06 فبراير، 2010

الرَّغِيْف

1
... أحسَّ الرغيف بأن أطرافه بدأت تشتدّ.. وأخذ اليباس يعلو وجهه.. لكنه ظلَّ مُعتصمِاً بصمته.
قال التنُّور.. بعد أن نفخ نفخةً طويلة بفعل الصهد:
ــ لماذا هذا الصمت؟ حدِّثْني ما دمنا ملتصقَين إلى هذا الحَدّ.. أم تنتظر حتى تنضج فتصبح طعاماً؟
ــ هذه مسألة لا فكاك منها.. لكنَّ ما يشغلني هو أنني لا أعرف من نصيب أي الأفواه سأكون؟
ــ بَسِيْطَة.. إذا كنتَ أحمرَ مقرمِشاً فستكون من نصيب الحسناوات.. وإذا كنتَ رطِباً فستلوكك العجائز.. أمّا إذا احترقتَ وعلاك السواد فستأكلك الكلاب.. أو الراعي في أحسن الأحوال!
احتجَّ الرغيف:
ــ هذا مَيْز عنصري.. أنا رغيف سواء كنتُ أحمرَ أو أسود.
ــ رغم أنني كتنُّور ضد المَيْز العنصري.. إلا أنَّ هذه هي الحقيقة الموجعة للأسف.
ــ مَن يدري.. قد أقع في فم أحد الجنرالات.. تُرى هل معدة الجنرال تختلف؟
ــ دعْنا من هذا.. وقل لي: لماذا تلتصق فيّ بقفاك؟!
ــ المصادفة وحدها هي التي جعلت من هذا وجهي وذاك قفاي.
ــ يا لها من رحلة ستقطعها بين الفم والقفا!
ــ أتسخرُ منِّي يا قبُو النار؟
ــ أنا لا أسخر أيها اللصيق.
ــ مَن تظنّ نفسك؟ أنت مجرد فم أسود لابتلاع الحطب.
ــ وأنت لستَ أكثر من قَنّان.. لزج كالحلزون.. يبدو أنهم قد عجنوك بخميرة النكد!
... غَضِبَ الرغيف.. ازداد تكوُّراً.. وتحصَّن بصمته.. فيما كان التنور يتساءل عن الحُمرة التي بدأت تغزو أطراف الرغيف: هل هي بفعل النار؟ أم بسبب الغضب؟
2
قال التنور محاولاً ترطيب الأجواء:
ــ نحن نشترك في أمرٍ مهم.. أنت قرص.. وأنا مجموعة من الدوائر من الفم إلى القاع.. ألاحِظ أنك بدأتَ تفقد بياضَك.. ومع أن سمائي ليست زرقاء.. بل هي أقرب إلى السواد.. إلاَّ أنك أصبحتَ كالبدر!
ــ أُحسُّ بالنضج.
ــ هذه نهاية الطريق.
ــ ماذا تعني؟
ــ هكذا هي حياة الأرغفة.. قصيرة.. تمام الأشياء يعني بدايتها في النقص.
ــ أهذه حكمة التنانير؟!
ــ انتظار النهاية لا يُغيِّر من الأمور شيئاً.
ــ وماذا بوسع رغيفٍ مثلي أن يفعل؟
ــ هناك طريقة واحدة لتأخير النهايات.. تَخَلَّ عن صمتك.. ما دمتَ قادراً على الحَكِي فإنك لن تموت.
ــ لكنَّ حكايتي قصيرة.. محدودة.. منذ أن دفنوني حبَّةً في التراب.. إلى أن أَلْصَقوني بك.
ــ أنا أيضاً حكايتي قصيرة.. منذ أن كنتُ في الوادي حجراً من المرمر.. لكنَّ هذا لا يدعوني إلى الصمت.. ثم إنّ حكايتك أزلية.. منذ تلك الحَبَّة التي أنبتت سبع سنابل.
3
... خَبَت الجمرات.. دفنها الرماد الأبيض.. أخذ الرغيف يروي حكايته.. ويروي:
تهطل الشآبيب.. أصابع سماوية تمسح يَبَاس الحقول الحاسرة التي خدَّدتها المحاريث.. ينتشر فَوح التراب المُبلَّل.. تتموج السنابل.. تصفرّ.. تصدح قُبَّرات وجنادِب.. أغمار.. أَجْرَان.. صهيل.. غِلال.. مطاحن.. أحسَّ بأن العمر مهما طال وامتدّ.. فلن يتسع لحكاياته.
تعاقب الليل والنهار.. بدت السماء كحقلٍ أزرق يومض بألف زهرة.. تناسلت حَكَايا الرغيف.
... هطل المطر.. أعشب التنور.. ومن تحت الرماد نهضت سبعُ سنابل..
***
(2001)

هناك 10 تعليقات:

  1. اللـــــــــــــــــــــه ......
    يال تلك التفاصيل الصغيرة التي تحكي الكثير ...
    وضعت نفسي في مكان التنور ورغيف الخبز ، خيرتها بين أن تكون الأول أو تعيش حالة الثاني ، احتارت نفسي بين اللهيب والليونة لكنها أشعرتني أن فيها من الإثنين الكثير ، لولا النار ماكان النضج ، لكن هل ينتهي النضج بنهاية النار ؟، أم أنها تبقى دائما تحت الرماد تنتظر المزيد من الحبات المظفورة على اعواد السنابل ؟

    نعيمة الطاهر

    ردحذف
  2. أشكرك نعيمة.. وهل الحياة سوى تفاصيل صغيرة؟!

    ردحذف
  3. رجاءتحضر لنا صور من القاهرة شكرا

    ردحذف
  4. سالم الكواش7 فبراير، 2010 6:48 ص

    أخي أحمد..
    بين السطور أشياء نفهمها ولانستطيع التعبير عنه ,
    ألف شكر على هذه القصة.

    ردحذف
  5. ( مرّة مرّة نشرق ونا ناكل في خبزة تنور .. ازعما يكون القنان اللي ناكل منه داير عركة مع التنور قبل لا ناكله ؟.. كيف نعرف أنه جوّه رايق يا أحمد ؟ خوّفتني م القنانين ).
    هذه القصة ذكرَتني بتنور أمي فتسرّب إليَّ إحساسٌ جميلٌ بالدفء..أيها البدوي أنت راااااائع .

    ردحذف
  6. "هطل المطر.. أعشب التنور.. ومن تحت الرماد نهضت سبعُ سنابل"
    عندما يهطل المطر يذوب التنور ، و عندها كما قلت - تنهض سبع سنابل .. شكرا على المشاركة .

    ردحذف
  7. شكرا عالروايه الجميله المتضمنة حكما وحقائق وعجبت لصياغتك لهذه الأمور في سطور قصيره حقا.
    أعانك الله ووفقك أخي أحمد .

    ردحذف
  8. الأستاذ / أحمد يوسف عقيلة
    دائماً تتحفنا بروائعك الجميلة ،وأي حوارية ممتعة هذه بين التنور والعجينة وأي جدل جميل شدنا إلى أخر الحكاية بما تحويه من تفاعل وتناغم وتأكيد بأن المعاناة تولد الإبداع وأن إكتواء العجينة بالنار هي ما تهبنا هذا " القنان " الجميل الذي طالما انتظرناه من أمهاتنا ونحن صغار بين إقترابنا من وهج التنور وإبتعادنا عن لهيبه .

    لك تحياتي

    عبدالحفيظ أبوغرارة

    ردحذف
  9. الاتجاه المعاكس بين الرغيف والنار ,اولئ الابجديات في مسيرة الانسان,واصول الصراع الازلي,كم انت رائع ايها البدوي,تأتي دائما كلمات سلسة وهادئة وبطيئة وتتسارع كأيقاع سمفونية لباخ وتنتهي محدثة الدهشة ليلتى بعدها تصفيق حار.دمت مميزا

    ردحذف
  10. تصفيق حااااااااااااااااااااااااااااااااار

    ردحذف