض الثالث ـ عطية ـ عطَيْوَة ـ رَجْعة ـ طبيب قريتنا ـ مريضه الثاني ـ بدر ـ سويهر ـ خبّاز ـ طفل صغير..).
و ـ الكلمات والرموز ذات الدلالات الميثولوجية والدينية وأعمال السحر:
(شبحاً ـ الشبح ـ الشبح الذي تحدَّث عنه الرعاة ـ الوحش.. تُرى مَن هو؟ ـ فينوس من زَبَد البحر ـ التعاويذ ـ كتاب تفسير الأحلام ـ المنام ـ رؤيا خير ـ الحج ـ الجن ـ جناحين فوق كتفيه ـ الكتاب ـ مناماً ـ أذان الفجر ـ الحكاية ـ مواسم الحكايات ـ مفاتيح الجنة ـ الأغنية الشعبية ـ قذف بنفسه في الشارع/خارج الباب/رِجلٌ في الداخل ورِجلٌ في الخارج ـ آخر جمعة من رمضان ـ الصلاة ـ أودية جهنم ـ طوله سبعون ذراعاً طول كل ذراع سبعون شبراً.. وإذا ضرب أحد الخُطاة بذيله فإنه يغوص في قبره سبعين ذراعاً.. طول كل ذراع مسيرة سبعين يوماً ـ ليلة القدر ـ الملائكة ـ السماء ـ الشيطان ـ صلاة التراويح ـ فارس يختطفني على صهوة جواده الأبيض ـ أريد نجمةً من السماء ـ حكاية العذراء التي ابتلعها الكهف ـ إنني لا أكتب طلاسم.. بل أشياء واضحة وضوح الشمس.. الطبيب هو الذي يكتب الطلاسم.. حاوِلوا أن تعرفوا حرفاً واحداً من كلماته.. إنه يكتب من اليسار إلى اليمين بلغة النصارَى ـ الوصفة ـ أغاني الحصاد ـ رسول سليمان ـ حجاب ـ موعظة ـ الأحجبة ـ تعويذة ـ دخان البخور ـ بندير..).
ز ـ الكلمات ذات الدلالة الحضرية:
(البندقية ـ النافذة ـ الحُجرة ـ الزناد ـ العيادة ـ عباءاتهم ـ سيارة بيضاء ـ الحلوى ـ حذاء جديد ـ دراجة ـ عصا رقيقة ـ المزمار ـ قطرة عيون ـ قدر أسود ـ ماذا أفعل بشوال من التمر ـ سيارة فارهة ـ القصعة الضخمة ـ ستالايت ـ قنابلهم ـ فاس..).
2 ـ البناء اللغوي:
إن جملة هذه العناصر "عدة الكاتب" سوف تبقى مجرد مفردات جامدة.. إذا لم يتم استخدامها واستنطاقها داخل أبنية اللغة وتراكيبها وصوَرها.. وقد جاءت لغة الكاتب الحاذقة.. المعتمِدة على صياغة حديثة.. وجُمَل قصيرة.. لقد استطاع تناول أحد أكثر الموضوعات الشائكة تعقيداً وتمشكُلاً في جانبها الخرافي والميثولوجي.. دون أن يستخدم مفردة تقليدية.. أو أسلوباً سلفياً من شأنه نبذ الكتاب جانباً.. لقد أقنعنا بلغته الفنية المتقدِّمة.. وإمكانياته في تفجير المعاني وتوليد الصوَر.. أن نُرافقه في نزهته أو رحلته المُتعِبة في أراضٍ طالما توجَّس الكثيرون التأخر فيها أو المرور عليها بمجرد الرمز.. وثَمة فإن موضوع الكاتب لم يكن القرية.. وإنما ميكانزمات عالم القرية.. الذي تختلط فيه عناصر السحر والخُرافة والميثولوجيا والتفاسير الخاطئة لكثيرٍ من المفاهيم الدينية.
أبرز خصائص لغة الكاتب:
أ ـ استخدام الجُمَل القصيرة.
ب ـ استخدام مفردات الحديث والتعامل اليومي "اللغة المُبسَّطة".
ج ـ المُبادلة ما بين الجُمَل الفعلية والجُمَل الاسمية سيما في بدايات المقاطع.
د ـ هيمنة الماضي على عالم القَصّ.. مُتمثِّلاً في تواتر استخدامات الفعل الماضي.. مما يوحي للقارئ بغَرْفه من آبار الذاكرة.. أو تصوير القصص كما لو كانت مجرد ذكريات قصصية من عالم طفولته (قصة "دروب".. وإلى حَدٍّ ما قصة "تحولات").. بيد أنَّ ذلك لا يقود إلى قتل عناصر المفاجأة والتشويق في النص.
هـ ـ يُظهِر الكاتب قدرة فائقة.. ليس في تصوير وصياغة بعض المعتقدات والخُرافات فحسب.. وإنما في اختلاق أمثالها لمحوَرة النص حولها.. ففي قصة "المسخ" المهمة جداً.. تبدأ القصة بداية عادية في تناول حياة شخص عادي يفكِّر في الزواج.. الأمر الذي يفتح بنية للقص ويرتقي بها لاستفزاز أكثر من ثيمة في عالم القرية الميتافيزيقي والسياسي والأخلاقي.. أو الحذق الذي يتكشَّف في مواطأته للغة الطب المُشعوِذ في قصة "الوصفة الأخيرة" (كان جَيْطُول يتحدث مع إحدى العجائز التي تشكو ألماً في الظهر: اغمري دجاجة سوداء في قدر أسود مملوء بمياه سبعة آبار.. ثم اقذفيها باتجاه عين الشمس.. فإن جميع الأوجاع ستطير مع طيران الدجاجة.. فقط تأكدي من أن المياه من سبعة آبار..) "ص48".. وإذا علمنا أن الدجاجة لا تطير.. سيما بعد أن تكون قد شبعت موتاً في غليانها بالقدر الأسود.. أدركنا مبلغ السخرية اللاذعة التي ينثر بها الكاتب أفكاره.. (وعندما وصف ذات يوم "بول نملة" لزبون يشكو ألماً في الرقبة.. قهقه الطبيب قائلاً: هذه أول مرة أسمع فيها أن النملة تبول! فردَّ جَيْطُول متحدياً: إنها تبول مرة واحدة في السنة!) "ص52".. أو السخرية الانتقادية في صياغة إعلانات الأدوية (الحصن الحصين ضد لدغات العقارب والثعابين ـ مخلوط حليب التيس والثور لإزالة الثآليل والدمامل والبثور ـ منقوع لب الخيارة لعلاج الدوخة في السيارة ـ حساء مصارين الجربوع وألسنة الضفادع لكشف نوايا الزوج المخادع ـ مسحوق رؤوس الخفافيش لتسهيل المرور عبر نقاط التفتيش ـ مِحّ بيض العناكب لإرشاد المهربين إلى كيفية الاستدلال بالكواكب ـ مزيج لعاب البوبريص والحرباء لعلاج إغماءات الأطباء) "ص49 ـ 53"
وثَمة أكثر من قصة تنحرف فنياً عن الأسلوب المتعارف عليه في عموم القصص لتعتمد التلاعب باللغة.. ففي قصة "تحولات" يتحدث عن زيارة الوزير للمدينة.. ولكن "الواو" تسقط من يافطات الاستقبال المعلَّقة.. فـ (صرخ المختار: الواو.. ابحثوا عن الواو.. أين الكلاب لتقتفي أثر الواو؟
ـ لكن الكلاب لا تعرف القراءة.. كلابنا أميّة يا مختار.) "ص140".
وإلى جانب السخرية المعلَنة.. لا يني الكاتب عن استثمار الرمزية المبطَّنة الكامنة في لبوس الكلمات.. وعلى ذلك يمكن تفسير الحوار السالف باتجاهين على الصعيد الرمزي.. ناهيك عن المعنى العرضي المفهوم.. أو قول أحد الشيوخ: (لقد ضاعت الواو.. وسقطت الياء يا مختار.. فما رأيك في أن تقلب الباقي رأساً على عقب؟ ـ يا لك من نَهِم.. لا تُفكِّر أبداً إلا ببطنك!
ـ ليس هناك مَن يكره الرز على كل حال.. ولكن لا بأس.. إذا تحوَّل الوزير إلى "رز" في نهاية المطاف.. فهذا في صالح الأمة.. أليس من مهام الوزير أن يوفر الرز؟!) "ص141" وهكذا تنمو اللغة هنا مكان الحدث.. لإغناء احتمالات التأويل وتوليد المعاني واستفزاز الواقع.. أمّا في قصة "حكاية مدينة" فتتحول "المدينة الفاضلة" إلى "المدينة الفاضية" "ص151" .. وتتحول "تكاميل" إلى "تناقيص".. و "تغاريد" إلى "تجاعيد" في قصة "المِرآة) "ص145".
3 ـ الأسلوب الفني:
يعتمد أسلوب القصص على بناء اللقطة السينمائية.. التي توازن بين اهتمامها بالصورة المرسومة والصوت.. ويندر مجيء دلالة صوَرية دون أن ترافقها أو تلحقها دلالة صوتية على امتداد قصص الكاتب.. ففي قصة "الرؤيا" أولى قصص المجموعة نقرأ: (أقبل الليل.. تلاشت الأدغال والأودية ونتوءات الجبال "صورة".. نعبت بومة.. فتجاوب الصدى في الخرائب "صوت" "ص7".. وغني عن القول ارتباط حركة البوم بالليل.. وتستمر اللقطات السينمائية في التتالي على هذا النحو: (أخذت العجائز شُهباً من النار.. لوَّحن بها في الهواء.. وتمتمن ببعض التعاويذ.. البِركة الرقراقة التي خلَّفها مطر المساء.. ضجت بزغاريد الضفادع) "ص7".. فاقترنت الشُهُب بالتعاويذ.. ومنظر البِركة بزغاريد الضفادع.. ويبقى الكاتب على مدار قصصه فنّاناً يُقدم صوَراً فنية ضاجَّة بالدلالات.. عبر لغة فنية مُحدَثة.. غنية باحتمالات التأويل.
ثانياً: القراءة:
بباكورة أعماله "الخيول البِيض" ينضم الكاتب "أحمد يوسف عقيلة" إلى طائفة الكُتّاب الذين تتميز أعمالهم بتعدُّد القراءات.. فالقراءة الأولى كما سبق تتركز على عالم القرية.. والميكانزمات الفاعلة فيها.. ولكن هذا العالم المحدود في مكوناته وحدوده.. حسب وصف الكاتب: (قريتنا صغيرة.. لا يتجاوز سكانها الخمسمائة من الذكور.. بمن في ذلك رئيس مركز الشرطة ومختار المحلة وإمام الجامع ومعلِّم المدرسة والدرويش.. وبعض الغرباء الذين وفدوا أخيراً..) "ص110".. يتمدَّد ويتسع على الورقة.. حتى تتلاشى حدوده في المكان والزمان.. إنَّ تدرُّج القراءات أو مستويات القراءة هنا تشبه الحفريات الأركيولوجية.. التي كلما تقدمت في الحفر تكشَّفت الأرض عن مستوى جديد من مستويات سطحها.. وأبرز هذه المستويات:
1 ـ لا يواجه القارئ عناء التوصل إلى أنَّ القرية هي الأرضية المشتركة لهذه القصص.. فبغضّ النظر عن طبيعة المكوِّنات والعناصر التي تُمثِّل القاسم المشترك في هذا الكتاب.. يكرِّر الكاتب من آونة لأخرى لفظة "قريتنا".. وليس من المصادفة بمكان أن يقرن الكاتب هذه الكلمات كلما وردت بضمير الجماعة المتكلمين.. وكأنه يًصرّ أنَّ هذه القرية.. أو العالم الذي يدور حوله الحديث.. إنما هو "قريتنا" نحن.. فهل المقصود قرية الكاتب التي احتضنت طفولته في ريف الجبل الأخضر مثلاً.. أم أنه يُسرِّبها إلينا في غفلة من عيوننا.. فنُكرِّر معه دون أن ندري: قريتنا!
( في قريتنا يُزهِر الزعتر في المقبرة ويذبل..) "الرؤيا" ص8".. ( كبار السن في قريتنا يتدثرون بعباءاتهم بالقرب من المواقد..) "الخيول البيض" " ص24".. (إمام قريتنا يمتلك مفاتيح الجنة..) "كاتب الأماني"ص29".. (منذ ذلك اليوم وأطفال قريتنا لا ينامون..) "المتاهة" ص42".. (في الوقت الذي كان فيه طبيب قريتنا..) "الوصفة الأخيرة" ص47".. (غاب النهار عن قريتنا..) "المسخ" ص63".. (باختصار هي مَعْلَم من معالم قريتنا..) "دروب" ص91".. (قريتنا تقع وسط الغابة..) "تواطؤ" ص101".. (قريتنا صغيرة..) "الصُّرّة" ص109".. (بدا الليل يهبط على طرف قريتنا الشرقي..) "المِرآة" ص124".. (درويش القرية..) "اختيار" ص153".
نستشف من هذا أن اسم القرية يرد صريحاً في إحدى عشرة قصة.. ويرد اسم المدينة صريحاً في قصتين: (المسؤولين في مدينتنا..) "تحولات" ص137" (خطا خارج المدينة لينظر إليها عن بُعْد..) "حكاية مدينة" ص151".. رغم أن طبيعة الأجواء الموصوفة لا تُميّزها عن القرية.. حيث تنتشر الكلاب والقطط والديوك والبِرَك والمطبّات "ص138 في قصة تحولات".. أمّا حكاية مدينة فتدور على شاطئ.. وكذلك هو الحال في القصص الأخرى.. التي لم تأتِ إلى الذكر الصريح.. ولكن الأجواء تشير إليها مثل: (شوال التمر ـ الهدهد/ لعراء ـ المجنون ـ الهاوية/الأودية ـ استرداد لحظة ـ الذئب ـ وحشة ـ وصفة ـ انبعاث).. بينما لا تشي أجواء قصة "المَفْرَش" بأجواء مميزة.. وهي تتناول تداعيات امرأة تحوك وهي جالسة في حجرتها.
2 ـ تنعم قرية الكاتب بالهدوء والوداعة.. وهي تنام على طرف الغابة.. لا يقضُّها شيء غير (عواء الذئاب كل ليلة).. ومع ذلك فقد (أصبح العواء مألوفاً.. حتى إنه لم يعد يعني شيئاً لكلاب قريتنا) "تواطؤ" ص101".. وهي أقرب إلى (البِركة الرقراقة التي خلَّفها مطر المساء) "الرؤيا" ص7".. الحياة فيها أكثر من عادية إلى درجةٍ تبعث على الرتابة والملل.. وليس أمامهم غير التسلِّي بتزجية الخُرافات والأساطير.. فأبدى الكاتب براعةً كبيرة في ابتداعها وصياغتها وتحريك أبناء قريته في نسيجها.. ففي قصة "الرؤيا" تهيمن فكرة الشبح حتى تصبح حديث الساعة.. بينما يعيش الناس في حُمَّى التسابق للفوز برؤية "الخيول البيض" في القصة التي تحمل هذا الاسم.. (يقولون إن مَن يرى الخيول البيض يحقق كل أمانيه.. ويتزوج بمن يشاء..) "ص25".. ولا تكاد تخلو قصة من خُرافة.. أو خيط يقود إليها.. كما في قصص "الهدهد ـ تواطؤ ـ المسخ".. بينما تنفتح قصة "كاتب الأماني" على جملة من الأمنيات الخُرافية.. معتقدين أن مجرد كتابة الأمنية على خرقة ووضعها تحت الرأس كفيل بالتحقق.. (على كل واحد منكم أن يكتب أمنيته في ورقة ويضعها تحت وسادته.. فإنَّ الملائكة ستطوف عليكم لتأخذ أمانيكم وتصعد بها إلى السماء..) "ص30".. سيما وهو يستهل القصة بجملة استفزازية: (إمام قريتنا يمتلك مفاتيح الجنة.. حتى الأغنية الشعبية تقول ذلك" في يديه مفاتيح الجنة"..) "ص29".. والإمام هذا هو الوحيد الذي يُجيد فك الحرف.. وهي غير بعيدة عن قصة "الوصفة الأخيرة" حيث يقول "جَيْطُول": (إنَّ هذه العقاقير لا تُعطي مفعولها إلا بشرط أن أبصق فيها.. السر كل السر في البصاق.. جرِّبوا إن شئتم دواءً دون أن يمتزج بلعابي.. إنّ الله يضع سرَّه في أشياء لا يعلمها إلا هو..) "ص51".. وعندما يفتقد الكاتب خيط الخُرافة أو الميثولوجيا يلجأ لصياغة الخُرافة وابتداعها كما في قصة "شوال التمر".. والتي لا يجد بطلها جواباً على سؤاله الذي تبتدئ به القصة (ماذا أفعل بشوال من التمر؟) "ص55".. غير أن يصنع تمثالاً لامرأة من التمر.. ثم يهبها القدرة على النطق.. فإذا ما نطقت اتهمها بالثرثرة.. وتدخل هذه القصة في تناصّات من عدة مراحل مع غيرها.. فهي تُذكِّرنا بقصة "شبح الثلج" للكاتب الأميركي "ناثانيل هوثورن".. حيث يصنع طفلان تمثالاً من الثلج (أية صديقة جميلة ستكون لنا طوال فصل الشتاء.. وإنني لأتمنى أن لا يخشى والدي من أن تسبب لنا رشحاً).. بينما يقول بطل "شوال التمر": (لازلتِ مجرد شوال من التمر.. شيء يبعث على الدفء في الليالي الباردة.. لكنني الآن أشعر بحرارة خانقة..) "ص61".. فالتمثالان صنيعة يد مع سبق الإصرار.. ويتم ذلك في فصل الشتاء تحديداً.. رغم تناقض الثلج والتمر من حيث المفعول والتكوين.. الثلج منتوج شتوي يبعث على البرد.. والتمر منتوج صيفي يبعث على الحرارة.. وفي كلا الحالين كانت الغاية من الفعل التسلية والتسرية.. ويبلغ الصنع من الإقناع بحيث يترك بطل "شوال التمر" الدار هرباً من ثرثرة صنيعته (صرخ: سئمتُ ثرثرتكِ.. مَن تظنين نفسكِ؟ لم يتغيَّر فيكِ شيء.. قال ذلك وخرج صافقاً الباب وراءه..) "ص61".. أمّا في "شبح الثلج" فيترك الأب الدار للسؤال عن ذوي الطفلة الجديدة بعد أن يُدخلها الدار: (تعالي يا زوجتي وأعطيها ثياباً دافئة.. وأبلغي دورا أن تقدم لها عشاءً ساخناً بأسرع وقتٍ ممكن.. أمّا أنا فإنني سأجول بين الجيران لأجد إلى أيهم تنتمي).. أمّا التناصّ الآخر ـ والذي لا يقل حِدَّة عن الأول ـ فيبدو مع جملة من القصص التي اعتمدت قصة شهريار وشهرزاد من "ألف ليلة وليلة" أساساً.. سيما قصة "ما لم يقله الرواة" للكاتبة العراقية "لطفية الدليمي".. ونحن نقرأ: (عليكَ أن تتحلَّى بصبر شهريار.. فقد احتمل ثرثرة امرأة ألف ليلة وليلة حتى الصباح.
ـ لا تُسمِّي الأشياء بغير أسمائها.. شهرزاد لم تكن تُثرثر.. إنها المرأة الوحيدة التي استطاعت أن تُعيد الثقة التوازن إلى نفس شهريار.. كوني مثلها وسأنصت لكِ بكل جوارحي حتى يُدركنا الصباح..) "شوال التمر ص60".. ناهيك عن أثر لغة "ألف ليلة وليلة" في حوار المرأة التَّمْرية.. والتناصّ هنا لا يُمثِّل تهمةً بحد ذاتها.. بل تسامياً.. على اعتبار أن الأفكار كائنة في الفضاء.. ولا يمنع أن يصل إليها غير واحد في أمكنة متباينة من الأرض.. دون أن يحصل بينهم اتصال.. أو يعرف أحدهم الآخر.. وهي علامة على تقارب الفكر الإنساني.. ووحدة منابعه ومصبّاته.. إذا انسجمت أساليب التفكير.. واتخذت الحقيقة الصافية لواءً دون ما عداها.
أمّا ما يقتضي الإشارة هنا فهو سلطة الأفكار الغيبية والخُرافية في حياة الناس اليومية في هذه القرية.. مما شلَّ قدرتهم وأقعدهم عن كل سعي أو طماح في انتظار الصدفة أو القسمة والنصيب.
3 ـ وكان من شأن ذلك أنَّ أبطال قصص "الخيول البيض" يعيشون خارج الحلقات الاقتصادية.. التي وسمت وأفرزت حركة التطور الاجتماعي للبشرية.. مما ترتب عليه عدم وجود ضرورة للمرتبات.. وانعدام الأسواق.. لبدهية الحصول على الطعام والشراب.. وهو الآخر لا ورود لذكره في القصص.. إن الوظيفة الوحيدة لأهل القرية هي توارد الحديث.. الذي لا يخرج عن إطار الخُرافة أو الميثولوجيا المهيمنة وتلبية إشاراتها.. فبطل "الخيول البيض" والذي يُفترَض أنه الوحيد الذي يمارس عملاً في المجموعة كراعٍ للقطيع.. يُخيِّب ظننا إذ نكتشف أنَّ ممارسته الرعي ليست بالمفهوم الاقتصادي.. وإنما للفوز برؤية الخيول البيض: (يقولون إنَّ الراعي مسعود قد ذهب بقطيعه إلى الأودية.. فهذا أوان ظهور الخيول البيض.
ـ مسكين هذا المسعود.. منذ سنوات وهو يفعل ذلك في عز الشتاء.. لكن دون جدوى.
ـ كم أتمنى رؤية تلك الخيول. "ص24".
أمّا طبيب القرية فهو شبه مجمَّد عن عمله لعدم ارتياد المرضى لعيادته.. وميلهم إلى "جَيْطُول" العجوز المعالج بالبصقات.. والذي لا يدخل عمله في العملية الاقتصادية من حيث التعريف أو النتيجة! بينما وردت الاصطلاحات المهنية الأخرى في القصص دون إشارة لممارستها.. فلم تكن أكثر من لقب يلحق الاسم مثل: (الشيخ ـ الإمام ـ الفقيه ـ العرّاف ـ خطّاب الراعي ـ السائس ـ الخبّاز ـ الجزّار ـ البغي ـ المختار ـ الشرطي ـ الوزير ـ المسؤول).. ومن الطريف عدم ورود ذكر للإقطاعي أو مالك الأرض المستغل في هذه القصص.. فبدت القرية وكأنها ما تزال تعيش ما يشبه المرحلة المشاعية في كثير من جوانب الحياة.. دون أن يغيب عنها طيف رجل (الدين/العرّاف/الدرويش/الشيخ الفقيه/مالك مفاتيح الجنة وكاتب الأماني).
وإذا انتقلنا إلى صعيد آخر لمتابعة طموحات وأحلام الناس.. وجدناها هي الأخرى لا ترتبط من قريب أو بعيد بالعملية الاقتصادية أو الإنتاج والتراكم.. نتيجة تتبُّع الناس للخُرافات "الخيول البيض".. أو البحث عن الكنز "الهدهد".. أو الحصول على التمر من غير كَدّ أو سؤال (إشارة إلى المثل الشعبي: التمر ما يجيبنّه مراسيل) هامش "ص55".. وتكاد المرأة/الزوجة تكون ضالّة ومطلب الجميع: (مسعود الراعي/بطل شوال التمر/المسخ).. وبالمقابل يكون الرجل/الزوج مطلب النساء في (الخيول البيض/رجعة/الحاجة مسعودة/فضيلة/انبعاث).. بينما العلاقة بين الرجل والمرأة موضوع قصص: (الصرة/استرداد لحظة/المرآة).. بينما تخرج أمنيات أخرى عن حدود اليومي والواقعي مثل: (ما رأيك في أن تكون أمنيتي أن يطرد الله إسرائيل؟) "ص36".. أو (أريد نجمةً من السماء!) "ص38".
4 ـ تحفل القصص بحضور كبير للحيوانات.. يستوقف القارئ في كل صفحة.. ناهيك عن القصص التي تدور أساساً حول الحيوان! مثل (الخيول البيض ـ المسخ/الحمار ـ تواطؤ/الكلب ـ الهاوية/الجدي/الكلب/الذئب).. بينما لا تخلو قصة من القصص من وجود الكلب ودوره في تفاصيل القَصّ.. ويذكر هنا اعتماد الميثولوجيا الأساسي على صوَر الحيوانات.. والربط بينها وبين الأشباح "الرؤيا".. أو الظِلال "الذئب".
ثالثاً: الخلاصة "الكتابة المُركَّبة":
لا يلتزم الكاتب "أحمد يوسف عقيلة" بأسلوب أو مدرسة فنية محددة في الكتابة.. وإنما يُطلِق العنان لنفسه موظِّفاً كل ما يُمكن أن يخدم النص.. ورغم أنَّ قصصه هذه قد تبدو تفريغاً للذاكرة الطفولية.. فلا تغادر الواقع إلا بما يقترفه خيال الطفل إذا صح الافتراض.. فقد ارتفع بها من الواقع إلى الرمز دون أن يُثير الكثير من الشبهة حوله.. ولعله يستطيع أن يقول لنا في النهاية: لا.. إنَّ هذه القرية ليست ساكنة أو راضية بما هي عليه.. وهي ليست مقطوعة الوعي.. بل غارقة في التفكير.. وإنَّ مشخَّصاته القصصية لها صفة الرمز أكثر من التسجيل الواقعي.. وظيفتها النقد.. وليس التسليم والانتظار.
وتلعب اللغة عنده ـ كما سبق التنويه ـ دوراً مزدوجاً في المعنى والإشارة.. وأنَّ بالوسع إعادة قراءة النصوص لتقديم المعنى الثاني خلف السطر.. كما يلزمنا في هذه الحال وضع حسن الظن والسهولة جانباً.. كما هو الحال في قصة "المسخ".. التي تصل فيها السخرية حدّاً لاذعاً: (عندما علمن أنه أخ للحمار من الرضاعة!) "ص67".. (وانزوى في برّاكته.. ظهرت في يده مسبحة.. وفي وجهه لحية.. ولم نعد نراه إلا ذاهباً إلى المسجد أو عائداً منه..) "ص67".. (بدأ الضباب ينزاح قليلاً.. وأخذت معالم شيء ما تظهر رويداً.. لقد كان شيئاً خارقاً حقاً.. قصر أبيض ضخم.. يلمع تحت شعاع الشمس.. في نفس مكان برّاكة معيزيق المحترِقة.. أمام القصر سيارة فارهة.. وفوقه شيء كالقُمع الضخم أو القصعة الكبيرة.. قال المعلِّم: هذه ليست قصعة يا جهلة.. هذا اسمه ستالايت.. وقال الإمام: هذه كرامة لمعَيْزيق) "ص69".. (وبدأ معَيْزيق ينثر الأوراق النقدية على الحشد.. امتدت الأيدي.. امتلأت الجيوب.. في تلك اللحظة نهق الحمار.. الْتفت معَيْزيق.. ابتسم.. بدأت الدهشة ترتسم على الوجوه.. اتسعت العيون.. وتحولت الدهشة إلى شهقات.. فقد استطالت أذنا العريس.. وبرز له ذيل! لكن الأفواه لم تنطق.. وظلت الأكفُّ ممتدة إلى سماء معَيْزيق التي تُمطِر نقوداً..) "المسخ" ص72" .
بأسلوبه المُفعَم بالبساطة والحذق يمرُّ على الألغام.. يُفجِّر منها ما يشاء.. ويتركها باحثاً عن غيرها في تلك الأرض الحرام.. التي يتوجَّس الكثيرون من المرور قربها دون أن يُصابوا بشظاياها.. "أحمد يوسف عقيلة" بباكورته المتأخرة قياساً إلى عمره القصصي.. أحد أبرز كُتّاب العربية الحاذقين في الأسلوب والبنية.. وفي اختياراته للصعب والشائك في الحياة العربية.. التي تنتظر الكثير من الحفر والاستفزاز لإزالة الصدأ الذي يكاد يبلغ الجوهر فيفسده.
***

20 فبراير، 2010

خَطّ أَحْمَر!

( خ )
... مَرزوق يلهث.. ينبح.. موجِّهاً نباحه إلى الغراب المرتكز فوق غصن البلُّوطة الأجرد.. فردّ الغراب بإيقاعات من الغاقات: (غاق.. غاق.. غاق).. وهي تعني: (أنت مجرَّد جرو صغير لا يستحق الاهتمام.. عاجز.. جسدك ضامر.. قوائمك قصيرة.. بينما أملك أنا جناحين).. وقد قال كلَّ ذلك في ثلاث غاقات فقط.. فهذه هي بلاغة الغربان!
يقترب مَرزوق.. يضع قائمتيه الأماميتين على ساق البَلُّوطة الخشن.. يحاول بيأس أن يتسلَّق وهو ينبح.. فطار الغراب وصاح بانزعاج: (غاق.. غاق).. وهي تعني على الأرجح: (تفو على الكلاب!).. ثمّ مَدَّ جناحيه فوق الريح.
( ط )
... يتطلَّع إلى قطيع الماعز.. الراعي في الخلف.. الكلاب في المقدّمة.. والتيوس في الوسط.. انعطف تجاهه أحد الكلاب بسحنة غاضبة.. فأخذ موقف الدفاع.. دار حوله الكلب وتشمَّمه من الخلف.. ثمّ حرث الأرض بقوائمه الأربع.. ومضى يلهث.
أعجبتْه هيأة الفحل المَهيبة.. لكنّه لم يعرف ماذا يفعل الفحل بالقرنين.. وفكَّر: (يبدو أنّ القرون زائدة عن الحاجة.. فالتيس يظلّ تيساً حتى بدون قرون).
مرَّ بالقُرب من قطيعٍ آخر.. حرص على ألاّ تراه الكلاب.. ألقى نظرة فاحصة.. واستنتج أنّ الراعي وكلابه وتيوسه من لوازم أيّ قطيع!
تشمَّم الأرض.. فاكتشف أثراً لبول الكلاب على شُجيرات الشبْرق.. فمضى لاهثاً وهو يفكّر: (أينما وضعت أنفك اصطدم برائحة كلب أو تيس .. إنَّ عالماً مزدحماً بالكلاب والتيوس إلى هذا الحدّ هو بلا شك عالم يبعث على...).. قطعت عليه أفكاره عَضَّةٌ في مؤخّرته من أحد الكلاب.. فأطلق عواءً حادًّا.. تلَوَّىَ حول نفسه.. وألْصَق مؤخّرته بالوحل البارد.
( أ )
... أخذ يلعق العشبَ النديّ.. فلسعه نبات الحرِّيق.. وأخذت ذبّابة خضراء تطوف حول أنفه.. ثم التصقت بوجهه.. فنفض أُذنيه بفرقعة.. وشتم العالم الطافِح بالمزعجين.. انتحى جانباً.. أقعى.. وبدأ يفكِّر: (هناك أشياء كثيرة في هذا العالم غير مفهومة.. لماذا لسعني العشب؟ ولماذا بقيت وحدي؟ ولماذا حشروا إخوتي في كيسٍ وأخذوهم بعيداً؟ منذ ذلك المساء لم أرهم.. صحيح أنني في تلك الليلة ارتويت من الحليب.. لكنّ أُمِّي لم تنم ليلتَها.. أنا أتذكَّر ذلك جيداً.. كانت تقف من نومها فجأة.. حتى إنني شعرتُ بالبرد.. وفي الصباح ظلَّت مُمدَّدة بلا حراك.. ثمَّ جاؤوا في المساء وجرُّوها من ساقيها الخلفيتين.. انتظرتُها طيلة الليل ولم ترجع.. كم أَكْرَه المساءات!).
( ح )
... مشى على حافّة الطريق الترابي.. مُتحاشياً البِرَك والأماكن الموحلة.. أمالَ رأسه يميناً وشمالاً متأمِّلاً صورته الباهتة في البركة العَكِرة.. تطلَّع إلى الضجيج.. نبح نباحاً متواصلاً على السيارة المسرعة.. فأطلقت نباحها أيضاً.. قذفت في وجهه المياه العَكِرة.. وبقَّعتْه بالوحل قبل أن تختفي وراء المنعطف.
( م )
... ابتعدَ عن الطريق.. استلقى باسطاً ذراعيه بالقرب من شُجيرة بَطُّوم.. أغمض عينيه وبدأ يحلم.. حلم بأنّهم بنوا له وِجاراً واسعاً نظيفاً.. بسقف أحمر مُحدَّب.. وأصبح بإمكانه أن يتفرَّج على المطر لأوَّل مرَّة دون أن يُصاب بالبَلَل أو يُلطِّخه الوحل.. ويستطيع أن يستلقي دون أن يركله أحد أو يَنهشه في مؤخِّرته.. وإذا مرُّوا بالقرب من الوِجار مشوا على أمشاط أقدامهم حتى لا يوقظوه! بل وقدُّموا له حساءً ساخناً يتصاعد منه البخار الحارّ الشَّهيّ.. وتعوم فيه قِطَع اللحم.. وقد كان يعتقد أنّه من غير المعقول أن يُقدِّموا له هَبْرة.. أخذ يلغ الحساءَ على مهل حتى لا ينفد بسرعة.. وترك قِطَع اللحم العائمة تحت غُلالة البخار إلى أن تزدحم في قاع الطبق.. وفجأة.. صَدَمَه شيء بعنف في مؤخّرته.. فنهض مذعوراً.. وقبل أن يتلقَّى اللكزة الثانية من الحذاء قفز عاوياً.. نظر إلى بُقَع الوحل المتيبّسة على سيقانه وجانبيه.. وعبثاً حاول استعادة حلمه الحسائي.. أحسَّ بأنّه كان سلوكاً خالياً من الحكمة.. بل وحماقة.. أن يلغ الحساءَ على مهل.. وينتظر حتى تتراكم قِطَع اللحم في القاع.. وأَسِفَ لأنّه لم يزدرد ولو هَبْرة واحدة صغيرة.. لعق جوانب فمه.. لعلَّه يجد في لعابه أيَّ أثر للحساء.. ثمّ قال مُعزِّياً نفسه: (أكل الهَبْرة على كل حال ليس ممتعاً.. فأنت تزدردها مرَّةً واحدة.. وتبقى صفر الفم واليدين.. أَمّا العظمة فهي تبقى بين أسنانك فترةً طويلة.. وتمنحك مُتعةَ القَرقضة... وإذا استطعتَ أن تكسرها فأنت تجد فيها شيئاً من الداخل يمكن لَعقه.. لكنّ البشر للأسف لا يكتفون بسلخ الهَبْر.. بل يكسرون العِظام أيضاً.. يمصُّونها.. يتركونها مُجرَّد أنفاق خاوية.. وأحياناً يرفعونها بينهم وبين الشمس.. ويتطلّعون بعينٍ واحدةٍ إلى خَوائها من الداخل!).
( ر )
... أَقْعَى.. أخذ ينظر إلى غربان المساء تطير مُتأنّية في دوائر.. تعبر بينه وبين الشمس مُنحدرةً إلى الأودية.. أحسّ بالألم في ظهره.. وأدرك أنّ الأحذية التي تركل المؤخِّرات تركل الأحلام أيضاً.. وحدَّثَ نفسه: (تكون سائراً على جانب الطريق.. أو نائماً في أمان الله.. وفجأة يتشممّ أحدهم مؤخّرتك أو يعضّها أو يركلها.. لا أدري متى يأتي ذلك اليوم الذي تكون فيه المؤخِّرات خَطًّا أحمر؟!).
تثاءب.. نبح نبحتين في الفراغ.. أحسَّ بأنهما خاليتان من المعنى.. لا تليقان ببلاغة الكلاب.. فينبغي قبل كل شيء أن يُصغي إلى نباحك الآخرون.
كان جائعاً.. مقروراً.. مُلطَّخاً بالوحل.. فاجتاحته رغبة في أن ينبح على أحدٍ ما.. تلَفَّتَ في كل الاتجاهات.. نهض.. وأخذ ينبح على لهب الغروب خلف سواد الغابة.
(2005)

19 فبراير، 2010

لا أُريد أَنْ أُطيلَ عليكم

... يُلقي الدَّبُّور الكبير نظرة فاحصة على البناء.. يهزّ رأسه علامةً على الإعجاب.. ثُمّ يلتفت إلى دبابيره:
ــ لقد أنجزتم العُشّ في وقتٍ قياسي.. آية في البناء.. إنجاز ضخم لصالح الدبابير.. ستسمعون بعض الهراء كقول المشكِّكين إنّ بيتكم مُجرَّد كَومة من الطين الملتصِق.. أَلَم يعلم هؤلاء الجهلة أنّ الطين يتحوَّل إلى معجزة بين يدي الصانع الماهر؟ انظروا ماذا فعل الخالق بحفنة من الطين.. حوّل تلك العجينة اللزجة إلى مخلوقٍ عجيب اسمه الإنسان.. مع أنّ بعض البشر لا يزالون يحتفظون بلزوجة الطين ونتانته.. لا أُريد أن أُطيل عليكم.. وبالرغم من أنّ بيتنا معلَّق في سقف هذه المغارة.. إلاّ أنَّ أساسه ثابت في الصخر.. والبناء يتدلَّى.. نعم يتدلَّى.. هذه هي الكلمة المناسِبة.. إنّ الأمر يستحق الاحتفال.. حتى البشر المتبجِّحون بالهندسة لا يستطيعون إنجازَ شيءٍ كهذا.. فهم يضعون الأساسات في الأرض والبناء يصعد إلى الأعلى.. وحين مال بعض أبنيتهم دون أن يسقط عدّوا ذلك أعجوبة من عجائب الدنيا.
يصمت الدبُّور الأكبر حين يرى بعض الدبابير تتلفَّت وتتهامس.. يجلس في فوهة العُشّ.. يتصفَّح وجوههم:
ــ ام م م.. أعرف.. أعرف.. لقد انشغلتم اليوم بكامله في البناء.. أنتم جائعون.. لا يُمكن لأحدٍ أن يحتفل ومعدته خاوية.. لا أريد من رعيتِي أن تقول عنِّي: (حلاوة لسان.. وقِلّة إحسان).. لا تقلقوا من هذه الناحية.. لدي خطّة للعَشاء.. فأنا لم أكن أجلس في الظلّ طيلة اليوم لأتفرّج.. من أجل ماذا أنا زعيم إن لم أتدبَّر العَشاء لشعبي.. صحيح أنَّني غفوتُ بعض الوقت أثناء القيلولة.. وراودتني بعض الأحلام أيضاً.. لكن يجب أن يعمل البعض بينما يحلم آخرون.. هكذا تجري الحياة.
يطير من حافة الفوهة السفلية.. يحطّ على الحافة العلوية.. يتهيّأ لخطاب جديد:
ــ قبل أن أكشف لكم عن خطة العَشاء ـ على الرغم من أنّها من الأسرار العُليا ـ دعوني أقول لكم شيئاً آخر.. تسمعون ولاشك من حينٍ إلى آخر من يقول بأنّ الدبابير متوحِّشة.. هذا ليس صحيحاً.. بل هو مُجرَّد تشويه.. الدبابير قويّة وليست متوحِّشة.. فالمسألة مسألة لغة أكثر من أي شيءٍ آخر.. والويلُ لِمَن يُحرِّك عُشّ الدبابير.. يقولون بأنّ الفراشات كائنات لطيفة.. شَفّافة.. وأنا أقول بأنّها كائنات ضعيفة.. أرأيتُم؟ المسألة مسألة لغة لا أكثر ولا أقلّ.. لا أُريد أن أُطيل عليكم.. ثُمّ إنّ الدبابير تتمتَّع بجمالٍ لافِت.. فهي ذهبيّة تتخلَّلها حلقات سوداء مثل الأحزمة.. حتى إنّ البشر في هذا الوادي يسمُّون الدبور (بُومْحَزَّم) بسبب تلك الأحزمة.
تَميل بعض الدبابير على بعضها.. يطير دبّور من الصف الأمامي وينزل في الخلف.. يستأنف كبير الدبابير خطابه:
ــ حسناً.. يبدو أنَّني قد أطلت.. لا أريد أن يكون كلامي مجرَّد (مطر في بحر).. يجب أن يكون هذا اليوم تاريخيّاً في حياة الدبابير.. آن لي أن أكشف لكم عن خطّة العَشاء.
يشير إلى الحرس إشارة ذات دلالة.. تطير مجموعة من الدبابير.. تستكشف مُحيط العُشّ.
يهمس الدبور هذه المرّة على غير عادته:
ــ سنُهاجم مملكة النحل في الكهف المجاور.. مملكة تنُزّ عسلاً.. النحل مخلوقات ضعيفة.. تحكمهم أُنثى.. أنثى لا همّ لها سوى الإنجاب.. لعل سِرَّ قوّتِها يكمن في الكَم الكبير من الذرّيّة التي تلدها.. مهمتها الحفاظ على النسل فقط.. وهي لا تُفرز العسل.. بل تأكله.. يعني تأكل ما يُنتجه شعبها.. فالملكة لا تُنتج على عادة كل الملوك.. لا أُريد أن أُطيل عليكم.. وأكثر من ذلك فهي لا تُخطِّط لرعيّتها كما أفعل أنا.. بل تترك كل شؤون المملكة لشعبها.. تصوّروا! ونظراً لاستماتة شعبها في الدفاع عنها سنهاجمهم بمجموعة أسراب.
... الكهف يُظلم.. عُشّ الدبابير أكثر إظلاماً.. يرفع الدبّور الكبير صوته هذه المرّة:
ــ اسمعوا.. لا أُريد أن أُطيل عليكم.. فأنا أعرف أنّ طول السلك يُضيّع الإبرة.. أضعف نُقطة في النحلة هي وسطها.. خصرها.. ذلك الجزء الرفيع الذي يُشبه الخيط.. اقطعوا ذلك الخيط بضربة واحدة وينتهي كل شيء.. ألَم أقل لكم بأنّ النحل مخلوقات ضعيفة؟
... تُحلَّق أسراب الدبابير مُعتقدةً أنّ الخطاب قد انتهى.. لكنّ الدبور يصيح خلفها:
ــ اسمعوا.. كلمة أخيرة.. لا أُريد أن أُطيل عليكم.. (قصر الكلام منفعة).. لا تقتلوا الملكة.. إيّاكم أن تقتربوا من الملكة.
... يجلس الدبّور الكبير على الحافة السُّفلية للعُش.. يؤرجح رجليه الخلفيّتَين.. يقول بصوتٍ يُقطّعه التثاؤب:
ــ مَن.. قال.. بأنّ.. الدبابير.. متوحِّشة؟!
***
(2008)

17 فبراير، 2010

نَشْرة السّاعة العاشِرة

(إلى الشاعر: الرويعي الفاخري)
1
... الحاج (منيْسِي) يعود من المدينة إلى بيته في طرف القرية قبل العاشرة مساءً بقليل.. يضع الراديو على طاولة صغيرة.. يوجِّهه إلى الغرب للحصول على أنقَى صوت.. يُقرّب مخدَّة ليسند عليها الهوائي الذي يرفض الوقوف بنفسه.. ينادي على أحفاده:
ــ تعالوا أسمعوا النَّشْرَة.. جَدّكم تعشَّى مع الوزير.
يدخلون بتثاقل.. يتحلَّقون حوله.. يتَحَسَّس بيده المعروقَة نوط الجهاد اللامع الْمُعَلَّق على صدره.. يَمِيْد إلى الأمام وإلى الخلف في انتظار نشرة الساعة العاشرة.
2
... (منيْسِي) مواطن ليبِي.. مَخْتوم في كُتَيِّب عائلته (مُقيم منذ الولادة).. ليس هذا فحسب.. بل هو سَليل أُسرة شُهَداء.. سقطوا جميعاً في الحرب ضد الطليان.. شارك هو شخصيًّا في أواخر الحرب.. تعرَّض للضَمّ في المعتقلات.. وفوق هذا وذاك يقبض راتبَ المجاهدين.. أربعة وتسعين ديناراً ونصفاً.. قد تتأخَّر عِدَّة أشهر.. لكنّها تأتي في نهاية المطاف.. يقف في الطابور مُستنِداً على عُكّازه بِضْع ساعات.. يُضطَرّ إلى الجلوس أحياناً وسط الطابور.. ينعس أيضاً.. ويلكزه أحدهم:
ــ يا حاج.. فاتَك الدَّوْر.
3
... (كان هذا هو الْمُوْجَز.. وإليكم التفاصيل)..
يضع الحاج (منَيْسِي) سبّابته على شفتيه وهو ينظر إلى أحفاده.. ويهمس:
ــ التفاصيل!
(أقام الأخ رئيس الوزراء مَأْدبة عَشاء هذه الليلة.. حَضَرَها كُلٌّ من الأخ وزير الْخارجية..).
ــ صحيح.. حضر معانا وزير الخارجية!
(والسيّد جوليانو فيليبّو سفيْر إيطاليا في ليبيا..).
ــ حتى الطلياني تعَشَّى معانا.. واحد أشقر طويل.
(والثائر النيكاراغوي غونزاليس اليخاندرو..).
ــ بلحيته.. شعره طويل.. وحتّى اسمه طويل.. خلاص.. قريّب يسمُّونِي.
(والسيّد موهنداس راجا.. أحد نمُور التاميل..).
ــ صَحّ.. نمر أسْمَر.. انتبهوا.. قريّب يسمُّونِي.
(ورجل الأعمال الأمريكي يوسف مردوخ..).
ــ صحيح.. اسمه كيف أسامي العرب!
يرفع الحاج (منَيْسِي) يده للتنبيه إلى الإنصات..
(كما حضر المأدبة أيضاً لفيف من المواطنين).
ــ أيوه.. هَذي.. الكلمة الأخيرة.. لفيف.. أنا في اللفيف!
يَنهض بدون عُكّازه.. يضمّ أحفاده واحداً واحداً.. يقبّلهم.. يُردِّد:
ــ في اللفيف.. في اللفيف..
ينسحب أحفاده متثائبين.. يُرَدِّد:
ــ في اللفيف.. في اللفيف..
يَمشى في الممرّات.. يفتح كلّ الحجرات.. يخرج إلى الْمَنْوَر.. يفتح الباب الرئيسي.. يُطّل على الشارع الْمُظلِم الخالِي من المارَّة.. يتلفَّت وهو يخطو على الرصيف.. يعود بأنفاسٍ مبهورة.. يجلس على العتبة.. يرفع وجهه إلى السماء.. يلمع نوط الجهاد في الظلمة.. يبسط كفَّيه على رُكبتَيه.. يدسّ رأسه بينهما.. يرتعش.. يُحسّ ببَلَل الدمع في راحتَيه.. يردّد هامساً:
ــ في اللفيف.. في اللفيف..
***
(2006)

14 فبراير، 2010

إصداران جديدان لعقيلة

عن دار الحوار بسوريا صدرت هذا الشهر (فبراير 2010) مجموعتان قصصيتان للقاص (أحمد يوسف عقيلة).. هما:
ــ درب الحلازين.. (25 قصة).
ــ غراب الصباح.. (30 قصة).
وستعرَض المجموعتان في معرض تونس للكتاب الذي يبتدئ بتاريخ 25 أبريل القادم.

الصَّقِيْع

الثلج في قريتي
1
... صقيعٌ.. صقيعٌ.. صقيع..
الأبواب موصَدة.. والنوافذ.. المعاطف مُزرَّرة إلى الرقاب.. الأيدي في الجيوب.. أو تحت الآباط.. أسلاك الكهرباء تَعْوي.. الجليد يتكوَّم أسفل الجدران فيُشكِّل إطاراً أبيض.
2
... ينفتح باب.. يُحدِث صريراً مكتوماً.. تُطلُّ جارتنا.. تنظر ناحيتي.. تُغضِّن وجهها بفعل البَرد.. تظهر عند قدميها قطّة ترتجف.. تتمطَّى.. تتثاءب.. ثُم تنصب أُذنيها وتراقبني بدورها.
حين تجاوزتهما.. كانت القطّة تحاول التمسّح بساق المرأة.. فركلتها وأغلقت الباب.
3
... الجليد يغطي كل شيء.. القرية تتجلَّل بدثار أبيض بارد.
ابتسمتُ مُحيِّياً قريبِي الذي مرَّ بالقرب منّي.. فاكتفى بهزِّ رأسه دون أن يلتفت إليّ.
4
... خرجتُ إلى الغابة.. لا أثر للرُّعاة.. لا دخان.. لا مزمار.. كم أحتاج إلى الدفء.. دفء النار.. دفء الحديث.. أنا في حاجة حتى إلى نباح الكلاب! في مثل هذا الصقيع يلوذ الرعيان بالكهوف.
5
... ثمَّة ذئاب هناك في الأسفل.. تتقافز من فوق الصخرة الكبيرة المُشرِفة على حافة السيل.. يتناثر الثلج من تحت أقدامها.. تتصارع.. تتقلَّب.. تقف لاهثة.. يُمكنني رؤية أنفاسها الحارَّة من السفح إلى السفح.. تَلْعَق بعضها بوُدّ.. ثُمَّ تعود لتتقافز من جديد.
كم أحسد هذه الذئاب.. أخذتُ أجري مستمتِعاً بتكسُّر الثلج.. انزلقتُ مع المنحدرات.. صعدتُ مرةً أخرى.. أحسستُ بشيءٍ من الدفء.. وقفتُ لأستردَّ أنفاسي.. وقد امتدت أمامي الحقول الجرداء المقرورة.. مساحة شاسعة من البياض البارد.. هذه أوّل مرَّة أكره فيها اللون الأبيض.. حتى الأشجار تَماهت مع المشهد الكُلِّي.. وانكمشت الأغصان تحت وطأة الجليد.. يا الله.. لو أستطيع أن أكسر كل هذا الصقيع.. كل.. هذه.. البرودة!
(2000)

12 فبراير، 2010

يافطات

( ش )
... (أمّ العزّ) في الرابعة الابتدائية.. في هذا العام تشعر بابتهاجٍ خاصّ.. فالسنة الرابعة هي آحر سنة لاستعمال قلم الرصاص.. في الخامسة سيتسنَّى لها أن تكتب بقلم الحبر.. وهو أمر يدعو إلى التباهي.. وأكثر من ذلك سيكون لحظةً مناسبة لتُعيّر بنات سنة رابعة بأنّهن لازلن يكتبْن بقلم الرصاص.. مازلن يَمصصن أصابعهن.. مُجرد (فَرْخات يغطّيهن الزّغب.. مازال عليهن ريش الحرام).. وقد أضمرت قراراً.. وهو شراء قلم حبر والتدرب على الكتابة به طيلة العطلة الصيفيّة.
( ع )
... في آخر اليوم الدراسي يوزّع المعلِّم واجبات اليوم التالي.. ويقرّر ـ على غير العادة ـ ألاّ يكون الواجب تقليديًّا.. كحَلّ مسائل الحساب.. أو كتابة الصفحة عشر مرّات.. بل كَلّف كل طالب أو مجموعة طُلاّب بواجب مختلف بعيداً عن الكُتُب.. فطلب من بعضهم أن يُحصوا دكاكين القرية.. أو المنازل المسقوفة بالصفيح.. أو المنازل الإسمنتية.. وكلّف أمّ العزّ بنقل نصوص اليافطات.
ــ ما هي اليافطات يا أستاذ؟
ــ اليافطات هي اللافتات!
تظلّ عيناها متعلّقتين بشفتَيّ المعلّم.. يضطرّ للشرح:
ــ اليافطة كلام يُكتَب على لوحة معدنية أو خشبية أو على الجدران ويحمل شِعاراً ما.
تَهزّ أمّ العزّ رأسها إلى الأمام وإلى الخلف.
( ا )
... في العَشيّة تتأبّط كراسةً وقلماً.. تجوب القرية.. تُمَشِّط الشوارع.. تنتبه إلى كل شيء.. فلا يجب أن يغلبها الآخرون.. تجعل مفترقات المداخل ضمن نطاق بَحثها.. فمفترقات الطرُق مكان مناسب لليافطات.. وفي المساء.. قُبيل الغروب.. تعود وقد سَوّدت عِدّة صفحات.. تحتضن كُرَاستها.. وهي تُدرك أنّها قد جَمعت ما يُبيّض الوجه.. تلتفت إلى الغروب وتستغرب بطء الشمس!
( ر )
... تُراقب مقبض باب الفصل بتلهُّف.. يدور المقبض.. ينفرج الباب.. يُحدِث صريراً حادًّا.. يبدو لها صرير الباب في ذلك الصباح مُحبّباً.. تحمل كُرّاستها.. تضعها مفتوحةً باتّجاه المعلِّم بكثيرٍ من الزّهو.
( ا )
... تُراقب وجه مُعلّمها.. يبتسم فتتجهّم.. هل يسخر؟ يطلب منها قراءة واجبها.. تُدير رأسها في كل أنحاء الفصل لترى ما إذا كانوا يُنصتون.. ثُمّ تقرأ بتمهُّل:
ــ مَن تحزّب خان.
ــ أمامك مطَبّات.
ــ لا ثوري خارج اللجان الثورية.
ــ على اليمين منعطف خَطِر.
ــ م + س = ح.
ــ فلتُقطع الأيدي والألسن قبل الرِّقاب.
ــ عاش الأهلي.
تنتهي.. تشبك أصابعها منتظرة.
ــ أحسنتِ يا عِزّ.. لكن بعض ما كتبتِه ليس يافطات.. اليافطة شيء يُعلَّق في مكان بارز لِيَراه الجميع.. وهو إعلان عن شيء ما له أهميّة.. شِعار أو سِلعة.
تحاول أمّ العزّ تطبيق ذلك التعريف على أشياء تعرفها.. يقفز إلى ذهنها في تلك اللحظة عِقد أمّها الذهبِي البَرّاق.
( ت )
... في المساء تلعب في طرف الغابة المحاذية للقرية.. يَمرّ بالقرب منها قطيع ماعز.. تسمع رنيناً داخل القطيع.. تقترب.. يبهرها التيس بِهيأته المهيبة.. والجرس المتدلّي من رقبته.. يرنّ على وقع خُطاه.
تُفَكِّر أمّ العز: الجرس معلّق في مكان بارز.. يسمعه ويراه الجميع.. وهو لاشكّ إعلان عن شيءٍ ما.. تقرّر أن تذهب إلى المعلّم حالاً في بيته لتسأله: هل الجرس المعلَّق في رقبة التيس يافطة؟ لكنّها تُحْجِم في اللحظة الأخيرة.. كيف يُمكنها أن تُخبر مُعلّمها بذلك وهي لا تعرف مُرادفاً لكلمة (تَيس)؟!
***
(2008)

11 فبراير، 2010

في معرض القاهرة للكتاب 2010

في مطار القاهرة
داخل جناح السعودية
عمر الككلي.. أحمد يوسف عقيلة.. سالم العوكلي
أحمد يوسف عقيلة.. محمد الفقيه صالح
عائشة الحاجي.. زياد علي.. جمعة الفاخري.. أحمد يوسف.. سالم العبار

10 فبراير، 2010

قَابِيل

1
... هذا المساء هو دوري في رَعي الجِدْيان.. أنا وشقيقي التوأم نتناوب.. قالت أُمِّي:
ــ اسرح بعيداً.. وسنرى ما إذا كانت الجديان ستشبع كما أشبعها راعي الأمس.. لا تُخيِّب ظنِّي.. أنتَ ابني.. وهو ابن أبيه.. انتبِه للجروَين.. لا تدعْهما يغيبان عن عينيك لحظةً واحدة.
... راعي الأمس.. ها أنا ـ اليوم أيضاً ـ أدخل معه سِباقاً آخر.. سباقاً من السباقات الخاسرة مُسبَقاً.
أبي.. وأُمي.. وحتى الجيران.. مولَعون دائماً بالمقارنة بيننا.. ذات مساء قال أبي:
ــ اذهبا إلى تلك الخرُّوبة.. وقفا جنباً إلى جنب.. حتى أرفع يدي.. وسنرى مَن منكما الفارس.
قالت أُمي:
ــ ابني هو الغالب ولا شكّ.
ــ بل ابني هو الفارس.. سترين أنَّ ابنكِ لن يستطيع حتى إكمالَ السباق.
... وقفْنا تحت الخرُّوبة.. ننتظر إشارةَ أبي.. كنتُ أرتعش.. أبلع رِيقي.
و... ارتفعت يد الأب كالسَّوط.
انطلقْنا.. غاصت قدماي.. أحسستُ بأنهما مشدودتان إلى الأرض.. ولحظة ارتماء شقيقي في أحضان أبيه.. كنتُ لا أزال في منتصف المسافة.. وقهقهات الأب والجيران تسدُّ طريقي.
لم أستطع النظر في وجه أُمِّي.
2
... كنتُ لا أفهم لماذا هو الأكبر؟ ألم نولَد في نفس اللحظة؟ وماذا يعني أنَّه سبقَني بدقائق.. ألم نكُن بُويضةً واحدةً انشطرتْ؟! ألسْنا ثمرة نفس الليلة؟ نفس الدفقة؟ لحظة الشبَق ذاتها؟
عندما يقترب الامتحان تزداد مخاوفي.. يسدُّ عليَّ الطريق أثناء المذاكرة.. كنتُ أراه قابعاً في ذيل كل صفحة!
3
... كلمة أُمِّي لاتزال تتردَّد في أُذني:
ــ اسرح بعيداً.. انتبِه للجروَين.. لا تدعْهما يغيبان عن عينيك لحظة.
الجروان يتمسَّحان بِي.. أمسكْتُ جرو أخي.. تفرَّستُ فيه.. بصبص بذيله.. ولعقَنِي.. ربطتُ طرفَ الحبل في عنقه.. رميت بالطرَف الآخر إلى فرع الصنوبرة.. وسحبْتُه إلى الأسفل.. تشمَّمنِي.. لعقَنِي لَعقةً أخرى.. ثُمَّ أقعَى.
بدأتُ السَّحْب.. الحبل يتوتَّر.. يضغط على الرقبة.. الذراعان تحفران التراب.. أسحبُ.. الجسد يرتفع.. يَخرجُ اللسان.. يتدلَّى.. أسحبُ.. تجحظ العينان.. تتساقط قطرات البول.. أسحبُ.. يختلج.. يتشنَّج.. يُحشرج.. أسحبُ.. أسحبُ.. يُحشرج.. يُحشرج.. يتأرجح.. يـ..تـ..ـأ..ر..جـ..ـح..
... في تلك اللحظة حلَّق فوق الغابة غُراب.. ينعق بلا انقطاع.
***
(1996)

06 فبراير، 2010

الرَّغِيْف

1
... أحسَّ الرغيف بأن أطرافه بدأت تشتدّ.. وأخذ اليباس يعلو وجهه.. لكنه ظلَّ مُعتصمِاً بصمته.
قال التنُّور.. بعد أن نفخ نفخةً طويلة بفعل الصهد:
ــ لماذا هذا الصمت؟ حدِّثْني ما دمنا ملتصقَين إلى هذا الحَدّ.. أم تنتظر حتى تنضج فتصبح طعاماً؟
ــ هذه مسألة لا فكاك منها.. لكنَّ ما يشغلني هو أنني لا أعرف من نصيب أي الأفواه سأكون؟
ــ بَسِيْطَة.. إذا كنتَ أحمرَ مقرمِشاً فستكون من نصيب الحسناوات.. وإذا كنتَ رطِباً فستلوكك العجائز.. أمّا إذا احترقتَ وعلاك السواد فستأكلك الكلاب.. أو الراعي في أحسن الأحوال!
احتجَّ الرغيف:
ــ هذا مَيْز عنصري.. أنا رغيف سواء كنتُ أحمرَ أو أسود.
ــ رغم أنني كتنُّور ضد المَيْز العنصري.. إلا أنَّ هذه هي الحقيقة الموجعة للأسف.
ــ مَن يدري.. قد أقع في فم أحد الجنرالات.. تُرى هل معدة الجنرال تختلف؟
ــ دعْنا من هذا.. وقل لي: لماذا تلتصق فيّ بقفاك؟!
ــ المصادفة وحدها هي التي جعلت من هذا وجهي وذاك قفاي.
ــ يا لها من رحلة ستقطعها بين الفم والقفا!
ــ أتسخرُ منِّي يا قبُو النار؟
ــ أنا لا أسخر أيها اللصيق.
ــ مَن تظنّ نفسك؟ أنت مجرد فم أسود لابتلاع الحطب.
ــ وأنت لستَ أكثر من قَنّان.. لزج كالحلزون.. يبدو أنهم قد عجنوك بخميرة النكد!
... غَضِبَ الرغيف.. ازداد تكوُّراً.. وتحصَّن بصمته.. فيما كان التنور يتساءل عن الحُمرة التي بدأت تغزو أطراف الرغيف: هل هي بفعل النار؟ أم بسبب الغضب؟
2
قال التنور محاولاً ترطيب الأجواء:
ــ نحن نشترك في أمرٍ مهم.. أنت قرص.. وأنا مجموعة من الدوائر من الفم إلى القاع.. ألاحِظ أنك بدأتَ تفقد بياضَك.. ومع أن سمائي ليست زرقاء.. بل هي أقرب إلى السواد.. إلاَّ أنك أصبحتَ كالبدر!
ــ أُحسُّ بالنضج.
ــ هذه نهاية الطريق.
ــ ماذا تعني؟
ــ هكذا هي حياة الأرغفة.. قصيرة.. تمام الأشياء يعني بدايتها في النقص.
ــ أهذه حكمة التنانير؟!
ــ انتظار النهاية لا يُغيِّر من الأمور شيئاً.
ــ وماذا بوسع رغيفٍ مثلي أن يفعل؟
ــ هناك طريقة واحدة لتأخير النهايات.. تَخَلَّ عن صمتك.. ما دمتَ قادراً على الحَكِي فإنك لن تموت.
ــ لكنَّ حكايتي قصيرة.. محدودة.. منذ أن دفنوني حبَّةً في التراب.. إلى أن أَلْصَقوني بك.
ــ أنا أيضاً حكايتي قصيرة.. منذ أن كنتُ في الوادي حجراً من المرمر.. لكنَّ هذا لا يدعوني إلى الصمت.. ثم إنّ حكايتك أزلية.. منذ تلك الحَبَّة التي أنبتت سبع سنابل.
3
... خَبَت الجمرات.. دفنها الرماد الأبيض.. أخذ الرغيف يروي حكايته.. ويروي:
تهطل الشآبيب.. أصابع سماوية تمسح يَبَاس الحقول الحاسرة التي خدَّدتها المحاريث.. ينتشر فَوح التراب المُبلَّل.. تتموج السنابل.. تصفرّ.. تصدح قُبَّرات وجنادِب.. أغمار.. أَجْرَان.. صهيل.. غِلال.. مطاحن.. أحسَّ بأن العمر مهما طال وامتدّ.. فلن يتسع لحكاياته.
تعاقب الليل والنهار.. بدت السماء كحقلٍ أزرق يومض بألف زهرة.. تناسلت حَكَايا الرغيف.
... هطل المطر.. أعشب التنور.. ومن تحت الرماد نهضت سبعُ سنابل..
***
(2001)

04 فبراير، 2010

أحمد يوسف وعجينهُ المسبوت

قراءة في قصة "العَجِيْن"
من مجموعة "غناء الصراصير" لأحمد يوسف عقيلة
المختار بن علي (تونس)
تأْسِركَ قصص (أحمد يوسف عقيلة).. ويجذبكَ سحرُها.. بلغتها الشفَّافة التي ترقَى إلى مدارج الشِّعر في أحيانٍ كثيرة.. مما يجعلها حُبلَى بمعانٍ عديدة.. تزداد كثافتها بكثافة الدلالات اللفظية.. والفائض التصويري فيها.. فضلاً عن الإيقاع الداخلي الذي يتجاوز اللفظة إلى بنية الجملة.. بل إلى مقاطع متعددة في القصة أيضاً.
كل ذلك يجعل دلالات قصص (أحمد يوسف) تهرب وتخوننا كلما حاولنا القبض عليها أو حصرها.. لتُشِعَّ وتُضيء بدلالاتٍ أخرى.. لذلك فمن أي زاوية نظر منها القارئ إلى قصص (أحمد يوسف) توصَّل إلى دلالةٍ ما.
في قصة (العَجِيْن) استطاع القاص أن يُجدِّد إحساسنا البِكر بالأشياء.. ويبعث فينا الدهشة.. ولعلَّ ما يأسِر في هذه القصة.. هو ذلك الخيط الجامع الذي استطاع به القاص أن يربط بين حركة (عزيزة والجُعَل والعنكبوت) في لحظةٍ واحدة.. قد لا تتسع إلى هذا الكَم السردي.. هي لحظة صناعة العجين بُغية الحفاظ على الوجود.. أو لحظة السعي الجادّ والمُتجدِّد يومياً إلى صُنع الغذاء الذي يمنحنا الحياة.
ولعلَّ ما يزيد الدهشة.. ويُساهم في توسيع دائرتها.. هو توسُّل السارد للغةٍ لم تكتفِ بحمل الدهشة ونقلها.. وإنما هي التي خلقتْها أساساً.. وهنا يكمن مظهر من مظاهر الإبداع القصصي عن (أحمد يوسف).. وهو مظهر يقوم على اشتغاله الجادّ والمُضني على محوري الاختيار والتوزيع في اللغة.. وما يخلقه ذلك من انزياح يُولِّد أدبيَّة القَصّ في إبداعه.
وإذا كان ذلك قد جعل شِعرية قصصه تتأتَّى من قُدرته على تحويل الحدث اللغوي إلى ظاهرة فنية.. فإنه منحه أيضاً قُدرة هائلة على تحويل الحادثة البسيطة في الواقع اليومي إلى قصص فنية.. مُشبَعة بدلالات متنوعة ومُكثَّفة.. تستعصي على التحديد والضبط.. وهذا الثراء الدلالي يجعل القراءةَ مستوياتٍ تابعةً لمستوى القُرّاء.. ومن ثَمَّ لا يمكن أن يصل قارئ النص إلى القبض على حقيقته النهائية.. فلهذه الحقيقة مستويات أيضاً.
ينطلق السرد في قصة (العجين) مُجسِّداً لحظةً من لحظات الصباح الباكر.. وجامعاً بين ثلاث شخصيات أساسية ينبني عليها السرد.. يربط بينها فعل العجين.. ويُوحِّدها الإطار المكاني الذي اختاره السارد.. ووضع جُزئياته دون أن يُغرِق في وصفها.. هادفاً إلى نسج مُبرِّرٍ منطقي.. يجعل شخصيات القصة تجتمع في مكانٍ واحد.. وهو اجتماع له دلالته الثقافية والاجتماعية.
يبدو المكان في القصة غائماً.. فالسارِد لم يَسْعَ إلى الْتقاط جميع تفصيلاته الواقعية.. ولكنَّ ذلك لم يَحُل دون أن يكون القارئ قادراً على ملامسة فضائه من خلال الإشارات المُبْتسَرة والدالّة.. وهو ما جعل القصة تخلق من غموض المكان اتساعاً.. يتجسَّد في التعددية المتأتية أساساً من إمكانية الإحساس بأنه قريب منَّا في كل مكان.
إن فعل العجين لا ينحصر في كونه يُشكِّل الخطاب السردي في القصة.. وإنما يُمكن أيضاً أن نقرأ بعضاً من ملامحه في العجين.. الذي سَبَتَه القاص نفسه من خلال خَلْقه لهذه القصة وصناعتها.. وهو عجين تعاقبت في صُنعه حركات سردية.. تمثَّلت في الالتفات المُتتابع والمُتداخِل لفعل شخصيات القصة.. وساهم في بنائه وتكوين نسيجه توزيع دقيق للمقاطع.. جعل القصة في صورتها الخارجية مُميَّزة.
فقد اتَّبع القاص تقسيماً مُعيناً لمقاطع القصة.. ينغرس في الموروث الثقافي.. إذ جعل القصة تتوزَّع إلى ثمانية مقاطع.. الستة الأولى منها تُمثِّل عملية الخَلْق.. والمقطع السابع يوم الاستراحة.. أمّا المقطع الثامن ـ الذي لا ينفصل كثيراً عن سابقه ـ فقد يُجسِّد خَرقاً لهذا الموروث.. والواضح هنا أنَّ غلَبة مقاطع الخَلْق تتضافر في التأكيد على أنَّ العجين.. أو لحظة الخَلْق هي المقصودة.. ومن ثَمَّ فإن العجين يُمثّل الفعل الذي فَتَّق السرد.. ونسج خيوطه.. وجمعها في وحدةٍ واحدة.. مَثَّلها اختيار الكلمة نفسها عنواناً للقصة.
***