23 فبراير، 2010

اختِيَار

1
... فضيلة في ربيعها السادس عشر.. تختلس النظر ـ على استحياء ـ من خلف ألواح النافذة:
ــ هذا ولد الجَزّار.. الغارق دائماً في الدماء.. لا يُجيد شيئاً سوى الذبح السلخ.. أُفّ.. يا لَرائحة الجلود!
ــ مَن هذا المُتأَنِّق؟ آه.. هذا المُعلِّم الجديد.. يعني! لا بأس به.. لكنَّه لم يتمكَّن حتى من قَبْض أول راتب.. لا يملك سيارة.. ويسكن مع أهله.. ماذا يُمكن أن يوفِّر الراتب غير العيش على الكفاف.
ــ مَن هذا المُتعثِّر في مشيته؟ درويش القرية؟ الأعرج.. الأحول.. لم يَعُد ينقص إلاّ هذا.
2
... كبُرت الخَرُّوبة التي أمام البيت حتى تعدَّت السياج.
فضيلة تجلس في النافذة المفتوحة على مصراعيها.. يَد على الخَدّ.. في الأُذن صهيل.. ويتبدَّى القمر أحياناً جواداً أبيضَ راكِضاً فوق السُّحُب.
... من طرَف القرية انطلقت زغرودة.. تغربل جسدها.. اهتزّ.. تزلزل.
ــ هنيئاً لها.. تزوَّجت ابن الجَزّار.. ليس هناك ما يدعو إلى الحسد.. هنيئاً لها برائحة الجلود.
تنهَّدت:
ــ لكن.. هذا ليس أمراً سيئاً من كل الوجوه.. لقد وجدت رجلاً يسترها على كل حال.
3
... استطالت الخَرُّوبة حتى حجبت ضوء القمر عن واجهة البيت.
فضيلة تجلس على عتبة الباب.. تُمرِّر أصابعها ببطء فوق حَبّات العِقْد.
ــ مساء الخير يا فضيلة.
ــ مساء الخير.. مَن؟
ــ ومَن يكون غيري.. الدرويش.. الأحول الأعرج.
ــ الرجل رجل على كل حال.. ولا تعيبه هذه الأشياء.
قهقه الدرويش.
ــ لا تضحك.. أنتَ دائماً لا تُعطي نفسك قَدْرَها.. صدِّقني.. ما العيب في أن يكون الرجل أعرج؟
تعالت قهقهات الدرويش:
ــ وأحول!
ــ وحتى أعمَى.. وأبكم.. وأطرش.. الرجل لا يعيبه شيء.
اختنق صوتها.. أخفت وجهها داخل كفَّيها.. ردَّدت:
ــ الرجل لا يعيبه شيء أبداً.
... توارَى الدرويش في الظُلمة.. وظلَّ صدَى ضحكاته يَمْلأُ ليلَ فضيلة.
(1996)

هناك 12 تعليقًا:

  1. صباح الورد6 يوليو، 2009 1:16 م

    نلقانك صدقت

    ردحذف
  2. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...

    يغالي بائع الخضار على خضاره عندما تكون طازجة ... و ويتهاوى السعر كلما طال ظل الخروبة ... ليكون اقل من السعر ذاته ... فلا يبقى له ثمن ... ولن يبقى له الا الظل الذي يستره من اشعة الشمس ...
    ولكن هل يقرأ بائع الخضار الايام و يعرف كيف يتصرف في بضاعته؟
    نادرا جدا ...


    شكرا لك

    خالص تحياتي

    ردحذف
  3. ها قد مررت من هنا .. تجولت تحت ظلال الخروبة..تلذذت ثمارها الحلوه..حتى أنني اخترتها ضمن القائمة المفضلة.. فلا يروق لي احتساء فنجان القهوة الصباحي؛ إلا تحت جديد ظلال الخروبة ..فدمت مبدعا يا صاحب الخروبة ودامت ظلالها وارفة.
    علاء الكزة

    ردحذف
  4. سالم الكواش23 فبراير، 2010 4:48 ص

    أخي أحمد..
    نعم اليأس أحد الراحتين..والأحلام تبدأ كبيرة وتصغر كلما تأخّر تحقيقها..قصة ممتعة..ولك تحياتي

    ردحذف
  5. جمال المغربي23 فبراير، 2010 5:58 ص

    قالت فضيلة في الاول كيف هو ,وبعدها قالت من هو, وفي الاخر قالت اين هو.

    ردحذف
  6. كبرت الخروبة التي أمام البيت ...
    استطالت الخروبة حتى حجبت ضوء القمر ...
    وخلف الشبايبك والأبواب ، خلف نظرات العيون تتوارى الأحلام ، ويرضى الناس بالواقع ...
    مهجة القلب

    ردحذف
  7. استطالت الخروبة وتقزمت الاحلام والحصان الابيض جمح ,تبحث فضيلة عن فارسها ,عن منقذها ,عاد صعلوكا معتوها,تمنت لو صارت خروبة.

    ردحذف
  8. عبدالله الشلماني23 فبراير، 2010 1:30 م

    مسكينة هذه ( الفضيلة ) ..
    آلاف ( الفضيلات ) يملأن البيوت في أيامنا ..
    أحسنت ودمت مبدعاً ..
    عبدالله بوصالح الشلماني ..

    ردحذف
  9. الرجل لا يعيبه شيء أبدا ، والفضيلة لا تحتاج إلى رجل يجعل منها التاج الذي يزين هامة كل فتاة ....

    فضيلة

    ردحذف
  10. الأستاذ / أحمد يوسف عقيلة

    هل كان لفضيلة حقاً إختيار ؟ أشك في ذلك .

    أنت أيها الرائع تلتقط تفاصيلنا الدقيقة لتردها لنا من جديد حكاية زاخرة بكل التفاصيل ودون تلقي اللوم على مجتمعنا الذكوري .

    تعاطفت مع فضيلة كثيراً دون أن أستطع مد يد العون لها .

    دمت مبدع أيها الرائع .

    أخيك / عبدالحفيظ أبوغرارة

    ردحذف
  11. اقف امامك عاجزة عن الوصف ........... اذهلتني بكل كلمة كتبتها ......... كل كلماتك دقت اثارها داخلي

    ردحذف
  12. انت رائع بجميع المقاييس تحياتي البريعصي

    ردحذف